حكايات من الذاكرة عن سفراء دمشق إلى الأمم المتحدة – جورج جبور

كتاب الدكتور بشار الجعفري بعنوان (سورية وعصبة الأمم)

حكايات من الذاكرة عن سفراء دمشق إلى الأمم المتحدة – جورج جبور

نال بشار الجعفري الاجازة في الاداب  من جامعة  دمشق عام 1977?  وهو العام نفسه الذي في اواخره اتخذ مجلس قسم الدراسات السياسية والقومية في معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة قرارا بتسميتي رئيس لجنة  تحضيرية  من اساتذة  القسم ، تعمل لانشاء ” الجمعية العربية للعلوم السياسية”.  بهذه الجملة اشارة الى الفارق العمري بيني وبين من اصبح في اذهان السوريين ، من خلال عمله سفيرا لدى الامم المتحدة، رمزا سوريا محببا يكثر ، وبحق،  الاعتزاز به.

هو الدبلوماسي  القدير المحب للدراسة وللكتابة . أول من حدثني عنه سعادة السفير لدى فرنسا عام 1985 السيد اللواء يوسف شكور رحمه الله. كنت في باريس موفدا بمهمة للمشاركة في مؤتمر الجمعية العالمية للعلوم السياسية ، وكانت لي في المؤتمر محاضرة. أعلمت سعادة  السفير، فأوفد دبلوماسيا شابا هو من احتفي به و بكتابه من خلال هذه الاسطر.

ثم توطدت معرفتي بالدكتور بشار مديرا لادارة المنظمات الدولية  في الخارجية السورية.  كتب اسطرا يشيد  فيها بفكرة اقترحتها على السيد الرئيس بشار الاسد في آذار 2003. أطلعني  في وقت لاحق على ما كتب في 19 كانون الثاني 2004? بل وزاد. سلمني نسخة من المذكرة الداخلية . أما الفكرة فهي انشاء ما هو الان ” الرابطة السورية للامم المتحدة”.

مقدمة كتاب

كلماتي هنا مقدمة لكتاب ضخم مكتنزغني بالمعلومات والوثائق  لم اطالع مثله حجما وغنى من سنوات. ” سورية وعصبة الامم” ، وهو باكورة اصدرات دار نشر جديدة في دمشق هي ” بستان هشام”، ليس كتابا عن سورية وعصبة الامم فقط. هو في الحقيقة تاريخ للدبلوماسيات العالمية التي شكلت اساليبها الملتوية  دولا  انتزعت من كيان جاثم في ضمائر الناس اسمه ” بلاد الشام”.

ضخم  هو. عدد صفحاته 863 من القطع الكبير. وثائقي هو . تعثر فيه على ما تتوقع وما لا تتوقع من وثائق كلها مفيد وضمن الموضوع . مكتنز هو. لماذا؟ ثلثاه في ما أقدر ، هوامش على النص ، كتبت بحرف أصغر. فاذا احصيت الاحرف فسيتضح ان مادته تصلح لبضعة كتب قد تبلغ العشرة. وصف ممتدح في مجمله ، وتتلوه …. ” ولكن” .

ولكن  كان على المؤلف والناشر معا ان يكونا اكثر رحمة بالقاريء. ليس ثمة جدول محتويات مفصل. ليس ثمة قائمة مراجع. ليس ثمة فهرسا اعلام وموضوعات .

اعلمني المؤلف انه ذكر جهدي في التعريف بالمادة 78 من ميثاق الامم المتحدة  التي تعرف باسم ” مادة سورية”. تعبت ، وما وصلت اليها الا بعد ان غالبتني  نفسي مرات بان اتصل به لاساله عن رقم الصفحة.

وهكذا صنعت لنفسي على اوراق متناثرة ما يشبه ان يكون فهرس موضوعات تعينني في ما عزمت عليه من تعريف بالكتاب.

فلننظر.

