حكاية‭ ‬رمضانية-نوال الجراح

كلّما‭ ‬أتى‭ ‬رمضان‭ ‬تذكرت‭ ‬ُبعض‭ ‬الطقوس‭ ‬الرّمضانية‭ ‬والتفاصيل‭ ‬الجميلة‭ ‬التي‭ ‬كنتُ‭ ‬أستعد‭ ‬لها‭ ‬مُسبقاً‭ ‬وأبدأ‭ ‬بها‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬بناتي‭ ‬مُذ‭ ‬كن‭ ‬َّ‭ ‬صغاراً‭ ‬وماكنتُ‭ ‬أتبعه‭ ‬معهنَّ‭ ‬من‭ ‬نهج‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬تفاصيل‭ [‬null‭]‬اليوم‭ ‬الرّمضاني‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬إهتمامي‭ ‬في‭ ‬أختيار‭ ‬المَطعم‭ ‬الذي‭ ‬سنفطر‭ ‬فيه‭ ‬أو‭ ‬المُسلسل‭ ‬الذي‭ ‬سنتابعهُ‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يعرض‭ ‬مسبقا‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬البرامج‭ ‬والمسلسلات‭ ‬الرّمضانية‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفاز‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التّواصل‭ ‬الأجتماعي،‭ ‬ولا‭ ‬تحديد‭ ‬أيام‭ ‬التسوق‭ ‬وقضاء‭ ‬ليالي‭ ‬رمضان‭ ‬المُفعمة‭ ‬بالروحانيات‭ ‬وصلاة‭ ‬التراويح‭ ‬وضياعها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والمولات‭.‬

كانت‭ ‬لي‭ ‬ذكريات‭ ‬جميلة‭ ‬ومُؤثرة‭ ‬طُبعت‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬بناتي‭ ‬قبل‭ ‬ذاكرتي‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭ ‬عليها،‭ ‬ولم‭ ‬يكُن‭ ‬في‭ ‬فكري‭ ‬أنني‭ ‬سأكتب‭ ‬عنها‭ ‬يوماً‭ ‬ما،‭ ‬خطوات‭ ‬ربّما‭ ‬تبدو‭ ‬صغيرة‭ ‬لكنّها‭ ‬عميقة‭ ‬الأثر‭.‬

رمضان‭ ‬شهر‭ ‬العبادة‭ ‬والتقرّب‭ ‬للّه‭ ‬بأعمال‭ ‬كثيرة،‭ ‬الصلاة‭ ‬النافلة،‭ ‬التراويح‭ ‬،‭ ‬الإنفاق‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬الفقراء‭ ‬والمساكين،‭ ‬مُضاعفة‭ ‬أعمال‭ ‬البر‭ ‬والإحسان،‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الورد‭ ‬القرآني‭ [‬null‭]‬اليومي‭ ‬المُعتاد‭ ‬عليه‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العبادات‭ ‬والشعائر‭ ‬الرمضانية‭.‬

ما‭ ‬أن‭ ‬يُقبل‭ ‬علينا‭ ‬رمضان‭ ‬إلّا‭ ‬وأُشاهدأغلب‭ ‬النّساء‭ ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬عليهنّ‭ ‬بوادر‭ ‬القلق‭ ‬والتفكير‭ ‬مُسبقا‭ ‬لما‭ ‬يتطلبهُ‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬من‭ ‬جهود‭ ‬ومسؤولية‭ ‬مضاعفة‭ ‬تقع‭ ‬عليهنَّ‭ ‬وتُسبب‭ ‬الإرهاق‭ ‬لهنّ‭ ‬ورُبّما‭ ‬تُقصير‭ ‬في‭ ‬العبادة‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬رمضان‭.‬

هنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬حُسن‭ ‬إدارتها‭ ‬لمنظومة‭ ‬الأُسرة‭ ‬ككُل‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬وإدارة‭ ‬الوقت‭ ‬وترتيب‭ ‬الأولويات

وأختيار‭ ‬العبادة‭ ‬أول‭ ‬القائمة،‭ ‬لنيل‭ ‬ثمرة‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم،‭ ‬وتوزيع‭ ‬الأدوار‭ ‬فكل‭ ‬فرد‭ ‬حتى‭ ‬الطفل‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬ومسؤولية‭ ‬في‭ ‬الأُسرة‭ ‬حسب‭ ‬مرحلته‭ ‬العُمرية‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬المرأة‭ ‬رحلة‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬والضغط‭ ‬النفسي‭ ‬بل‭ ‬تكون‭ ‬رحلة‭ ‬إيمانية‭ ‬تُنعش‭ ‬الرّوح‭ ‬وتُجدد‭ ‬عهدها‭ ‬مع‭ ‬الله‭ ‬بأن‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬مراد‭ ‬الله‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭.‬

