حكاية لجوء مفتوحة النهاية -علي السوداني

478

علي السوداني

كنت‭ ‬نزلتُ‭ ‬بعمّون‭ ‬الجميلة‭ ‬،‭ ‬عند‭ ‬وشل‭ ‬خريف‭ ‬السنة‭ ‬الف‭ ‬وتسعمائة‭ ‬وأربعة‭ ‬وتسعون‭ ‬،‭ ‬هارباً‭ ‬من‭ ‬مدينتي‭ ‬بغداد‭ ‬الجميلة‭ ‬المريضة‭ ‬أيامها‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تدشن‭ ‬عامها‭ ‬الرابع‭ ‬من‭ ‬حصار‭ ‬أسود‭ ‬قاتلٍ‭ ‬مجرم‭ ‬،‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬له‭ ‬التأريخ‭ ‬الحديث‭ ‬مثيلاً‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬مُنع‭ ‬العراقيون‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حصتهم‭ ‬الطبيعية‭ ‬من‭ ‬الدواء‭ ‬والطعام‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬وأدواته‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬بدول‭ ‬الحصار‭ ‬اللا‭ ‬أخلاقي‭ ‬،‭ ‬حدّ‭ ‬منع‭ ‬أقلام‭ ‬الرصاص‭ ‬عن‭ ‬أطفاله‭ ‬بذريعة‭ ‬غبية‭ ‬وحاقدة‭ ‬عنوانها‭ ‬«‭ ‬المواد‭ ‬ذات‭ ‬الإستعمال‭ ‬المزدوج‭ ‬«‭ ‬ولو‭ ‬اكتشف‭ ‬الامريكان‭ ‬والبريطانيون‭ ‬طرقة‭ ‬ما‭ ‬لمنع‭ ‬وصول‭ ‬الهواء‭ ‬الى‭ ‬أجواء‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬القهرين‭ ‬،‭ ‬لفعلوها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ذرة‭ ‬شعور‭ ‬بالذنب‭ ‬والآدمية‭ ‬الطبيعية‭ .‬

كان‭ ‬العراق‭ ‬كله‭ ‬يرقد‭ ‬فوق‭ ‬سرير‭ ‬الإحتضار‭ ‬،‭ ‬والضيق‭ ‬الإقتصادي‭ ‬يتكىء‭ ‬على‭ ‬ضيق‭ ‬نفسي‭ ‬مروع‭ ‬،‭ ‬متصل‭ ‬بخنق‭ ‬الحريات‭ ‬والمتنفسات‭ ‬الفكرية‭ ‬عموماً‭ .‬

كانت‭ ‬فكرة‭ ‬الهروب‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عمّان‭ ‬محطة‭ ‬مؤقتة‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬عالم‭ ‬آخر‭ ‬،‭ ‬بدا‭ ‬مجهولاً‭ ‬وغامضاً‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬خياراً‭ ‬وحيداً‭ ‬لعائلة‭ ‬ربّها‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬ذا‭ ‬جدوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬،‭ ‬سوى‭ ‬كتابة‭ ‬القصص‭ ‬والحكايات‭ ‬ونشرها‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬خيّمتُ‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬كتابي‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ . ‬

بعد‭ ‬نحو‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬العمّاني‭ ‬الشحيح‭ ‬،‭ ‬قدمت‭ ‬والعائلة‭ ‬طلب‭ ‬لجوء‭ ‬الى‭ ‬مكتب‭ ‬المفوضية‭ ‬السامية‭ ‬لشؤون‭ ‬وشجون‭ ‬اللاجئين‭ ‬،‭ ‬وأرفقته‭ ‬بملف‭ ‬دسم‭ ‬نامت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬أسباب‭ ‬القبول‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬العدد‭ ‬الضخم‭ ‬من‭ ‬العراقيين‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬سبباً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬تأخير‭ ‬الاستجابة‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬تراكمت‭ ‬السنوات‭ ‬وتشابكت‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬أصدقائي‭ ‬الأردنيين‭ ‬الكرام‭ ‬من‭ ‬النخبة‭ ‬ومن‭ ‬العامة‭ ‬،‭ ‬فوقعت‭ ‬في‭ ‬عشق‭ ‬ربة‭ ‬عمون‭ ‬وقررت‭ ‬البقاء‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬تغيير‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬بلدي‭ ‬العراق‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬العودة‭ ‬الى‭ ‬بغدادي‭ .‬