ثمة صفحات طويلة عن عقوبات ترامب على مسؤولي محكمة الجنايات الدولية الذين انتقدوا بعض التصرفات الامريكية ( ص 112—116) وهي مفيدة لنا في تبيان محدودية تلك المحكمة التي يظن البعض اننا بالشكوى اليها سوف نستعيد بعض حقوقنا . قولي هذا لا يعني ان نهمل تقديم شكاوينا اليها ، ولكنه يعني ان لا نبالغ في التفاؤل بما يمكن ان تقدمه لنا. .

ثمة صفحات مفيدة جدا عن ” الحق في الحماية” (ص 121 ) وهو الحق الذي نودي به ليكون ذريعة للقضاء على حكم القذافي. هو الحق الذي جعل من ليبيا فريسة دول عطشى للنفط الليبي.

ويحضر في الكتاب حادث مصرع الكونت برنادوت ( ص 128?  وهو  امر يستمر هاما . ما تزال صالحة دعوتي التي اطلقتها في جريدة “الاسبوع الأدبي” من ان يوم اغتياله يصح ان يسمى  يوما عربيا ودوليا للقضاء على الارهاب الدولي ، او على الاقل على الارهاب الذي يتعرض له مسؤولو الامم المتحدة لدى قيامهم بواجباتهم . ولنتذكر ان دعوتي المنشورة في ايلول 1991 انما جاءت قبل وقت قصير من اشهار الوزير الشرع في مؤتمر مدريد صورة شامير مطلوبا للعدالة كمجرم.

وترتبط باغتيال برنادوت حادثة مصرع همرشولد التي يبحث فيها الكتاب مفصلا عبر صفحات طوال تشير، تقريبا،  الى دور بريطاني.

والاحظ بكل تقديرللدكتور الجعفري انه قام بجهد كبير في  تأريخه لاطماع الغرب في بلاد العرب وسعيه لتقسيمهم . والاحظ ، بكل تقدير له ايضا، أنه لم يلجا ، في هذا المجال، الى ما يعرف ب ” وثيقة كامبل بنرمان” ولي معها تاريخ اثناء عملي لدى رئاسة الدولة عام 1970. هي وثيقة كان البحث عن نصها الحرفي اول ما طلبه مني رئيس الدولة  اوائل عام 1970. واحب  لكل من يقراني الان ان يعود الى ما كتبه عن الوثيقة الدكتور انيس صايغ في مقال بجريدة السفير 26 تموز 1996? وقد اعدت نشره في باب خاص من كتابي:” وعد بلفور” ( دمشق وعمان، مؤتمر الاحزاب العربية، الطبعة الخامسة، 2010) تحت عنوان: ” في الموازنة بين الحقائق العلمية وبين الجهود التعبوية”( ص: 325—336).

وفي الصفحة 257 يرد ذكر المؤرخ الانجليزي  من اصل عراقي ايلي  خضوري مكتوبا على نحو آخر . انه ليس خدوري الذي اليه ينتسب العلامة مجيد والاقتصادي النفطي  الدكتور وليد. ايلي خضوري زوج سيلفيا حييم ، استاذان جامعيان همهما معا اضعاف القومية العربية عبر دراسات كثيفة التوثيق . كانت لي  عن خضوري ، وليس معه، ” موقعة” في مؤتمر عقد في رودس عام 1977 . أرخت الموقعة في كتابي :” نحو علم عربي للسياسة” . ولمن يرغب في التفصيل ان يعود الى الصفحات 164—168 من الكتاب في طبعته الثالثة  الصادرة في دمشق عام 2009.

” سورية وعصبة الامم” . ذلك عنوان يبدأ بعد ان نكون قد قطعنا 374 صفحة من الكتاب . عنوان متاخر ، لكن ما بعده مطول ايضا يزيد عن 450 صفحة . الم اقل لكم ان الكتاب ضخم مكتنز؟

واستطيع ان استمر في التجول هكذا بين صفحات الكتاب ، ولكن فلأقتصر.

