حكاية‭ ‬علي‭ ‬بابا-د. نزار محمود

كثيرنا‭ ‬يعرف‭ ‬حكاية‭ ‬علي‭ ‬بابا‭ ‬التي‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬ملحمة‭ ‬الف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة،‭ ‬وكيف‭ ‬كان‭ ‬للحطاب‭ ‬الفقير‭ “‬علي‭ ‬بابا‭” ‬ان‭ ‬وقع‭ ‬على‭ ‬كنوز‭ ‬مغارة‭ ‬الاربعين‭ ‬حرامي‭ ‬بعد‭ ‬استماعه‭ ‬الى‭ ‬سر‭ ‬الدخول‭ ‬اليها‭: ‬افتح‭ ‬يا‭ ‬سمسم،‭ ‬واغلاق‭ ‬صخرة‭ ‬مدخلها‭ ‬بكلمة‭: ‬اغلق‭ ‬يا‭ ‬سمسم‭.‬

هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬أحاول‭ ‬اسقاطها‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬واقع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬للعراق‭ ‬الريعي‭.‬

من‭ ‬يمثل‭ ‬علي‭ ‬بابا،‭ ‬ومن‭ ‬هم‭ ‬الاربعين‭ ‬حرامي،‭ ‬ولمن‭ ‬تعود‭ ‬كنوز‭ ‬المغارة،‭ ‬ومن‭ ‬سيكون‭ ‬مصيره‭ ‬كمصير‭ ‬الجشع‭ ‬قاسم‭ ‬اخي‭ ‬علي‭ ‬بابا،‭ ‬ومن‭ ‬سيقوم‭ ‬بلعب‭ ‬أدوار‭ ‬زوجة‭ ‬علي‭ ‬بابا‭ ‬الساذجة‭ ‬الفقيرة‭ ‬وزوجة‭ ‬قاسم‭ ‬الخبيثة‭ ‬والجارية‭ “‬مورجانة‭”‬؟

في‭ ‬هذا‭ ‬الإسقاط‭ ‬نفترض‭ ‬ان‭ ‬يمثل‭ ‬علي‭ ‬بابا‭ ‬احد‭ ‬المواطنين‭ ‬الطيبين‭ ‬الكادحين‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬القدر‭ ‬له‭ ‬فرصة‭ ‬التخلص‭ ‬من‭ ‬الارهاق‭ ‬والتعب‭ ‬والخوف‭ ‬والقلق‭ ‬في‭ ‬كسب‭ ‬قوته‭ ‬اليومي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمل‭ ‬الاحتطاب‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬الغابة‭.‬

هؤلاء‭ ‬المواطنين‭ ‬الغلابة‭ ‬هم‭ ‬النسبة‭ ‬الاكبر‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬الريعي،‭ ‬من‭ ‬عمال‭ ‬وموظفين‭ ‬وفلاحين‭ ‬وكسبة‭ ‬صغار‭ ‬ومتقاعدين‭ ‬قانعين‭ ‬وراضين‭ ‬وصامتين‭.‬

اما‭ ‬زوجته‭ ‬الفقيرة‭ ‬فهي‭ ‬المرأة‭ ‬المغلوبة‭ ‬على‭ ‬أمرها‭ ‬والراضية‭ ‬بقدرها‭ ‬بالعيش‭ ‬مع‭ ‬زوجها‭ ‬الحطاب‭ ‬الفقير‭ ‬علي‭ ‬بابا‭.‬

أما‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬قاسم‭ ‬بابا‭ ‬هو‭ ‬شقيق‭ ‬علي‭ ‬بابا،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يختلف‭ ‬عنه‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬الجشع‭ ‬والأنانية‭ ‬والمكر‭ ‬ما‭ ‬دفعه‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬امرأة‭ ‬ثرية‭ ‬ليتزوجها‭ ‬تأميناً‭ ‬وضمانة‭ ‬لحياته‭. ‬وبالطبع‭ ‬كان‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬يعانيه‭ ‬اخوه‭ ‬من‭ ‬شظف‭ ‬عيش‭ ‬وقلة‭ ‬حيلة،‭ ‬فلم‭ ‬يعرض‭ ‬عليه‭ ‬عوناً‭ ‬أو‭ ‬عملاً‭ ‬آخر‭ ‬أو‭ ‬شراكة‭ ‬ما‭.‬