تحدثتُ‭ ‬عن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬خطتي‭ ‬الرمضانية‭ ‬في‭ ‬برنامج‭ ‬عُرض‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬القنوات‭ ‬الفضائية‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬وتناولتُ‭ ‬أهمية‭ ‬دور‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭ ‬وكيفية‭ ‬حث‭ ‬أبنائها‭ ‬على‭ ‬حُب‭ ‬العبادة‭ ‬فيه‭ ‬وزيادة‭ ‬الهمّة‭ ‬والسّعي‭ ‬للتقرب‭ ‬الى‭ ‬الله‭ ‬أكثر‭.‬

بناتي‭ ‬كنَّ‭ ‬بعمر‭ ‬الأربع‭ ‬والخمس‭ ‬سنوات‭ ‬يرغبن‭ ‬بالصيام‭ ‬معي‭ ‬وبُحب،‭ ‬وهذا‭ ‬يسعدني‭ ‬كأُم،‭ ‬كنتُ‭ ‬أحثهم‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬رغم‭ ‬صعوبة‭ ‬الأمر‭ ‬عليهم‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬نهار‭ ‬رمضان‭.‬

كنتُ‭ ‬أختار‭ ‬بعض‭ ‬الأيام‭ ‬لقيام‭ ‬اللّيل‭ ‬الى‭ ‬صلاة‭ ‬الفجر،‭ ‬وقضاء‭ ‬هذه‭ ‬الليالي‭ ‬مابين‭ ‬التلاوة‭ ‬وسماع‭ ‬حلقات‭ ‬التدبر‭ ‬وتفسير‭ ‬لكتاب‭ ‬الله‭ ‬،‭ ‬والذكر‭ ‬وكنَّ‭ ‬يرغبنَ‭ ‬بالبقاء‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الليالي‭ ‬وتغمر‭ ‬قُلوبهنّ‭ ‬السعادة‭ ‬وهنَّ‭ ‬يُشاركنني‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس،‭ ‬كنتُ‭ ‬أرى‭ ‬الإبتسامة‭ ‬على‭ ‬وجوههنّ‭ ‬وقلبوبهنّ‭ ‬مليئة‭ ‬بالبهجة‭ ‬والطمأنينة‭ ‬وكلّ‭ ‬واحدة‭ ‬منهن‭ ‬جالسة‭ ‬على‭ ‬سجادتها‭ ‬وينتظرنَ‭ ‬بفارغ‭ ‬الصبر‭ ‬دعاء‭ ‬ختمة‭ ‬التراويح‭ ‬ليُرددن‭ ‬معي‭ ‬آمين‭ ‬وأنا‭ ‬أدعو‭ ( ‬اللهم‭ ‬ياحنان‭ ‬يامنان‭ ‬ياديان‭ ‬يارحمن‭ ‬اجعلنا‭ ‬من‭ ‬عتقاء‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬بحرمة‭ ‬رمضان‭…. ‬الى‭ ‬آخر‭ ‬الدعاء‭)‬

كنت‭ ‬أذهب‭ ‬أحياناً‭ ‬لصلاة‭ ‬التراويح‭ ‬وأصطحبهنّ‭ ‬معي‭ ‬للجامع‭ ‬وقد‭ ‬أخذت‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منهنّ‭ ‬سجادتها‭ ‬وملابسها‭ ‬الخاصة‭ ‬للصلاة‭ ‬وسبحتها‭ ‬الصغيرة‭ ‬وكان‭ ‬لكل‭ ‬منهنّ‭ ‬قرآن‭ ‬خاص‭ ‬لها‭ ‬محتفظة‭ ‬به‭ ‬لحد‭ ‬هذا‭ [‬null‭]‬اليوم‭ ‬وله‭ ‬مكانة‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬قلبها،‭ ‬وارتبطت‭ ‬روحها‭ ‬بقرآنها‭ ‬ولها‭ ‬ذكرياتها‭ ‬الخاصة‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬سورة‭ ‬كانت‭ ‬تتلوها‭ ‬أمامي‭ .‬

كنتُ‭ ‬أستخدم‭ ‬معهنّ‭ ‬الترغيب‭ ‬وبأساليب‭ ‬منوعة‭ ‬بحيث‭ ‬تتناسب‭ ‬ومرحلتهنّ‭ ‬العمرية،‭ ‬أتذكّر‭ [‬null‭]‬أحد‭ ‬الأساليب‭ ‬والتي‭ ‬لاقت‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬قلوبهنَّ‭ ‬وأصبحت‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬الراسخة‭ ‬في‭ ‬فكرهن‭ ‬ولاقت‭ ‬استحسان‭ ‬بعض‭ ‬الامهات‭ ‬اللاتي‭ ‬اتحدث‭ ‬أمامهن‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬في‭ ‬جلساتنا‭ ‬التوعوية

