“حكايات من زمن فات”.. مساحة للتأمل والنقد

“حكايات من زمن فات”للقاصة العراقية فائزة العزي: الظل من مكان لاختباء المرأة إِلى مساحة للتأمل والنقد السوسيولوجي


مروان ياسين الدليمي

 

 

 

 

حينما يشرع الناقد في فحص عمل أدبي يستحضر”زمنًا فات”، فإنه لا ينشد استرجاعًا تاريخيًا جافًا أو توثيقًا للأحداث كما يدوّنها المؤرخون، بل ينقب عن الكيفية الجمالية التي استطاع بها الفنان أن يحوّل “الزمن” من مادة سيالة وهلامية إلى هيكل صلب متماسك من العاطفة والمعنى الإنساني. إن القيمة الفنية هنا لا تكمن في “ماذا” حدث، بل في “كيف” أُعيد تشكيل الأثر. وفي مجموعتها القصصية “حكايات من زمن فات”، الصادرة عن دار “ميتافيرس برس” (2024)، لا تكتفي الكاتبة العراقية فائزة العزي بسرد الماضي، بل تقدم محاولة جادة لترميم شروخ الذاكرة النسوية المثقلة بالندوب. إنها تمارس فعل “الترميم” لا عبر الصراخ الأيديولوجي الزاعق أو الخطابة المباشرة التي قد تفسد الفن، بل من خلال التقاط ذرات الوجع اليومي الدقيقة التي ترسبت في قاع الحكايات المنسية والمهملة. وأسلوبها يشبه أسلوب الرسام الذي يعتني بالظلال ليمنح الأشكال تجسيمها الحقيقي؛ فهي تضيء زوايا العتمة في حياة نساء عشن في الهامش، وتستنطق صمتهن بذكاء أدبي لافت. تقول العزي في مقدمة عملها: “هناك امرأة فُرضت عليها ظروف الحياة أن تعيش في الظل”، وهذه العبارة هي المفتاح الذي نلج من خلاله إلى عالمها؛ حيث يتحول “الظل” من مكان للإقصاء إلى فضاء لإنتاج الدلالة وإعادة الاعتبار للذات الإنسانية المنكسرة، مما يجعل نصوصها وثيقة وجدانية تتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
استنطاق الظلال والهروب من سطوة السطح

إن الفن في جوهره، ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو محاولة جسورة لإيجاد ترتيب ومنطق جمالي وسط فوضى الوجود العارمة. في مجموعة “حكايات من زمن فات”، تستهل فائزة العزي نصوصها بمقدمة لا يمكن وصفها إلا بأنها “مانيفستو” أدبي وإنساني شديد الوضوح، حيث تعلن صراحةً انحيازها التام لتلك المرأة التي “فرضت عليها ظروف الحياة القاسية أن تعيش وتذوي في مناطق الظل المعتمة”. هذا الاختيار الواعي يذكرني بأسلوب المصورين السينمائيين الذين يفضلون “الإضاءة الجانبية” الخافتة؛ لقدرتها الفائقة على إبراز التجاعيد العميقة وتفاصيل الملامح التي يمحوها الضوء المباشر الزائف. العزي لا تبحث عن المرأة “الأيقونة” المحنطة في كمالها المتخيّل، بل تنقب عن المرأة “المرآة”؛ تلك التي تعكس في كل شظية من كيانها انكسارات المجتمع وتراكمات تقاليده الضاغطة.
في قصة “دلخاز”، يتجلى هذا المنظور بوضوح عبر تلاحم عضوي بين قسوة الطبيعة وعمق الوجع الإنساني. تصف الكاتبة الشتاء بكونه “ذروة الوجع”، حيث لا تعود الأجساد مجرد كيانات بيولوجية، بل تصبح كائنات “تبث حرارتها إِلى ذرات الهواء الباردة لتثبت لنفسها وللعالم أنها ما زالت تنبض بالحياة”. هنا، يتجاوز البرد كونه ظاهرة مناخية ليتحول إِلى رمز ميتافيزيقي للمنفى والاغتراب الروحي. إن شخصية “دلخاز” ليست مجرد اسم كُردي يحيلنا إِلى معنى “القلب الحزين”، بل هي تجسيد تراجيدي للانتظار الذي لا ينتهي بانتهاء الزمن.

تقتنص الكاتبة لحظات الرحيل بتكثيف مذهل يعبر عن التيه الوجودي حين تقول: “قررنا الرحيل، ثم عدلنا، ثم قررنا، ثم تراجعنا لنكتشف أننا رحلنا”. هذا التردد ليس مجرد حيرة عابرة، بل هو تعبير عن تمزق الهوية؛ فالرحيل في عالم العزي ليس انتقالاً جغرافيًا من مكان إِلى آخر فحسب، بل هو “انسلاخ” مؤلم عن الذات وتخلٍّ قسري عن الجذور، مما يمنح الحكاية عمقًا فلسفيًا يجعل الوجع

الفردي صدىً لوجع إنساني شامل.
البنية الدرامية واقتناص اللحظة

تعتمد الكاتبة فائزة العزي في هندسة بناء قصصها على ما يمكن تسميته بـ “اللحظة الوسطى”؛ حيث لا تسير الحكايات في خط زمني تقليدي يبدأ من الصفر، بل إن القصص عندها “تبدأ دومًا من المنتصف، ويصعب بشكل تراجيدي أن تصل إِلى منتهاها المنطقي”. هذا الأسلوب البنائي ليس مجرد خيار تقني عابر، بل هو إِجراء فني مقصود يخدم الغرض النقدي المتمثل في تجسيد حالة “البتر” والتمزق التي تعيشها الشخصيات في واقعها المأزوم. إن الشخصية هنا لا تملك ترف النهايات المكتملة، لأن حياتها محكومة بالانقطاعات القسرية.

