حكاية‭ ‬الدم‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬توهَّجَ‭ ‬تحت‭ ‬نصب‭ ‬الحرية‭ ‬برصاص‭ ‬القنَّاصين – حسن النواب

970

تحقيق‭ ‬إنساني‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬

متظاهرون‭ ‬بعمر‭ ‬الوَرد‭ ‬وبسالة‭ ‬الفرسان

تحقيق إنساني عن كثب…

متظاهرون بعمر الوَرد وبسالة الفرسان

حكاية الدم العراقي الذي توهَّجَ تحت نصب الحرية برصاص القنَّاصينْ

حسن النواب

 

في ليلة 1/10/2019 وصلتُ إلى بغداد مع صديقي الشبيه بفنان فكاهي شهير؛ صديقي هذا، مغامرٌ ‏مثلي ويحرصُ على مرافقتي في مشاويري منذُ سنواتٍ طويلةٍ؛ إنْ كانت للسهر في نادي الأدباء؛ أو ‏لزيارة الصحف التي تنشرُ نصوصنا، أو لأمور إدارية، وحتى في مغامراتي المحفوفة بالمخاطر؛ لقد تركنا ‏مدينتنا المقدَّسة هذه المرَّة لمتابعة معاملة تتعلَّق بوظيفتي التي تراوح في مكانها منذُ أكثر من عام…