سوف اقف عند نقاط اربع  استحسن الاشارة اليها وقد استقرت في الذهن لدى القراءة ، واتبعها بثلاث نقاط اخرى اراني مولعا بايرادها.

الاولى : عبث امريكا بهيبة الامم المتحدة في ما يختص بحرية حركة الدبلوماسيين. أحسن جدا السفير  السوري في ما اورده عن عدم تمكنه من السفر الى فعالية للامم المتحدة دعي اليها بسبب معارضة الامن الامريكي . ضاع رقم الصفحة الا ان الحكاية مفيدة جدا لمن يظن من الدبلوماسيين ان الاقامة في نيويرك رفاه ورغد.أتساءل: متى تنقل الامم  المتحدة مقرها  من نيويرك الى مكان  اكثر احتراما لها؟

الاجابة: في مستقبل غير منظور. وتبقى سلطة امريكا على المقر احد عناوين سلطة امريكا على المنظمة.

الثانية : عناية المؤلف بكيفية دخول دمشق اواخر ايلول اوائل تشرين الاول 1918 كما في الصفحة 704 وما يليها. حادثة هامة يزيدها اهمية ما اورده  عنها كتاب ابت موضوعية المؤلف الا ان تشير اليه في ص 781 .

الثالثة :  تعلمت من الكتاب ان ذهاب فيصل الى مؤتمر الصلح كان له اثره في نشوء حزب الوفد المصري . احب سعد زغلول ان يكون له ما كان لفيصل، اي ان تدعى مصر الى مؤتمر الصلح.  لم يحصل. خلق حزب الوفد. لمصر ام لربوع الشام تنتسب؟ اكتب في 23 تموز 2021. السلام عليك يا جمال عبد الناصر الذي  ورث شعورا بوحدة العرب فضاعف الميراث مرات ومرات، وما يزال  الميراث الى تضاعف رغم بعض الارتكابات وبعض الارتباكات.

 الرابعة : تعلمت من الكتاب ايضا ما لا يخطر لي ببال. منه عرفت ان اللواء علي المملوك مؤلف كتاب واحد على الاقل، وهو الذي لا اعرف عنه سوى انه شخصية امنية – ولا استهانة بهذه الصفة–. هو مؤلف ايضا. ولكتابه عنوان مغر:” هذا ابي!” . ومن ابوه ؟ انه يوسف العظمة . ما احلى ان ينسب عسكري له دوره اليوم ، ان ينسب  نفسه الى عسكري له مكانه الباذخ في تاريخنا السوري المعاصر . غدا 24 تموز،  وله عندنا فخامة عز في 1920?  وله عندنا مرارة تآمر في 1922 . في 24 تموز 1922 ? اي قبل 99 سنة ، اقر مجلس العصبة صكوك الانتدابات ومنها الانتداب على فلسطسن. ألم تسمعوا ايها القراء الاعزاء بدعوتي الى ” محاكمة” صك الانتداب على فلسطين في ندوة قانونية دولية تعقد في مبنى ” قصر الامم” بجنيف لمناسبة  الذكرى المائة لارتكاب ذلك الجرم المشهود؟

ثم نعم تعلمت من كتابك يا دكتور بشار ما لا يخطر ببال. وكيف يخطر بالبال انه كانت ثمة علاقة استحسان متبادل بين فيصل ممثل ملك الحجاز وبين اناتول فرانس الاديب افرنسي الشهير؟ وعلى  من يرغب بالتفصيل ان يذهب الى ص 740.

آتي الى النقاط  الثلاث التي اجد نفسي مولعا بايرادها ، وسوف، ان شاء الله،  يأخذها بجدية الدكتور الجعفري:

الاولى: ص 695. لم يتم الجلاء في 17 نيسان. انسحب اخر جندي اجنبي من سورية الاثنين 15 نيسان واحتفل بالجلاء بعد يومين. ما جنسية اخر جندي غادر دمشق؟ هندي في فصيل هندي ضمن الجيش البريطاني. وحدد لعيد الجلاء موعد في 18 نيسان ،  ثم عدل عنه الى 17 نيسان في مشهد عظيم — من الجميل انه عتم عليه انذاك ، ومن الجميل  بل من المفيد ايضا ان نكشف الستار عنه اليوم –. لي عن الامر مقال في مجلة ” جمعية العاديات” الحلبية ، يوضح ” المذهب السوري” في حوار الديانات.