حصل‭ ‬التغيير‭ ‬بتاسوعاء‭ ‬نيسان‭ ‬الأسود‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬أسوأ‭ ‬وألعن‭ ‬مما‭ ‬صنعه‭ ‬مخيالنا‭ ‬الرومانسي‭ ‬،‭ ‬فحلّت‭ ‬في‭ ‬ديارنا‭ ‬الطائفية‭ ‬المريضة‭ ‬والقتل‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬واستورد‭ ‬الغزاة‭ ‬الهمج‭ ‬الأمريكان‭ ‬لنا‭ ‬،‭ ‬المخدرات‭ ‬والقاعدة‭ ‬وداعش‭ ‬وايران‭ ‬،‭ ‬وحثالة‭ ‬بشر‭ ‬تم‭ ‬تنصيبهم‭ ‬على‭ ‬كرسي‭ ‬الحكم‭ ‬،‭ ‬لينتجوا‭ ‬تالياً‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أفسد‭ ‬دول‭ ‬الأرض‭ ‬،‭ ‬باعترافهم‭ ‬هم‭ ‬ومنظمات‭ ‬القياس‭ ‬العالمي‭ ‬المشهورة‭ .‬

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الكارثي‭ ‬الثقيل‭ ‬وفقداني‭ ‬لأي‭ ‬سند‭ ‬مادي‭ ‬مهم‭ ‬،‭ ‬عادت‭ ‬فكرة‭ ‬اللجوء‭ ‬لتطل‭ ‬ثانية‭ ‬على‭ ‬أيام‭ ‬العائلة‭ ‬الصعبة‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬يممت‭ ‬وجهي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬صوب‭ ‬مفوضية‭ ‬اللاجئين‭ ‬وقدمت‭ ‬لهم‭ ‬ملفاً‭ ‬أكثر‭ ‬دسامة‭ ‬من‭ ‬الأول‭ . ‬حدث‭ ‬هذا‭ ‬عند‭ ‬عتبة‭ ‬العام‭ ‬الفان‭ ‬وسبعة‭ ‬،‭ ‬وبهذا‭ ‬حصلت‭ ‬وعائلتي‭ ‬المكونة‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬أنفار‭ ‬على‭ ‬راتب‭ ‬شهري‭ ‬مقداره‭ ‬مائتين‭ ‬وخمسين‭ ‬دينارا‭ ‬أردنياً‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لسد‭ ‬كلفة‭ ‬ايجار‭ ‬الدار‭ ‬وفواتير‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬وبعض‭ ‬ثقوب‭ ‬الأيام‭ . ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬بسنوات‭ ‬تم‭ ‬قطع‭ ‬هذا‭ ‬الراتب‭ ‬لأنهم‭ ‬زاروني‭ ‬الى‭ ‬الشقة‭ ‬التي‭ ‬أعيش‭ ‬فيها‭ ‬مستأجراً‭ ‬،‭ ‬فوجدوها‭ ‬نظيفة‭ ‬وتخلو‭ ‬من‭ ‬عفن‭ ‬الرطوبة‭ ‬وإضاءتها‭ ‬جيدة‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬جل‭ ‬همّهم‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬ملء‭ ‬بطن‭ ‬اللاجىء‭ ‬بالطعام‭ ‬فقط‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬اعتبار‭ ‬حياتي‭ ‬آخر‭ ‬!! 

مشاركة