ليلة الرصاص

لم ‏يكن صاحبي مطمئناً طوال الطريق، فهو يعرف أنَّ يوم غدٍ هو موعد تظاهرات عارمة ستنطلق تحت ‏نصب الحريَّة؛ أوَّلُ عرقلة واجهتنا كانت في فندق “باخان” الذي تعوَّدنا الإقامة فيه، إذْ فوجئنا بغلق ‏أبوابه للصيانة، وكان لابدَّ من إيجاد فندق بديل على وجه السرعة قبل أنْ يدركنا الوقت؛ ذهبنا إلى ‏فندق سياحي في ساحة كهرمانة؛ لكن الغرفة الضيَّقة لم ترق لنا؛ وهنا تذكَّرت فندق قصر السدير ‏المطل على شارع السعدون والقريب من الباب الشرقي؛ ذلك الفندق الذي أرشدني إليه الصديق ‏الراحل إبراهيم الخيَّاط قبل عام؛ حين تأخَّرتُ في نادي الأدباء ذات ليلة صاخبة؛ نجحنا في حجز ‏غرفة رائعة تحمل الرقم (…) خلال دقائق؛ حيث إنَّ إدارة الفندق تستقبل الأدباء بترحاب واهتمام ‏ملحوظين؛ أمضينا تلك الليلة في غرفتنا حتى ساعة متأخرة من الليل؛ ومع ذلك أفقتُ عند الساعة ‏التاسعة صباحاً، بينما كان صاحبي يشخر مثل باخرة على وشك الإبحار؛ وجدتُ من العبث إيقاظه ‏من نومتهِ العميقة، من المؤكَّد سيحتاج إلى أكثر من نصف ساعة حتى يستحم ويرتدي ملابسه؛ ‏وهذا يعني سأتأخر عن موعدي في وزارة الثقافة؛ فتركت الفندق بلا فطور، مستعيناً بسيجارة على ‏الريق وتجاهلتُ مشاكل الرئة التي أعاني منها منذ شهور؛ اكتريتُ سيارة أُجرة من باب الفندق ‏وبحوزتي مظروفٌ لصديق فنان من مدينتي المقدَّسة، طلب مني إيصاله إلى إدارة جائزة الإبداع العراقي ‏للمشاركة في مجال التأليف الموسيقي؛ حين وصلتْ سيارة الأُجرة إلى نفق الباب الشرقي؛ رأيتُ ‏المتظاهرين يقفونَ بصفوفٍ منتظمةٍ تحت نصب الحرية وهم يرفعون الأعلام العراقية بصمتٍ مريبٍ؛ ‏لفتَ نظري أعمارهم الصغيرة وملابسهم الأنيقة ووجوههم اليانعة والمشرقة؛ كأنَّهم طلبة متوسطة ‏وإعدادية في رحلة مدرسية، في حين انتشرتْ أمامهم مجاميع كبيرة من قوَّات مكافحة الشغب يحملونَ ‏الأسلحة المخيفة والهراوات والدروع الواقية؛ كان عدد الجنود المتأهبين يفوق حشد المتظاهرين؛ ناهيك ‏عن وجود مركبات تدفَّق الماء والهمرات التي توزَّعت في محيط النفق؛ قلتُ للسائق هازئاً: المتظاهرون ‏أقل بكثير من قوات مكافحة الشغب؛ أجابني كمن يدافع عن المتظاهرين: مازال الوقت مبكراً، عند ‏الساعة الثالثة بعد الظهر سيملؤون الباب الشرقي، كان الطريق سالكاً إلى جسر الجمهورية في ذلك ‏الوقت؛ ولذا وصلتُ إلى وزارة الثقافة في الموعد المحدد؛ غير أنَّ كل شيء تغيَّر فجأةً بعد انتصاف ‏النهار؛ أُغلق جسر الجمهورية وجميع الطرق المؤدية إلى المنطقة الخضراء، واجهتُ صعوبة بالغة بالعودة ‏إلى الفندق، حتى دخلتهُ عند الساعة الرابعة والنصف عصراً؛ بعد أنْ سلك سائق سيارة الأُجرة طريقاً ‏ملتوياً؛ وجدتُ صاحبي مُنشرحاً؛ وقد أجهزَ على كل المؤونة التي تركتها في الثلاَّجة؛ فطلبتُ منهُ ‏مرافقتي لشراء مؤونة جديدة من منطقة البتاوين؛ وهناك حاصرنا صوت الرصاص المنطلق من قوَّات ‏مكافحة الشغب بُغتةً؛ شعرتُ كأني أخوض معركة في ساتر متقدّم من الحرب، ارتبكَ صاحبي وأنا ‏أحثَّهُ على الجري أملاً بالوصول إلى الفندق؛ بعد أنْ استطعنا من شراء لوازمنا، حين دخلنا إلى ‏الغرفة، تكاثف صوت إطلاق الرصاص؛ وتطوَّر الأمر إلى استخدام الرُباعيات بتفريق المتظاهرين، ‏تلك الأسلحة التي تُستخدم بمقاومة الطائرات؛ كانت هتافات الشُبَّان الغاضب تخترق جدار غرفتنا ‏مختلطة مع لعلعة الرصاص؛ هتافات مستغيثة جعلتْ الدمع يترقرق في عيني، ولن تخفتْ تلك ‏الهتافات حتى جنحتْ الشمس إلى الغروب؛ في حين كان رشق الرصاص متواصلاً بلا هوادة، سمعنا ‏ارتطام رصاص في جدار الغرفة من الخارج، فتركنا الغرفة إلى صالة الاستقبال؛ كان من المخجل أنْ ‏نلوذ في الغرفة بينما عشرات المتظاهرين يذبحون تباعاً برصاص حقود؛ تجرَّأتُ وقرَّرت الخروج من ‏الفندق إلى شارع السعدون لاستطلع الأمر، يا إلهي كأني أمام معركة شرسة في حربنا مع إيران؛ ‏الدخان الأسود يملأ السماء، والرصاص ينبح بشراسة؛ والمتظاهرون يركضون بهلعٍ نحو ساحة النصر؛ ‏ومجاميع قوات مكافحة الحرية وليس مكافحة الشغب يطاردونهم؛ صرخ أحد المتظاهرين مستنجداً: ‏ساعدوني على حمل صديقي الجريح، هرع مواطن من اليمن يسكن في الفندق كان يقف لجواري ‏لنجدته؛ بعد دقائق عاد المواطن اليماني بيدين مخضَّبتين بدم طازج والدمع يهمي من عينيه؛ عرفتُ ‏منهُ أنَّ المتظاهر الشاب فارق الحياة، صرخ بي صاحبي أنْ أعود إلى داخل الفندق، بينما كنتُ أهمُّ ‏بالانضمام إلى المتظاهرين الذين عادوا لتنظيم صفوفهم عند ساحة النصر، كنتُ في حيرةٍ من أمري، ‏هل أذهب إليهم؛ فهم بحاجة إلى من يقودهم، أم أمكثُ في مكاني لتسجيل ما يحدث من انتهاكات ‏بحق هؤلاء الشبَّان الأبرياء؟ وقبل أنْ أحسم قراري، رأيت قوَّات مكافحة الشغب تتقهقر مرتبكة أمام ‏صيحات المتظاهرين؛ واختفوا في أزقة البتاوين مع أسلحتهم القاتلة وهراواتهم ودروعهم الواقية؛ في ‏حين تقدَّمتْ حشود المتظاهرين الشبَّان بثبات وحماس وشجاعة نادرة نحو ساحة التحرير مرَّة أخرى، ‏لا أدري من أين انطلق عليهم الرصاص بكثافة؛ فانزويتُ بركن الفندق، كان المتظاهرون قد وصلوا ‏أمام فندق بغداد، وبرغم الرصاص الكثيف تمكَّنوا من الاستيلاء على مركبة للشرطة، في حين تعالت ‏صيحات احتجاجهم بضراوة، لقد شاهدوا قنَّاصاً فوق سطح فندق بغداد، واختلط الحابل بالنابل، ‏سمعتُ من أحد المتظاهرين أنهم أمسكوا بالقنَّاص وأضرموا بجسده النار؛ بينما أشعل بعض ‏المتظاهرين النار في حاويات القُمامة، وخلال دقائق تحوَّل شارع السعدون إلى غابة من الجحيم ..