الثانية: غياب الاشارة الى بعض المراجع العربية   — والسورية  ضمنها—  التي  تعالج بروية الاحداث التي يعالجها الكتاب. في الذهن :” الموسوعة الفلسطينية ” بجزئيها . في الذهن ان ذكر اسماء الوزارات السورية لا يعتمد على الوثيقة الرسمية التي اصدرها مجلس الوزراء السوري. وبالطبع يشفع للكاتب في هذا الشأن ان الكتاب انما اعد معظمه في الارجح والمؤلف خارج سورية . ويوافقني المؤلف حتما ان من المناسب الاشارة الى مرجع سوري او عربي كلما امكن ذلك. طلب مني باتريك سيل في موسم تاليفه كتابه الشهير عن الرئيس حافظ الاسد ان اذكر له اي حدث بين السيد الرئيس وبيني اذ – كما قال —  لا يصح ان يخرج الكتاب وليس لي به اسم. اجبته: أشر الى كتابي” الفكر السياسي الماصر في سورية” ( لندن وبيروت، ط1. 1987) قال: سأفعل. لم يفعل. ليس ثمة مؤامرة ، لكنني افتقد  في كتب عديدة عن سورية اية اشارة الى كتابات صدرت في سورية . وهذا أمر  مؤسف علاجه بيد  السوريين قبل غيرهم.كتاب الدكتور الجعفري الصادر عن ” بستان هشام” ، عن دمشق، جزء من العلاج.

الثالثة : في الحديث عن الرئيس ويلسون وصورته التي تتغير هذه الايام ثمة مقتطف بالغ الروعة وقعت عليه في جلسة تنقيب جرت في مكتبة جامعة حلب. تحدث الكتاب عن جريدة العاصمة . لم يتحدث عن شقيقتها الحلبية واسمها ” حلب”. في احد اعدادها احتفت بويلسون واصفة اياه بانه ” الوالد الثالث للبشرية بعد آدم ونوح” . لدي صورة المقال واتمنى الا يغيب هذا الوصف عما قد يخطه قلم الدكتور الجعفري عن الرئيس ويلسون في قادمات الايام. وللفائدة ،  اشير هنا الى كتاب قيم جدا عن صحافة حلب للدكتور سهيل الملاذي ، الزميل المؤسس  للرابطة السورية للامم المتحدة، وهو الباحث والاعلامي والمسؤول الثقافي المعروف. في الكتاب كما اتوقع كلام عن  ” حلب” شقيقة ” العاصمة”.

أختم عن الكتاب واثق انني ساعود اليه مرات ومعه ما ربطته به: بضعة عشر صفحة من الملاحظات السريعة بخط يدي ترشدني الى اطايبه، وتستمر في ارشادي….. الى ان تصدر منه طبعة جديدة مزدهية  بملاحق تغنيني عما دونت !

أختم وانتقل من متعة الكتابة عن كتاب قيم الى متعة الخوض في  حكايات مبعثرة مع عدد ممن شغلوا منصب مندوب سورية الدائم لدى الامم المتحدة قبل الدكتور بشار، وهو السفير  الذي لن تتكرر مع احد غيره – كما ارجح — المدة الطويلة التي امضاها مشعا على العالم من منبر دولي.

لماذا افعل ذلك؟

قد لا تتاح لي فرصة اخرى. تمضي الايام سريعا.

عشت ساعات طويلة غنية   مع الامم المتحدة من خلال كتاب الجعفري . ومن خلال صفحاته حضرت الى الذهن حكايات يحق لها ان تروى ، فلافعل!