اخذتُ‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الورق‭ ‬المقوى‭ ‬الأبيض‭ ‬ورسمتُ‭ ‬شكل‭ ‬قلب‭ ‬عليها‭ ‬وقصصت‭ ‬هذا‭ ‬القلب،‭ ‬وأخذتُ‭ ‬برسم‭ ‬وردات‭ ‬داخل‭ ‬هذا‭ ‬القلب‭ ‬وكتبتُ‭ ‬على‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬منه‭ ‬أسمها‭ ( ‬قلب‭ ‬ملاك‭ ) ‬وطلبتُ‭ ‬من‭ ‬ملاكي‭ ‬الصغير‭ ‬أن‭ ‬تحفظ‭ ‬من‭ ‬سور‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬حسب‭ ‬أختيارها‭ ‬وأستطاعتها‭ ‬وكُلّما‭ ‬انتهت‭ ‬من‭ ‬حفظ‭ ‬سورة،‭ ‬تُسمعني‭ ‬أياها‭ ‬على‭ ‬ظهر‭ ‬الغيب‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬تُتقنها‭ ‬حفظاً‭ ‬أطلب‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تكتب‭ ‬بخط‭ ‬يدها‭ ‬أسم‭ ‬السّورة‭ ‬داخل‭ ‬إحدى‭ ‬هذه‭ ‬الوردات‭ ‬ليمتلئ‭ ‬قلب‭ ‬ملاكي‭ ‬الصّغير‭ ‬بسور‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وشعور‭ ‬السعادة‭ ‬والفخر‭ ‬بدت‭ ‬على‭ ‬ملامحها‭ ‬والإبتسامة‭ ‬على‭ ‬وجهها‭ ‬بعد‭ ‬كتابة‭ ‬سورة‭ ‬جديدة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬تتنافس‭ ‬مع‭ ‬أختها‭ ‬التي‭ ‬تكبرها‭ ‬بعامين‭ ‬في‭ ‬الحفظ‭ ‬لتُسابقها‭ ‬في‭ ‬ملئ‭ ‬قلبها‭ ‬وزهراتها‭ ‬بسور‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ .‬

أي‭ ‬أثر‭ ‬تركه‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬التربوي‭ ‬الرمضاني،‭ ‬البسيط‭ ‬في‭ ‬الجهد،‭ ‬والكبير‭ ‬في‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬ملاكي‭ ‬الصغير‭ ‬،‭ ‬بحيث‭ ‬تفاجئتُ‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬عندما‭ ‬علمتُ‭ ‬أنها‭ ‬مُحتفظة‭ ‬به‭ ‬لحد‭ ‬الآن‭ ‬ونحنُ‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬ذكرياتها‭ ‬في‭ ‬رمضان‭ ‬رغم‭ ‬مرور‭ ‬أعوام‭ ‬عديدة‭.‬

دور‭ ‬الأم‭ ‬عظيم‭ ‬ويتضح‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم،‭ ‬يحتاج‭ ‬الأمر‭ ‬فقط‭ ‬الى‭ ‬الوعي‭ ‬وتنظيم‭ ‬الوقت‭ ‬والسعي‭ ‬الحقيقي‭ ‬وبُحب،‭ ‬في‭ ‬توزيع‭ ‬المسؤوليات‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬أطفالها‭ ‬شباب‭ ‬المستقبل‭ ‬جيل‭ ‬كسول‭ ‬عالة‭ ‬على‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬ولكي‭ ‬يشعر‭ ‬الطفل‭ ‬بأهمية‭ ‬دوره‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬عموماً‭ ‬وفي‭ ‬الأسرة‭ ‬خصوصاً‭ ‬ولكي‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬المرأة‭ ‬وحدها‭ ‬ضغط‭ ‬المسؤوليات‭ ‬وتضيع‭ ‬عليها‭ ‬فرصة‭ ‬الإستمتاع‭ ‬بكل‭ ‬عبادة‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬وتحرم‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬نعمة‭ ‬الخشوع‭ ‬والتدبّر‭ ‬والسعي‭ ‬لمشاركة‭ ‬أفراد‭ ‬عائلتها‭ ‬بأعمال‭ ‬الخير‭ ‬والإحسان‭.‬

الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬وأثر‭ ‬كل‭ ‬سلوك‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬والعائلة‭ ‬وتنظيم‭ ‬الوقت‭ ‬والقدوة‭ ‬الحسنة‭ ‬والعبادة‭ ‬الخالصة‭ ‬لله‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأُسس‭ ‬التي‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬إمراة‭ ‬الإنتباه‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭.‬

ليكون‭ ‬شهر‭ ‬الطاعة‭ ‬بحق،‭ ‬ونيل‭ ‬رضا‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬والفوز‭ ‬بجنته‭ ‬في‭ ‬الآخرة‭ ‬إن‭ ‬شاء‭ ‬الله‭.‬