جوع ودموع

أخرجتُ هاتفي النقَّال من جيبي لتصوير الحرائق التي نشبتْ في شارع السعدون؛ وإذا بأحد نزلاء ‏الفندق يُحذَّرني بصوتٍ مختنق؛ سيطلقونَ عليكَ الرصاص، توقَّف عن التصوير، استجبتُ لندائهِ ‏ودفنتُ هاتفي النقَّال في جيبي، اقتربتُ منهُ وسألتهُ بارتباك: من تقصد؟ أجابني قوات مكافحة ‏الإرهاب لا ترحمك يا أخي، شكرتهُ على نصيحتهِ، ولبثتُ في مكاني أرنو للمتظاهرين بعينين دامعتين ‏إثر الغازات المسيلة للدموع التي مازالت بعض سحبها الدكناء تعوم في الفضاء، وقد اختلط معها ‏الدخان المتصاعد من حاويات القمامة التي ترتفع منها ألسنة النيران، لقد أضرم المتظاهرون الفتية ‏فتيل النار بتلك الحاويات لإرباك القوات التي كادتْ تحاصرهم عند فندق بغداد، ونجحتْ فكرتهم ‏بتشتيت قوات مكافحة الحرية الذين تواروا في أزقة البتاوين مع أسلحتهم القذرة؛ لا أدري لماذا شعرتُ ‏بجوعٍ كافر يغزو معدتي؟ ربما نتيجة قلقي وتوتري وربما خشية من رصاصة طائشة كانت تبحثُ عن ‏رأسي، في علم النفس قرأتُ أنَّ المكتئب واليائس والمرعوب يلتهم الطعام بغزارة ولكن بلا لذَّة؛ قلتُ ‏لصديقي لنأكل وجبة بسيطة من مطعم “فالح أبو العنبه” الذي لا يبعد عن الفندق سوى عشرات ‏الأمتار، طلبنا شطيرتي فلافل، وقبل أنْ أقضم شطيرتي لمحتُ أحد المتظاهرين الشُبَّان ينظر نحوي ‏بشفقةٍ؛ انتابني الخجل، ولكي أتفادى الحرج الذي وقعتُ فيه، دعوتهُ لتناول الطعام؛ تقدَّم نحوي ‏بخطوات متعبة وهو يردّد: لم أشرب سوى الماء منذ الصباح؛ هتفتُ على عامل المطعم أنْ يسرع ‏بتقديم ما يشتهي من طعام، همس بخجل شطيرة فلافل تكفي، التهم الشطيرة خلال دقائق، رجوته ‏أنْ يأكل واحدة أخرى، قال بحزن: كل المتظاهرين جوعى، ارتعدت عظام صدري حين سمعتُ ذلك، ‏والشطيرة لما تزل كاملة بين يدي، أعطيتها لصديقي لأخرج محفظة نقودي؛ كان فيها ستون ألف ‏دينار، دفعتها إلى عامل المطعم مقابل تحضير شطائر الفلافل بثمنها، وحين اكتمل تجهيزها، وضعتُ ‏الأكياس بيد المتظاهر الشاب والتمستُ منهُ توزيعها على المتظاهرين؛ حينها انبرى رجل ضخم الجثة ‏من الفندق؛ يبدو أنه كان يراقب ما يجري من خلف زجاج صالة الاستقبال، وطلب من عامل ‏المطعم توزيع الشطائر على المتظاهرين مهما بلغ عددهم وسيدفع ثمنها؛ تجمَّع ثلة من المتظاهرين الذين ‏فتك بهم الجوع، كانوا يأخذون شطائر الفلافل على عجلٍ ويعودونَ خفافاً إلى موقع تجمعهم عند ‏فندق بغداد، اختفى العسكر من شارع السعدون، وتسيَّد المتظاهرون المشهد بنصر باهر، سألتُ ‏برفق متظاهراً عجوزاً كان وجوده مثيراً وغريباً بين المتظاهرين الشبَّان: لماذا خرجت للتظاهر يا حاج؟ ‏أجاب وهو يلوك الطعام بصعوبة: راتبي التقاعدي لا يكفينا.. جزعتُ من الفقر والحرمان يا ابن ‏أخي..‏