في القانون كثيرا ما يقال على ما يدخل على نص انه”راكب”Rider. هو نص اقحم على نص ، ركب عليه. لن اضحي بذكرياتي عن عصبة الامم والامم المتحدة ، ولن افرد لها مبحثا خاصا. فلأوسع ما كتبت من ” اخوانيات” بمناسبة الحديث عن كتاب غني ، ولأسجل يعض ما في الذاكرة.

في عام 1962 كانت رسالتي للماجستير في العلوم السياسية ، جامعة كولورادو بامريكا. بدوت فيها متفائلا بما ستحققه افرو اسيا من تقدم في الحياة الدولية. بادرني اثناء المناقشة احد اعضاء اللجنة:” هل حقا تؤمن بان هؤلاء المتخلفين سيحسنون العالم؟”. كلمة راسخة في الذهن،  تؤلمني كلما شهدت التردي في بعض امور اسيا وافؤيقيا.

في عام 1969 كتبت لمدرسة الاعداد الحزبي نصا في 90 صفحة فولسكاب عن عصبة الامم مع تركيز على دورها في قضية فلسطين. عدت اليه في موسم مئوية العصبة ضمن ندوات عن العصبة عقدتها الرابطة السورية للامم المتحدة. أذكر  انني سالت صديقي في نيويورك: ” هل اهتم احد عندكم بالمئوية؟” اجاب:” لا”. قلت له: “سجل لرابطتنا نقطة  فوز على هيئة الأمم المتحدة!”.

ثم في 1971 كان ثاني ما وجهني اليه الرئيس حافظ الاسد كتابة دراسة عن الامم المتحدة . فعلت. في وقت لاحق اتاني الى المكتب تقرير ضخم عن اعمال احدى دورات الامم المتحدة كتبه السفير هيثم كيلاني، رحمه الله،  والعاملون معه. ابديت فيه وجهة نظر. وتتالت المذكرات والتوجيهات بشان ما ابديت حتى انتهى الامر الى ضرورة عقد ندوة مغلقة بين القصر والخارجية للتدارس. وضع برنامج كامل لندوة ايام ثلاثة ووزعت الموضوعات. ثم فجأة الغي كل شيء بهاتف من وزيرالحارجية الي. لم يتدخل السيد الرئيس الذي انطلق الجهد بتوجيه منه واستمر بمواكبته.والكل الان في دار الحق.

ودخلت الى عالم قرارات الامم المتحدة من اوسع باب سوري حين هتف لي السيد الرئيس  المؤسس  في 23 تشرين الاول 1973 للتداول في موضوع الموقف من القرار 338. في تلك المحادثة المطولة وضعت  — بضم الواو وكسر الضاد —  اسس  الموقف السوري في معنى قبول القرار.

لجنة سياسية

وكان للامر متابعة. شكل السيد الرئيس لجنة سداسية لبحث ما يترتب على سورية من التزامات نتيجة قبول القرار. اثنان من القصر: امينه العام وصاحب هذه الكلمات، واثنان من الخارجية: السفيران صلاح الدبن طرزي واديب الداوودي، واثنان من الجامعة: حسان مريود وكمال غالي. رحم الله الجميع.

ثم ربما كانت ، بعد ، جائزة ترضية من عبد الحليم خدام. هتف لي وزير الخارجية  ذات يوم وسألني  ان ارافقه الى دورة الجمعية العامة عام 1974. كانت تلك المرة الوحيدة التي شهدت فيها اعمال احدى الدورات ولايام معدودة . أما جائزة تلك ” المهمة” فكانت الصداقة التي توطدت بين الدكتور صلاح الدين طرزي وبيني ، والتي ابتدأت من الزمالة في اللجنة السداسية.

نقلة الى عام تال لعله 1977.