في قصة “كرمة”، نلمس بوضوح كيف تتجاوز قسوة المجتمع حدود الفعل المادي لتستقر في صلب اللغة وأدوات التعبير. تشير الكاتبة بذكاء حاد إِلى غياب مصطلح “الرجل الأشمط” في القاموس الاجتماعي، في مقابل الشيوع الطاغي والجارح لمصطلح “العجوز الشمطاء”. هذا النقد اللغوي العميق يعزز الفرضية القائلة بأن المجتمع يمارس رقابة جمالية وأخلاقية مزدوجة؛ حيث يُحاكم الزمن على وجه المرأة كجريمة، بينما يُغفر للرجل أثره. إن العزي هنا تفكك بنية “العيب” المرتبطة بجسد المرأة وعمرها، كاشفةً عن ترسانة القوانين غير المكتوبة التي تُحاصر الكينونة الأنثوية.

وتتجلى جمالية التشكيل الوصفي عند العزي في قدرتها على أنسنة الجمادات وتحويل الأماكن إِلى كائنات حية تتنفس وتنفعل. فالمطار في قصة “رويدة” ليس مجرد محطة عبور باردة أو هيكل من خرسانة، بل هو “آلهة الهجرة” الجائعة التي تُقدم لها الأوطان والذكريات كقرابين على مذبح الاغتراب. وعندما تطلق بطلتها صرختها المدوية: “وطني من الذكريات مثقل، أينما تحسسته صاح وجعًا”، فإنها تضع إصبعها بدقة جراح على الجرح العراقي النازف. إنها تقدم لنا “جغرافيا الوجع” بأسلوب شاعري رفيع يبتعد تمامًا عن المباشرة الفجة والخطابة السياسية، محولةً المأساة الجماعية إِلى تجربة ذاتية شديدة الخصوصية والألم، تعيد صياغة مفهوم الوطن بكونه “ذاكرة موجعة” لا “حيزًا مكانيًا” فحسب.

فلسفة المواجهة واستمرارية الأثر: من الشفاهي إلى النصي

إن التغلغل في ثنايا الاقتباسات المختارة من داخل هذا العمل يكشف لنا بوضوح عن الفلسفة التي تتبناها الكاتبة فائزة العزي. مثلا في قصة “رويدة”، تطالعنا عبارة شديدة الكثافة والتعبير: “لا تخطو خطوةً قبل أن تتحسس عصاها الأرض”. هذه الصورة البصرية ليست مجرد وصف لحركة مادية، بل هي استعارة بليغة لحالة “الحذر المزمن” التي أُجبرت المرأة على اعتناقها؛ حيث تعيش تحت وطأة “الأعراف والتقاليد” التي لم تعد مجرد عادات اجتماعية، بل تحولت بمرور الزمن إِلى “دساتير مقدسة” لا تقبل النقاش. إن العصا هنا هي أداة التوجس في واقع ملغوم بالمنع.

وفي قصة “باسمة”، يبرز الصراع التراجيدي بين الحق الإنساني المشروع والوصمة الاجتماعية الجائرة. فحين تطالب البطلة بحقها الطبيعي في الميراث، تواجه بالسؤال الاستنكاري القاتل: “لماذا تفتحين باب العار؟”. هنا، تنجح العزي في تفكيك بنية الوعي الجمعي؛ حيث يصبح المال (الميراث) معادلاً للكرامة الشخصية، وتتحول المطالبة به إِلى “فعل ثوري” يكسر طوق الصمت المطبق. إن الكاتبة تبرهن على أن الوجع الإنساني ليس قدريًا أو ميتافيزيقيًا في جوهره، بل هو نتاج “مفاهيم مجحفة” أسس لها التاريخ والمروي الشفاهي المنحاز.

إن “حكايات من زمن فات” ليست مجرد استعادة نوستالجية لما مضى، بل هي مرايا مصقولة وموجهة نحو قلب الحاضر. لقد نجحت العزي في تحويل “الحكايات الشفاهية” السيالة إِلى نص أدبي مكتوب يتمتع بالثبات والصلابة والاستمرارية. ومنحت الوجوه النسائية التي “تعيش في الظل” صوتاً وهيبة، محولةً ذلك الظل من مكان للاختباء إِلى مساحة شاسعة للتأمل والنقد السوسيولوجي. تكمن القيمة الأخلاقية لهذا العمل في قدرته على دفع القارئ نحو التساؤل الوجودي: متى يتوقف الزمن عن كونه “فات” ليصبح “آتٍ” بإنصاف وعدالة؟ إنها صرخة هادئة، لكنها مدوية، في وجه تقاليد جعلت من المرأة أحيانًا “سيفًا مسلطًا على مثيلاتها”، وهي دعوة مخلصة لنضج مجتمعي يرى في المرأة إنسانًا كامل الأهلية، وكائنًا له الحق في الفرح تماماً كما له الحق في الوجع.