شبَّتْ نار جهنَّم في عروقي ولعنت السماء، وفقدت الشهية لتناول شطيرة الفلافل، تركتُ الرجل ‏الكهل لأصعد إلى غرفتي مُكتئباً، فتحت الثلَّاجة مثل ظمآن في صحراء، وسرطتُ حبَّةً مهدِّئةً مع جرعة ماء كبيرة، حتى شهقتُ، كدتُ أموت اختناقاً وانهمر الدمع سخيناً على وجهي، سمعتُ ‏رشقات رصاص الرباعيات، كأنَّهُ قادمٌ من جهة ثانية، تركتُ الغرفة إلى شارع السعدون، قابلني ‏صديقي عند باب الفندق قلقاً وسألني بحرقة: أين اختفيت؟ ونظر إلى عينيَّ الغارقتين بالعبرات، ‏فأدرك أني لستُ على ما يرام، كان صوت الرصاص ينطلق من ساحة الطيران؛ كثيفاً وقاسياً، في ‏حين اقتربت مجاميع المتظاهرين من محيط نفق الباب الشرقي، وثمة ألسنة للنيران تتصاعد من ركن ‏المطعم التركي، أحد المتظاهرين سمعتهُ يكلَّم الآخرين وهو يقسم أغلظ الإيمان أنَّ المسلحين قرب ‏المطعم التركي يرطنون بلغة لا يفهمها؛ سألهُ أحدهم: هل هم من الأكراد؟ أجاب بسرعة لا.. سألهُ ‏مرَّة أخرى: من الأرجنتين؟ أجاب لا أستطيع الجزم، استغربتُ من كلمة الأرجنتين وندَّت ابتسامة ‏خفيفة على وجهي، إذْ ظننتُ أنَّ المتظاهر يهزأ ليس إلاّ؛ في تلك اللحظات تصاعد رشق الرصاص، ‏فتراجع المتظاهرون بهلعٍ نحو ساحة النصر، كان الرصاص يزأرُ فوق رؤوس المتظاهرين، تعثَّر متظاهرٌ ‏وسقط فوق جسده عشرات المتظاهرين، سرعان ما نهضوا وتفرَّقوا، بينما حمل أحدهم المتظاهر الذي ‏أغشي عليه على كتفه واختفى في زقاق مظلم، قفزتُ إلى داخل الفندق، ومن خلف الزجاج كنت ‏أبصر صفوف الجند مثل ذئاب مسعورة؛ يتقدَّمون على شكل نسق بصفوف متباعدة وهم يطلقون ‏الرصاص والقنابل المسيلة للدموع على حشود المتظاهرين الذين اختنقوا بالدخان.. وصيحات ‏بعضهم كنتُ أسمعها بوضوح من حناجرهم الغاضبة: لبيكَ يا عراق.. لبيكَ يا حسين… نظرتُ إلى ‏وجه صديقي الذي غزاهُ الحزن وهتفتُ بلا شعور لبيكِ يا جراح؛ لبيكِ يا دماء؛ لبيكَ يا عراق..‏