وللعلم: لدي كل الاوراق التوثيقية اللازمة لاثبات الدقة  في كل ما رويت اعلاه، الا انني اكتب من الذاكرة فاذا اقتضى الامر عدت الى ما لدي من اوراق.

ذات يوم اعلمني حمود الشوفي، رحمه الله،  باننا معا سنحضر ندوة في باريس عن التعاون المتوسطي. فعلنا. كان بين المدعوين الاستاذ صلاح الدين البيطار. التقينا . كان ذلك اخر لقاء معه ، واول لقاء بعد اوائل عام 1966 ? يوم كان رئيسا لمجلس الوزراء وزيرا للخارجية .

اغتيل الاستاذ البيطار عام 1980 في باريس. قيل: اغتالته سورية. كان ابلغ رد ما صرح به السفير شكور:” خسارة سورية بفقده افدح بكثير من خسارتها باستمراره على قيد الحياة”.

ثم كان لحمود الشوفي ان يسمى سفيرا الى الامم المتحدة. زارني في المنزل قبيل التحاقه بعمله. سالني النصح، هكذا قال، فلم ابخل. قلت له: الامم المتحدة مكان  بالغ الحساسية. راقب نفسك .  يبدو انه لم يفعل . لبث في منصبه مدة لم تطل  ، فقد كان منه ما كان.

معاون سفير

عمل  السفير ضياء الله الفتال سنوات طوالا معاونا للسفير جورج طعمة. كانت له كلمة يرددها عندكتور الفلسفة  الاختصاصي في فلسفة ليبنز:” الأساس الوثيقة. عليك ان تدقق في الوثيقة قبل ابداء اي رأي”.  نصيحة قيمة وتردادها مفيد. لم اعرف السفير طعمة من خلال العمل. عرفته لاول مرة على مائدة طعام في بيت اخي الدكتور جبران . ثم التقيت به في بيروت بعد استقالته من الخارجية وهي استقالة آلمه انها قبلت فورا. عمل بعد تقاعده من الخارجية مستشارا عاما لمؤسسة  الدراسات  الفلسطينية .اقام في عمان بعد بيروت وفيها زرته.  أخذت منه نسخة من ترجمته لكتاب  الفيلسوف ليبنز، بعنوان ” المونادولوجيا” ، طلبها مني متحف ليبنز . ولدي في ملفاتي كتابا شكر من المتحف له ولي. وقع على السفير طعمة ان يشرح وجهة نظر سورية في مداولات مجلس الامن التي انتهت الى القرار 242 فاكتسب  اعجابا سوريا وعربيا ودوليا واسع النطاق. قدرته وزارة الخارجية بهمة كثيرين في طليعتهم السفير  الفتال ، فكان له حفل تأبين محترم تضمن برنامجه كلمة لي ، لكنني اضطررت الى السفر قبل موعد الحفل، ولم تظهر كلمتي في الكتاب التذكاري . ويهمني ان أذكر هنا انني وابنه رامز صديقان ، واننا معا زميلان في الرابطة السورية للامم المتحدة وفي الجمعية السورية البريطانية التي يرأسها الدكتور فواز الأخرس.

ورد  مرتين في  ما سبق اسم صلاح الدين طرزي . ولا بد من استكمال  الحديث عنه. شغوفا كان  بالحديث عن ذكرياته، ولا ضير في النسج على منواله.  أخبرني ذات يوم ان لديه يوميات دقيقة عن محادثاته لعقد الهدنة السورية – الاسرائيلية عام 1949. كان اول مسؤول سوري يجلس ( ؟) مع مسؤول اسرائيلي . سألته، بعد اخذ الموالفقة اللازمة، ان يحدث موظفي القصر عن خبراته. وافق. لدي نص الدعوة. كان لقاء ممتازا . ربما انها كانت المرة الاولى ،  والأخيرة (؟) ، التي يشهد فيها القصر فعالية من ذلك النوع.

