حكاية أبو علاوي السوداني –  عامر العيثاوي

223

حكاية أبو علاوي السوداني –  عامر العيثاوي

في صبيحة مبكرة أستيقظ  وكيل الحصة التموينية المكنى في أرجاء الحي بـ “أبو علاوي السوداني” لم تكن الشمس قد أشرقت بعد ولكنها تكاد، تطلع ببطء في أرجاء غرفته ليتأكد بتنهيدة عميقة و استغراب بأنه حقيقة سيودع هذا المكان.

نام ليلته الماضية وأخته الكبرى “أم ميمونة” على فراش مطروح أرضاً، باستثناء حقائب السفر كان المنزل خاوياً بالمعنى الحرفي، لم يعدّ هنالك وجود لأكياس الطحين والسكر وقناني الزيوت وأكياس الحليب المجفف بعد نقل ملكية الوكالة لشخص آخر.

كما أنه نجح بالتخلص الأسبوع الماضي من الثلاجة والمجمدة بسعر رمزي، وتبرع بالتلفزيون الملون القديم وبقية الأغراض من الأثاث والأفرشة والسجاد لأرملة تعاني من شظف العيش.

لم يكن يدري أين سيمضي الساعات الخمس أو الستة القادمة، بزغت في ذهنه رغبة أبتسم لها، ترك أخته نائمة ومضى يتمشى بين الشوارع والأزقة.

وصل لهذا الحي الشعبي ذات يوم شتوي ممطر وهو دون العشرين كأحد حرفي الحدادة الماهرين للعمل بتشييد بناية ضخمة للدراسة الإعدادية المهنية مع عمال آسيويون انتشرت عنهم إشاعات الاقتيات على لحوم القطط المنزلية، قادماً في الطريق البري الطويل من السودان إلى مصر فالأردن وصولا إلى “بغداد”.

وبدت له الناحية الواقعة على أطراف العاصمة غريبة بتكوينها ففي الوقت الذي كان المركز مدينة عصرية بشوارعها الإسفلتية والدوائر الحكومية إضافة لمجمع سكني حديث أنشأ خصيصاً لموظفي الحكومة سمي بعدد منازله الخشبية الجميلة المتلاصقة “دور الخمسين”.

تتحول المدينة بشكل مفاجئ بنهاية السوق لنمط من حياة الريف، فالساقية الصغيرة والمستمدة مياهها من نهر الفرات تتلوى بين دور الفلاحين الطينية، وتمتزج جعير الأبقار مع تغريد العصافير، وتتوزع الأراضي الزراعية وأشجار النخيل والفواكه على امتداد الرؤية.

وعلى جانب النهر ذاته يسكن أقرباء كورد بحدود من العشرين عائلة ابتنوا لأنفسهم مجموعة من الدور المتجاورة الجميلة المشيدة جدرانها من قوالب “لبن الطين المربعة” وكسيت فناء المنازل  بطبقة من الأسمنت الأبيض ناصعة البياض.

لغة كردية

واستطاعوا على مدى سنوات المحافظة على نمط ملابسهم وعاداتهم، فكان كبار السن يجتمعون ويتبادلون أحاديثهم باللغة الكردية، أما الشباب والأطفال فقد اندمجوا بمحيطهم وتعلموا اللغة العربية لكنهم يقلبون بشكل غريب المؤنث إلى مذكر وبالعكس كذلك.

وغير بعيد من إعدادية الصناعة تستقر طاحونة حجرية مهجورة في معمل كبير يغطي سقفه صفائح من “الجينكو” وهي من معالم المنطقة المميزة والتي انبثقت فيما بعد من سباتها أيام الحصار الاقتصادي.

ومنذ الوهلة الأولى تعلق قلبه بهذا التمازج العجيب فلما تم الانتهاء من المشروع ارتأى عدم العودة واقتنى عربة لبيع الوجبات السريعة، فكان يضع قدرين من “الحمص” و “الباقلاء” مع المقبلات، وغدت ملامحه مألوفة لسكان الحي وأحبوه.

عند اندلاع أزمة التسعين كان قد جمع مبلغاً جيداً وفكر جاداً بإنهاء غربته، لكن الأهالي رشحوه دون علمه كأحد وكلاء البطاقة التموينية التي اشتهرت أيام الحصار، فاتخذ من منزل كان في الأساس “جمعية تعاونية” مركزاً لتوزيع المواد الغذائية.

وفي تلك الفترة بالذات أغرم بفتاة عشرينية لكن أباها وبدافع من الريبة أخبره كاذباً أن الفتاة مخطوبة سلفاً لأبن عمها، وقد تحمل تلك الصدمة بكثير من المرارة، وبعد مرور الأعوام وزواج الفتاة، شعر الرجل بذلك النوع من تأنيب الضمير، فكان يخبره بكثير من الأسف:-

–  لو كان ابنة أخرى لأجبرتك أن تكون نسيبي ولو مكرهاً.