المرأة الثكلى

 لبثنا خلف زجاج صالة استقبال الفندق نتطلَّعُ بقلقٍ إلى شارع السعدون، فلقد انحسر المشهد ‏أمام أنظارنا، ولم نكنْ نرى سوى حركة جنود يحلمون البنادق والهراوات ‏ويهرولون لاهثين ‏باتجاه ساحة النصر، ‏بعد فترة وجيزة سمعنا لغطاً وصيحات جريحة واستغاثات يائسة من ‏المتظاهرين، كأنَّ العسكر تمكَّنَ منهم، شعرتُ بالدوار واحتبس صدري، أخرجتُ من أحد ‏جيوب الصِّدار الذي كنت أرتديه حبَّة ضغط وسرطتها مع جرعة ماء، نصحني صديقي ‏بالصعود إلى غرفتنا، وقبل أنْ نتوجَّه نحو المصعد، استوقفنا المواطن اليماني ليسألنا بلطف: ‏هل أنتما صحفيَّان؟ حينها انتبهنا إلى صِدارينا؛ إذْ كنَّا نلبسهما؛ ذلك الصِدار الذي اعتاد ‏الصحفيون على ارتدائه؛ أجابهُ صاحبي باقتضاب: كلا.. وانصرفنا عنهُ، في الغرفة المكيَّفة ‏جلسنا بتوتر واضح، لم يكن أمامنا سوى الاسترخاء على سريريَّنا حتى نستردَّ ‏هدوءنا ونبدَّد القلق الذي هيمنَ علينا؛ بعد مضي دقائق، قلتُ مستغرباً:‏

‏- لقد توقَّف الرمي وخمدتْ صيحات المتظاهرين فجأةً

ردَّ صديقي وعيناهُ على شاشة هاتفه النقَّال:‏

‏- هذا صحيح

ثم أردفَ مندهشاً:‏

‏- هناك تظاهرات في منطقة الشعب والحُسينية والبلديات..‏

كانت شبكة الإنترنيت تعمل بكفاءة عالية في ذلك الوقت، استوقفني الخبر الذي أعلنَ عنهُ ‏صاحبي، ذلك أنَّ التظاهرات المركزية التي جرتْ في بغداد طيلة السنوات المنصرمة، كانت ‏تحدثُ في الباب الشرقي، وهي المرَّة الأولى التي تتوزَّعُ هذه التظاهرات في أكثر من موقع، ‏أعادني هذا الخبر إلى خدمتي العسكرية خلال حربين شرستين؛ تذكَّرتُ جيوب العدو التي ‏كانت تباغتنا خلال التقدّم في المعركة، فتربكنا وتشتِّتُ القوة الضاربة التي نتمتعُ بها، وهذا ‏يعني ثمَّة عقل هضم الحرب وبمنتهى الذكاء يقفُ خلف فكرة انتشار التظاهرات في مناطق ‏متنوِّعة من العاصمة، ولذا رأينا قوَّات “مكافحة الحرية” في ارتباك واضح أمام المتظاهرين، ‏نتيجة انتقال مجاميع من جنودها إلى الأمكنة التي نشبتْ فيها تلك التظاهرات، فتخلخلت ‏قوَّتها التي وضعتْ لاحتواء المتظاهرين في ساحة التحرير. طرحتُ ما جال في رأسي على ‏مسامع صديقي، فاتَّسعتْ عيناهُ بذهول؛ نهضَ مستبشراً ليهتف: ‏

‏- النصر للفقراء والمعدمين

تركنا الغرفة وأنا أحملُ وثائق تتعلَّقُ بمعاملة وظيفتي بغية تصويرها ضوئياً في مكتبة ما؛ لقد ‏شجَّعني صمت الرصاص والهتافات على القيام في هذه المهمَّة، في صالة الاستقبال أخبرني ‏موظف الفندق فرحاً:‏