توطدت الصلات  مع الدكتور طرزي بعد سفرة نيويورك 1974.كنا الوحيدين في الوفد اللذين لم يكلفهما الوزير خدام بعمل .كأنهما في الوفد للنزهة. امضيت معه  اوقاتا طويلة وانا استمع اليه يحدثني عن اهم الاحداث التي شهدتها هذه القاعة  من المبنى  أو تلك.  ثم انتخب  استاذ القانون الدولي في كلية حقوق جامعة دمشق عضوا في محكمة العدل الدولية. هو اول سوري يفوز بهذه الثقة الدولية. دعوته الى عشاء منزلي متواضع عشية سفره. كان يود ان يتشرف  بلقاء السيد الرئيس قبل مغادرته الى مقر عمله في لاهاي . لم يحدد له موعد. ثم ، ويا  لفرحته، حدثه السيد الرئيس هاتفيا الى المنزل اثناء العشاء . اقسم علي ان ازوره في لاهاي اذا  صدف وكنت في اوروبا قريبا من العاصمة الرسمية ل ” العدل الدولي”!.

وتشاء المقادير ان اكون في المانيا خريف عام 1980 . اتصلت بالدكتور طرزي. دعاني لزيارته. ثم عاد فاتصل في اليوم التالي وابلغني برنامج الزيارة. اصل يوم كذا. اقيم في فندق كذا. اتناول العشاء في منزله مساء ذلك اليوم. ثم في  ظهر اليوم التالي اكون ضيفه على مائدة تضم قضاة مجكمة العدل الدولية . حللت في الفندق. هتفت الى منزله. قيل لي: انتقل الى رحمة الله نتيجة حادث مروري . كنت في مكان الحادث قبل الدبلوماسي السوري الذي كلف بالقدوم من بلجيكا . اتصلت بالاخ ابو سليم في القصر . تابعت مع رئيس محكمة العدل الدولية الترتيبات . سجي الجثمان في بهو المحكمة . شاءت المقادير ان تنقلب الى ضدها تلك الزيارة التي حلمت ان اتحدث فيها مع قضاة العالم الكبار ، عبر مائدة محبة، عن مشاكل العالم الكبرى وتكييفها القانوني.

لا يصح ان اختم حديث سفرائنا الى الامم المتحدة دون ان اتحدث عن واحد منهم اعتمد سفيرا لا الى نيويورك بل الى جنيف. هو الدكنور توفيق سلوم الذي انتقل الى رحمة الله قبل سنوات قليلة. كنا ،  انا، و هو والسفير ديب ابو لطيف، بعد تقاعدهما ، مجموعة ثلاثية نلتقي بشكل شبه دوري.  وحده من بين اصدقائي السفراء  الى الامم المتحدة من ” استفقدني” بما احب: اطلاع الامم المتحدة على آرائي من واقع خبرتي. استدعاني من التقاعد الوزير الشرع لارافقه الى دربان . اشترطت عليه ان يذكر حلف الفضول في كلمته. استجاب. في دربان ، ولأول  مرة وآخرها، نحدث مسؤول سوري  رفيع عن  حلف الفضول بصفته اول هيئة لتنظيم الدفاع عن حقوق الانسان في العالم —  واضيف في العادة تحفظا ضروريا:  ” الى ان يثبت العكس” —. ما لنا وللحلف،  ونحن نتحدث عن السفير  توفيق سلوم؟ تزاملت مع توفيق في دربان. لم تمض سوى اشهر حتى هتف الي السفير من جنيف يعلمني فيها ان مجلس السفراء العرب لدى الامم المتحدة اختارني لكي اتحدث عن العنصرية الاسرائلية امام لجنة حقوق الانسان في دورتها بآذار 2002. تحدثت بصفتي ممثلا للمنظمة العربية لحقوق الانسان ومقرها القاهرة ورئيسها محمد فائق.

آذار 2002? ماذا عن آذار 1902?

أكتب في 24 تموز 2021 وأشير منذ خريف 2019 الى تموز 2022? مئوية اقرار عصبة الامم صكوك الانتدابات ومنها صك الانتداب على فلسطسن المتضمن وعد بلفور.