زوجة‭ ‬قاسم‭ ‬بابا‭ ‬الثرية‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الاخرى‭ ‬لا‭ ‬ينقصها‭ ‬الخبث‭ ‬والغيرة‭. ‬فعندما‭ ‬طلبت‭ ‬منها‭ ‬سلفتها‭ ( ‬زوجة‭ ‬اخ‭ ‬زوجها‭) ‬ان‭ ‬تقترض‭ ‬ميزاناً‭ ‬من‭ ‬عندهم‭ ‬مدعية‭ ‬انها‭ ‬تريد‭ ‬ان‭ ‬تزن‭ ‬بعض‭ ‬الحبوب،‭ ‬لم‭ ‬تقتنع‭ ‬بذلك‭ ‬وساورها‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬الأمر،‭ ‬لذلك‭ ‬قامت‭ ‬بطلي‭ ‬الميزان‭ ‬بطبقة‭ ‬رقيقة‭ ‬من‭ ‬الشمع‭ ‬لكي‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬أمر‭ ‬ما‭ ‬يوزن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ساعدها‭ ‬على‭ ‬اكتشاف‭ ‬ان‭ ‬الحكاية‭ ‬ليست‭ ‬حكاية‭ ‬حبوب،‭ ‬وانما‭ ‬قطع‭ ‬ذهبية‭!‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬دور‭ “‬مورجانة‭” ‬جارية‭ ‬قاسم‭ ‬بابا‭ ‬في‭ ‬الحكاية،‭ ‬ومن‭ ‬تمثل‭ ‬هذه‭ ‬الجارية‭ ‬في‭ ‬عراق‭ ‬اليوم؟

ان‭ ‬الاسقاط‭ ‬السياسي‭ ‬لهذه‭ ‬الحكاية‭ ‬في‭ ‬عراق‭ ‬اليوم‭ ‬يقول‭ ‬ان‭ ‬الاربعين‭ ‬حرامي‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬يمثل‭ ‬اذرع‭ ‬السلطات‭ ‬المتحكمة‭ ‬في‭ ‬ثروات‭ ‬الشعب‭ ‬الريعية‭ ‬وهم‭ ‬متنوعين‭ ‬بين‭ ‬حرامية‭ ‬أجانب‭ ‬وحرامية‭ ‬محليين‭. ‬الأجانب‭ ‬فيهم‭ ‬دوليين‭ ‬واقليميين،‭ ‬والمحليين‭ ‬فيهم‭ ‬عملاء‭ ‬ومأجورين‭.‬

أما‭ ‬علي‭ ‬بابا‭ ‬فهو‭ ‬نصيب‭ ‬المواطن‭ ‬الذي‭ ‬اهتدى‭ ‬بالصدفة‭ ‬الى‭ ‬المغارة‭ ‬وحصل‭ ‬على‭ ‬مفتاح‭ ‬صخرة‭ ‬بابها،‭ ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬تطل‭ ‬فرحته‭ ‬بسبب‭ ‬بساطة‭ ‬زوجته‭.‬

وهكذا‭ ‬أراد‭ ‬الجشع‭ ‬قاسم‭ ‬أن‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬جمعه‭ ‬الاربعين‭ ‬حرامي‭ ‬ويستأثر‭ ‬به،‭ ‬لكن‭ ‬الله‭ ‬أعماه‭ ‬وأنساه‭ ‬كلمة‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬المغارة‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬بخبثه‭ ‬وسذاجة‭ ‬اخيه‭ ‬علي‭ ‬بابا،‭ ‬فوقع‭ ‬في‭ ‬العقاب‭ ‬الذي‭ ‬استحقه‭.‬