‏- انتهتْ التظاهرات وانسحب الجيش

‏ خرجنا إلى شارع السعدون، كان يغرقُ بصمتٍ مخيفٍ، لا أثر للعسكر ولا للمتظاهرين، ‏هناك مركبة شرطة تقفُ في بداية زقاق قريب من الفندق، ولم يكن أفرادها بحذر، في حين ‏كانت ذيول دخان تتصاعد من حاويات القُمامة، اقترحتُ على صديقي اكتراء سيارة أُجرة ‏إلى الكرادَّة داخل، لم يمانع، ولكن أين نجد هذه المركبة والساعة تشير إلى التاسعة والربع ‏مساءً؟ لم يدم انتظارنا طويلاً حتى توقفَّ سائق مركبة ” سايبه” ومن نبرة كلامه الثقيلة عرفتُ ‏أنهُ كان ثملاً، صعدنا معهُ، استدار بالمركبة في وسط الشارع وانطلق نحو ساحة الفردوس، كنَّا ‏نتفرَّج بأسى على الوحشة التي اجتاحتْ شارع السعدون؛ حاويات محترقة وبقع دم متفرقَّة ‏تلمعُ لانعكاس ضوء القمر عليها، وقمصان المتظاهرين مبعثرة في الشارع وعلى الرصيف؛ ‏ ‏يبدو أنَّ المساكين خلعوا قمصانهم لتكميم وجوههم بمحاولة لتفادي الغازات المسيلة للدموع؛ ‏قطط جائعة تبحثُ في النفايات ومشرَّدون بملابس رثَّة يتجوَّلون بلا هدى، غير أنَّ الحياة ‏تغيَّرتْ حين وصلتْ المركبة إلى الكرَّادة داخل، الحوانيت والمتاجر مضاءة، وحركة كثيفة ‏للناس، كأنَّ الكرَّادة في دولة أخرى غير العراق؛ طلبتُ من السائق أنْ يتوقَّف أمام مكتبة ‏مفتوحة، وخلال دقائق نسخ العامل وثائقي؛ ارتبكتُ حين علمتُ أنَّ محفظتي تصفرُ فيها ‏الريح؛ لم أفطن إلى ذلك مطلقاً، عدتُ لأسألُ صديقي الذي ظلَّ قابعاً في المركبة:‏

‏- كم في محفظتك؟

‏- خمسة آلاف دينار

أخذتها منهُ لأمنحها لصاحب المكتبة، ولكن كيف أدفع ثمن اكتراء سيارة الأجرة؟ كان لا بدَّ ‏من إيجاد صرّاف آلي لسحب النقود؛ انطلق بنا السائق إلى مصرف التجارة والإسكان، ‏تنفسَّتُ الصعداء حين وضعتُ مبلغاً نقديَّاً في محفظتي يكفينا ليوم آخر؛ وبثقة واضحة قلتُ للسائق:‏

‏- انطلق إلى البتاوين

سلكَ شارع السعدون، وعند ساحة النصر استرعى انتباهنا امرأة تتلفَّعُ بعباءة سوداء، كانت ‏تجلس على الرصيف، تنحبُ بضراوة وتلطم على رأسها؛ وقدْ تجمهرَ حولها مجموعة من ‏عابري السبيل، سمعتُ صوتها نائحاً:‏

‏- حويدر يمَّه.. وينك؟

اهتزَّتْ نياط قلبي، بينما صرخ صديقي بالسائق أنْ يتوقَّف وهبط من المركبة بسرعةٍ ‏لنجدتها..

دمعة بحجم الوطن

مكثتُ أراقبُ مشهد المرأة الثكلى من مقعد جلوسي في المركبة؛ لتدهور حالتي الصحيَّة على ‏حين غرَّة؛ ربَّما نتيجة ارتفاع ضغط الدم؛ أو بسبب الإرهاق الذي اجتاحَ جهازي العصبي، ‏والذي كابرتُ على مكابدتهِ طوال ساعات اليوم، كانت المرأة المفجوعة تنثرُ التراب على ‏رأسها وتندبُ بصوتٍ مشروخ بالأسى؛ فأبكتْ جميع الذين تحلَّقوا حولها، كأنَّي بالعقيلة ‏زينب وهي تقول: لقد ذهبتم بعارها وشنارها، ألا ساءَ ما تزرونْ، وبُعداً لكم وسحقاً، فلقدْ ‏خابَ السعي، وتبَّتْ الأيدي وخسرتْ الصفقة، وضُربتْ عليكم الذلَّة والمسكنة، لقد جئتم ‏بها صلعاء، عنقاء، فقماء، خرقاء، شوهاء، كطلاع الأرض وملئ السماء؛ أعجبتم أنْ ‏مطرتْ السماء دماً، ولعذاب الله أخزى وأنتم لا تنصرون، ولا يخافُ فوت الثأر وأنَّ ربَّكم في ‏المرصاد”. عادَ صاحبي منكسر الخاطر ليخبرني بنبرةٍ ممتلئة بالدمع: ‏

