حكاية من محلتي

348

حكاية من محلتي

حسين الجاف

وانقطعت عنا اخبار الملا (لاله)

الف الناس طلعته البهية السمحة حينما كان يطل عليهم في محلتنا كل صباح ليأخذ صغارهم الى الكتاب البعيد الذي كان يديره اخوه الاكبر الضخم الجثة.. الاحمر الوجه وذو العينين الزرقاوين الغامقتين.. المتعكر المزاج – غالبا – لسبب او بدون سبب واسمه الملا كمال الملا الشاب كان اصغر اخوة الملا الكبير فيما كان يبدو لكنه كان اكثر منه دماثة ولطفا وبساطة وطيبة.. كان يزور دربونتنا الضيقة يوميا وهو الشاب الانيق منور الوجه.. ذو اللحية المحددة بأناقة لافتة ليقرع الابواب الخشبية نصف الدائرية الغاطسة في عمق عتبة الدار والمزينة برؤوس مسامير دائرة ضخمة تقادم عليها العهد فاحتل وجوهها الصدأ ليصبح لونها وسطا بين الاسود ولون القهوة. وبحدود الساعة التاسعة من كل صباح، كانت طرقاته الرتيبة على الابواب العتيقة المتآكلة ايذانا بتهيئة الاطفال بين السادسة والعاشرة من العمر للملا الشاب ليأخذهم في صف طويل واحد منظم يقف واحدهم خلف زميله الاخر في نسق مستقيم ليس طويلا ليسيروا بهدوء وصمت على الرصيف وهو يمشي خلفهم بكل حنو وعطف لا يخلو احيانا من تنبيه بسيط وبصوت منخفض حنون (دير بالك يا ولد.. امشي عدل ابني) اذا خرج احد الاطفال من النسق او انحراف منه خارج المسير لقد كان الملا الانيق الاشقر طويل القامة باسم الوجه غالبا ما يرتدي دشداشة قهوائية اظنها كانت حريرية نظيفة انيقة بلون عباءته شديدة النظافة، يؤدي دور الباص الموصل الى الرياض او المدارس في الوقت الحاضر لكنه كان باصا ادميا يستعمل القدمين بدل اطارات السيارات.. وفي الطريق كان الجميع يفسحون او يوسعون له المجال كي يمر هو وتلاميذه بيسر وسهولة من الازقة الموحلة في كثير من الاحيان ولاسيما ايام الشتاء وكثيرا ما كان المارة يلقون عليه التحية اللطيفة كلما صادفوه او مر بقربهم ولم نسمع يوما انه وبخ تلميذا او عنفه لاي سبب كان بل كان مثالا للمعلم الاب او المربي الناجح او العم الحنون الموجه وكان الاطفال يحبونه جدا.. ويتعاملون معه ببنوة تؤطرها الطاعة التلقائية الحانية وعلى حين غرة لم يعد يطل الملا على اهل محلتنا لاصطحاب الاولاد الى الكتاب حيث كان يجلس اخوه الاكبر في عرينه بجامع كنعان الذي كان يؤم مصليه الحاج ملا جمعة (ابو صلاح) عالم الدين الوديع الطيب حيث كان الاطفال ينفذون الى الجامع من خلال باب صغيرة جانبية مطلية لا ادري لماذا باللون الاحمر القاني الى باحة القسم المخصص بالجامع لتعليم الصغار القراءة قراءة قصار السور القرآنية ومن ثم (جزء عَمّ) و(جزء تبارك) و(جزء قد سمع) وكان الضبط شديدا عند الملا كمال الكبير لتعكر مزاجه المستمر على الرغم من كونه انسانا طيبا شديد التقوى واسع المعرفة بعلوم الدين واللغة العربية. مرة اخرى اقول اختفى الملا (لاله) على حين غفلة ولم يعد يزور المحلة اختفى الشاب الثلاثيني الودود ذو الوجه الصبوح السمح الذي لم نكن نعرف على وجه الضبط اسمه الحقيقي وان كنت ارجح شخصيا ان يكون اسمه (احمد). اختفى نهائيا ولم نعد نسمع عنه شيئا كما اختفت عن مسامعنا عبارة الترحيب الحميمة التي كان اهل محلتنا يستقبلونه بها كلما رأوه اهلا ملاتي وهي عبارة كانت فيما يظهر تسعده كثيرا فيرد عليهم بتحنان ملحوظ

اهلا ولدي.. سلام عليكم

ومرت سنون وسنون فأنقطعت عنا اخباره سمعنا عن موت اخيه (الملا كمال) سريع الغضب شديد الانفعال نقي السريرة اما هو فقد غاب اسما وجسدا واخبارا عن ذاكرة ابناء محلتنا الشعبية التي احبته والتي قضى ردحا من الزمن فيها يخدم صغارها.

مشاركة