فيكتفي من جهته بابتسامة تنم عن طيب خاطر، كان من المفروض أن تشكل هذه القصة نقطة حاسمة  ببقائه غريباً لكنه أحب المكان بذكرياته الحزينة والسعيدة.

سار من أمام “أعدادية الصناعة” التي ساهم بإنشائها، ولشد ما تغيرت فقد أصابها الهرم، فانتشرت الحلفاء في باحتها الواسعة وسقطت أجزاء كبيرة من “سياجها” المشبك الخارجي، وأضحت ألوان الجدران باهتة، لم يعد هنالك وجود للساقية فقد ردمت وبنيت فوقها منازل أسمنتية صماء، معمل الطحين عاد وأصبح مهجوراً بعد أحداث عام 2003 وكذلك “الكورد” فقد غادرت عوائلهم لكردستان، فجعل يعزي نفسه: “لست الوحيد الذي يغادر”.

كنت قد رزقت بولدين ولا بد لي من استخراج بطاقة تموينية بمعزل عن أهلي، نصحتني أختي أن أختار “حسين السوداني” فالجميع يشهد بصدقه ونزاهته، وكانت تلك المرة الأولى التي أسمع باسمه.

كان قد جاء لمحلتنا قبل ولادتي بزمن بعيد حتى أن الرجل عاصر جميع مآسي الوطن وحروبه الممتدة من الثمانينات حتى الاحتلال الأمريكي وبقي صابراً دون العودة لوطنه الأم.

ولدى سؤالي عن دكانته، أخبروني أنه يؤجر منزل يستعمله كمستودع لمفردات البطاقة التموينية، ولا زال مرآه الأول عالقاً بذاكرتي، فقد كان مغطى بالطحين من أعلى رأسه حتى أخمص قدمه، فقد كان منشغلاً بتوزيع الطحين للعوائل بنفسه.

فيما بعد تبين لي ملامحه كان على نحو الخمسين، أسمر البشرة، بشارب دقيق يكتنفه الشيب وكذلك شعر رأسه، تعلو وجهه ابتسامه هادئة، لهجته رائعة فهي مزيج بين العراقية والسودانية، ومع غربته كان لا يزال أحد العزاب المشهورين بمنطقتنا.

كان يتبرع من وقته خدمة المسجد و تنظيفه، وعمل سقائف الحديد للباحة الخارجية للمصلى فهو حداد ماهر ويرفع الآذان أحياناً، وفي المرات القليلة التي كنت أحدثه، لا يفوتني أن أمازحه بمرارة: “متى سترجع للسودان من جحيم الوطن”، فيبتسم لي: “كلنا في الهم واحد”.

سيدة طويلة

ذات صباح فوجئ الناس بامرأة في الستين من عمرها تسأل عن شقيقها، كانت سيدة طويلة وسمراء تلف حول جسدها قطعة من القماش الملون بزهور زرقاء فاقعة على غرار الزي السوداني.

عندما أوصلوها بادرته بلهجة عتاب ساخنة وأن كان أحداً من الحضور لم يفهم أبعاد المسألة، فلغتهما الدارجة بدت وكأنها طلاسم، لكن الحي أدركوا أنها جاءت لهدف وحيد العودة به راغباً أو كارهاً.

وبعد شهر من مناوراته ورفضه استطاعت أن تأخذ منه كلمة موافقة وعندما أراد التراجع هاجمته بما تجيده الدموع، هكذا كان عليه الاستسلام والاستعداد للمغادرة.

قبل رحيله بشهر، جاءني لمكتبتي وطلب استنساخ مستمسكاته الشخصية، كانت هوية أحواله المدنية عبارة عن دفتر جيب صغير، وفيها صورته وهو شاب بشعر عالي مجعد كما أبناء وطنه تماماً، أخبرني بأنه قرر العودة لوطنه، وأضاف بتنهد:-

– غربة لأكثر من ثلاثين عاماً تكفي.

تجمعنا بالعشرات لوداعه، تأملتنا شقيقته بنظرة انتصار بأنها نجحت بسرقته منا أخيراً، بدا أنيقاً في بدلته السوداء ونظرة حزن على وجهه، صافحنا واحداً واحداً وبكى كثيراً كما الأطفال بتنهيدة عميقة، ارتفعت الأصوات تعزيه: “صلي على النبي أبو علاوي”، فيما أنشغل الشباب بتصوير هذه اللحظات بكاميرات الجوال.

كانت آخر كلماته قبل صعوده لمركبة الأجرة: “عندما أموت صلوا علي بالمسجد صلاة الغائب”، يوم البارحة اتصلت به هاتفياً، أخبرني بأنه عرفني من صوتي، لم يكن بد من سؤاله أن كان أفق حياته زوجة ما كانت إجابته ضحكة طويلة، قبل أن يصمت، خيل لي أنه كان يبتسم وهو يخبرني بهدوء:

– لا حاجة ان تقيموا علي صلاة الغائب، الأسبوع القادم سأكون بينكم.

مشاركة