ولكي‭ ‬لا‭ ‬ينفضح‭ ‬أمرهم‭ ‬ولا‭ ‬يقعون‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الحساب‭ ‬جاءت‭ ‬فكرة‭ ‬ترميم‭ ‬جسد‭ ‬قاسم‭ ‬الذي‭ ‬قطعته‭ ‬الحرامية‭ ‬إرباً‭ ‬إرباً‭ ‬عند‭ ‬الظفر‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬المغارة‭ ‬وهو‭ ‬متلبس‭ ‬بفعل‭ ‬السرقة،‭ ‬اهتدت‭ ‬زوجة‭ ‬قاسم‭ ‬وبمعونة‭ ‬الجارية‭ ‬الفطنة‭ “‬مورجانة‭” ‬والادعاء‭ ‬بموته‭ ‬الطبيعي‭ ‬بعد‭ ‬التمهيد‭ ‬له‭ ‬بشراء‭ ‬ادوية‭ ‬علاج‭ ‬لمرضه‭. ‬ان‭ ‬دور‭ ‬هذه‭ ‬الجارية‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬الخبراء‭ ‬والمستشارين‭ ‬لحرامية‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬العراق‭.‬

ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬كنوز‭ ‬المغارة،‭ ‬ولمن‭ ‬تعود؟

ان‭ ‬كنوز‭ ‬المغارة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬الحرامية‭ ‬بجمعها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السطو‭ ‬والسرقة‭ ‬والنهب‭ ‬ليست‭ ‬بعيدة‭ ‬الشبه‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬عراق‭ ‬اليوم‭ ‬بصورة‭ ‬مشروعية‭ ‬مزيفة‭ ‬أو‭ ‬هيمنة‭ ‬على‭ ‬ثروات‭ ‬وتهديدات‭ ‬وابتزازات‭ ‬وقتل‭ ‬وتهجير،‭ ‬لا‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فتاوى‭ ‬لم‭ ‬ينزل‭ ‬الله‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬سلطان‭. ‬فالرواتب‭ ‬الخيالية‭ ‬والوظائف‭ ‬الوهمية‭ ‬والمخصصات‭ ‬الفلكية‭ ‬والعقود‭ ‬الوهمية‭ ‬والصفقات‭ ‬التاريخية‭ ‬والرشاوي‭ ‬والعمولات‭ ‬والاستيلاء‭ ‬على‭ ‬العقارات‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬كنوز‭ ‬مغارة‭ ‬علي‭ ‬بابا‭. ‬انها‭ ‬جميعها‭ ‬ثروات‭ ‬الشعب‭ ‬العراقي‭ ‬البائس‭ ‬التي‭ ‬تذهب‭ ‬سدى‭ ‬دون‭ ‬عدالة‭ ‬ودون‭ ‬استثمار‭ ‬للمستقبل‭.‬

ترى‭ ‬متى‭ ‬سنشهد‭ ‬عقاب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬امثال‭ ‬قاسم‭ ‬الجشع،‭ ‬ومتى‭ ‬تقوم‭ ‬حكومة‭ ‬قادرة‭ ‬وعازمة‭ ‬وعادلة‭ ‬لوقف‭ ‬السرقة‭ ‬والابتزاز‭ ‬والهدر‭ ‬والتبذير؟‭!‬

متى‭ ‬تعود‭ ‬الكنوز‭ ‬لأصحابها‭ ‬ومتى‭ ‬سينصف‭ ‬امثال‭ ‬علي‭ ‬بابا‭ ‬وزوجته‭ ‬الفقيرة؟

واخيراً‭ ‬أتركهها‭ ‬لنباهة‭ ‬القارىء‭ ‬لكي‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬يمثل‭ ‬دور‭ ‬قاسم‭ ‬بابا‭ ‬في‭ ‬عراق‭ ‬اليوم؟‭!‬

برلين،‭ ‬01‭.‬02‭.‬2026