‏- المسكينة سيتوقَّف قلبها من البكاء

سألتهُ باهتمام:‏

‏- ما خطبها؟

‏- ولدها حيدر لم يعد من التظاهرات ‏

اقتربَ أحد الفتية من المركبة ليخبرنا بصوت منخفض:‏

‏- ولدها أصابتهُ طلقة قنَّاص؛ ولا أمتلكُ جرأة حتى أخبرها

سألتهُ بقلق:‏

‏- هل فارق الحياة؟

‏- نقلناهُ إلى مستشفى الشيخ زايد بحالة خطرة جداً

عاد وسألهُ صاحبي:‏

‏- هل أنتَ متأكِّد أنَّهُ حيدر ابنها..‏

صمتَ الفتى برهةً قبل أنْ يجيب:‏

‏- اسمهُ حيدر، ليس بعيداً أنْ يكون ولدها

هبطتُ من المركبة بصعوبة متوجِّهاً نحو المرأة التي مازالت تنوح، طلبتُ منها الركوب معنا؛ ‏وأخبرتها بصوت مرتبك بأني سأنقلها إلى ولدها حيدر، أعانها بعض الناس على الوقوف ‏لتصعد بجوار صديقي في الحوض الخلفي من المركبة، خلال الطريق توقَّفتْ عن البكاء؛ حينَ ‏تنبَّهتْ إلى هيئة صديقي الذي يشبهُ فنان فكاهي شهير كما أخبرتكم من قبل، وبرغم حزنها ‏المرير سألتهُ بفضول:‏

‏- “حضرتك مو الممثل…؟” ‏

تمنيتُ أنْ يردُّ عليها إيجاباً؛ فلربَّما شعورها بالجلوس مع فنان معروف سيدع قلبها يستكين ‏وتؤجّلُ أحزانها، لكنَّ صاحبي أصابهُ الخرس؛ فأنبتُ عنهُ بالجواب:‏

‏- نعم ‏

استدارتْ بوجهها نحو صاحبي وقالت بنبرةٍ منكسرة:‏

‏- “ابني حويدر يحبك هواي..”‏

بصعوبة قال صاحبي:‏

‏- الله يحفظه ويحفظك أختي العزيزة

أدركتُ أنَّي وضعتهُ في مأزق لا يُحسد عليه وبدأ يشعرُ بالحرج؛ حين وصلنا إلى مشفى الشيخ ‏زايد؛ هبط صديقي بسرعة؛ كأنَّ المركبة ستنفجر بنا؛ أخذني جانباً وبدأ بتوبيخي؛ شرحتُ ‏ما سعيتُ لأجلهِ من وراء كذبتي البيضاء؛ اقتنع على مضض وظلَّ وجههُ مُتجهَّماً، كان ‏الزحام على أشدّه عند بوَّابة المشفى، بينما تجمَّعَ عشرات الأطباء في الاستعلامات لاستقبال ‏المتظاهرين الجرحى؛ عرفتُ أنَّهم تركوا منازلهم تحت وازع إنساني ولم تكن نوبتهم بالمشفى، ‏عرضتُ هويتي الصحفيَّة على شرطي سمحَ لي الدخول؛ وكنتُ قد دوَّنت الاسم الثلاثي لابن ‏المرأة الثاكل؛ اقتربتُ من رجل الاستعلامات ‏وطلبتُ منه التفتيش عن اسم ولدها حيدر، ‏كان هناك أكثر من حيدر ولكن لم يكن بينهم ولدها “حويدر”؛ رجوته التدقيق بالأسماء مرَّة ‏أخرى، استجاب الرجل ولكن دون جدوى، خرجتُ من المشفى لأخبر المرأة أنَّ ولدها ليس ‏هنا، فصرختْ مهتاجة:‏

‏- “جا اعتقلوه إلما يخافون الله…”‏

وأجهشتْ بالبكاء؛ استغاثتْ بصديقي قائلة:‏

‏- “خويه انته فنان معروف، إذا شافوك الشرطة يطلعون ابني..”‏

أجابها بهدوء:‏

‏- أختي ربَّما عاد ولدك حيدر إلى المنزل

‏- جان خابرني

كأنَّ الله كانَ يراها وسمعها؛ إذْ رنَّ هاتفها بأنشودة حُسينية لباسم الكربلائي.. “أخاف من ‏أعوفك بعد ما أشوفك”؛ أخرجتْ النقَّال بلهفة وهتفتْ:‏

‏- ألو

صمتتْ لحظة وقالت مستبشرة:‏

‏- حويدر بالبيت

شهق صديقي وسائق المركبة:‏

‏- الحمد لله

صعدنا في المركبة التي توقَّفتْ أمام فندق قصر السدير، بعد أنْ طلبتُ من السائق أنْ يصل ‏بأم حويدر إلى منزلها في مدينة الصدر، وتركتُ مبلغاً من المال لا يستهان به بيدها؛ وأخذتُ ‏رقم هاتف السائق للاطمئنان عليها، دخلنا إلى غرفتنا منهكين، لم نفق إلاّ عند الساعة ‏العاشرة صباحاً، اكترينا مركبة أجرة تصل بنا إلى دائرة العلاقات الثقافية لمتابعة معاملتي، في ‏الباب الشرقي فوجئنا بحشود العسكر الذين انتشروا تحت نصب الحرية وحديقة الأمَّة وحول ‏النفق وقد أغلقوا جسر الجمهورية بعوارض من الحديد والأسلاك الشائكة، في حين توزَّعت ‏عربات الهمر المدرَّعة بجوانب الطرق، الغريب في الأمر أنَّ لا أثر حتى لمتظاهر واحد تحت ‏نصب الحرية، عرفنا من سائق المركبة أنَّ المتظاهرين الفتية أعادوا تنظيم صفوفهم عند جدارية ‏فائق حسن حيث ساحة الطيران، استغربتُ من كثافة الجنود كأنَّهم حضروا للدخول في معركة ‏لتحرير فلسطين! وليس لإجهاض تظاهرة سلميَّة لفتية بعمر الورد، أخذنا السائق في شارع ‏الخلفاء المؤدي إلى ساحة الميدان، لاحظتُ انتشار جند “مكافحة الحرية” على طول الشارع ‏من الجانبين وهم يحملون البنادق والهراوات، كان “جسر السِنك” مغلقاً أيضاً، استدار السائق ‏عائداً ليتوغَّل في شارع “أبو نؤاس” ثم صعدنا الجسر المعلَّق حتى وصلنا بعد نصف ساعة إلى ‏دائرة العلاقات الثقافية، لم أتمكَّن من إنجاز ما جئت لأجلهِ، فتركنا الدائرة على أمل العودة ‏إلى الفندق، حين هاتفتُ موظف الاستعلامات، أخبرني أنَّ الوضع متأزمٌ بدرجة خطيرة، ولا ‏نستطيع الخروج إلى الشارع، إذْ سقط كثير من المتظاهرين برصاص القنَّاصين، ومن المحال ‏وصولكم إلى الفندق؛ رجوته أنْ ينزل بلوازمنا من الغرفة ليحفظها في الأمانات حتى نأتي في ‏الأسبوع القادم حين تستتبُّ الأوضاع، وقرَّرنا العودة إلى مدينتنا المقدَّسة، في الطريق إلى ‏سيطرة الدورة بعد أنْ ركبنا في حافلةٍ من مرآب العلاوي، كان الطريق القادم إلى بغداد مغلقاً ‏بالإطارات المشتعلة، بينما نجح سائق الحافلة من عبور ساحة درويش التي تجمَّع فيها ‏المتظاهرون، لقد عبرنا قبل أنْ يشعلوا الإطارات في الشارع؛ غير أنَّ الذي أدهشني ثلاثة ‏أطفال بعمر سبع سنوات، كانوا يشعلون خِرَقاً منقوعة بالكيروسين ويضعونها في بطن ‏الإطارات، يا لبراءة هذه التظاهرات يا إلهي؛ فلماذا يطلقونَ الرصاص على فتيةً فرسان بعمر الورد؟ لماذا يا إلهي؟ توقَّفتْ من ‏خلفنا حركة السير بعد أنْ عبرنا، في المحمودية تذكَّرتُ السائق الذي حمل المرأة الثاكل إلى منزلها، ‏هاتفتهُ لأعرف ما جرى لأم “حويدر”:‏

‏- ألو

‏- من حضرتك؟

‏- أنا الصحفي الذي طلب منكَ إيصال أم حيدر إلى بيتها.

‏- خطيَّة أم حيدر

‏- ما بها؟

‏- عندما اتصلوا بها ليلة أمس لم يخبروها أنَّ ابنها استشهد

‏- ماذا؟

‏- طلقة قنَّاص في رأسه..‏

أغلقتُ الهاتف وتدحرجتْ دمعةٌ ثقيلةٌ بحجم الوطن على خدِّي.

مشاركة