الشغف بالمئويات اخذ كثيرا من اهتمامي في مسيرة انشغالي بالشان العام. آذار 1902  شهد وفاة سيسيل رودس ، بطل هيرتزل الفكري الذي شغلت سيرته مؤسس المنظمة الصهيونية اكثر مما شغلته شخصيات التوراة .

آذار 1902– آذار 2002.

اذن فلاركز كلمتي على رسالة  من هيرتزل الى رودس يقول له فيها ان  المشروع الصهيوني كان من الممكن ان ينجزه رودس لو ان فلسطين كانت ضمن اهتمامات الاسنعماري الاستيطاني الكبير.

اذن فلاجعل هذه الكلمة ” بيت القصيد” في جنيف.

عنونت كلمتي كما يلي: ” اسرائيل: هل هي روديسيا آسيوية؟”.

وصلت   الكلمة الى فيلسوف الخير والانسانية في العالم : جون زيغلر.

كتب الي :” انه طرح متفوق!”.

اخذت مبادرة السفير سلوم  — التي اصبحت قرارا من مجلس السفراء العرب في جنيف — أخذت  بعدا  هاما في سبيل تفهيم العالم البناء الاستعماري الاستيطاني للصهيونية . الا ان السفير سلوم تابع مسيرته معي. لم يقتصر على ما فعل في آذار 2002.

هو نائب رئيس لجنة حقوق الانسان.  رشحني بموافقة رسمية لكي اسمى ” الخبير من المجموعة الآسيوية في مجموعة الخبراء المعنية بالمتحدرين من اصل افريقي” . هي لجنة أنشأها مؤتمر دربان  بمقتضى ” برنامج العمل” الذي اقره. يرد ل ” مجموعة العمل من الخبراء” ذكر تحت  عنوان: ” ثانيا” في برنامج العمل،  فقرة 7 والنص في الصفحة 38 من طبعة الكتاب التوثيقي باللغة العربية .  دامت عضويتي فيها من 2002 الى 2009 ? وتضمنت ” تفتيشا” على بلجيكا بشأن كيفية تعاملها مع من هم تحت سيطرتها من المتحدرين من اصل افريقي. ضمن عملية التفتيش اكتشفت ان متكلمي العربية في بلجيكا اضعاف متكلمي الالمانية وهي ثالثة اللغات الرسمية الثلاث في دستور تلك الدولة. طالبت في اجتماع رسمي   بجعل العربية لغة رسمية في بلجيكا او بالغاء الالمانية . سجلت الحادثة في كتابي ” يوم اللغة العربية”،  وهو صادر ضمن سلسلة كتاب البعث الشهري. سجلت ونسيت. في حفل بجونية لبنان ،  أحييته  قبل سنوات قليلة،  مبشرا بالمتنبي رمزا ليوم الغة العربية العالمي ، سمعت قولا لواحد من المستمعين مؤداه  ان على جدول اعمال البرلمان البلجيكي اقتراح باعتبار العربية لغة رسمية.  لم أتأكد من هوية من قال وموقعه ، وقد ارسل هده الكلمات الى مضيفنا في جونية الاستاذ ناجي النعمان. قد يتذكر. العالم صغير.

طال التجول مع السفير سلوم رحمه الله. فلأعد الى السفير الجعفري الباحث المدقق .

مارس كثير من سفرائنا الى الامم المتحدة عادة تاليف الكتب  خارج نطاق الكتابة الوظيفية . لفارس الخوري ولفريد زين الدين ولصلاح الدين طرزي ولجورج  طعمة مؤلفاتهم المعروفة . وربما ان لغيرهم مؤلفاتهم. الا ان ايا منهم لم يكتب للناس عن عمل المنظمة الدولية . وتلك فرادة تجربة الدكتور الجعفري في كتابه الجديد. انه كتب من مقر العمل وعن مقر العمل. لكتابه عن ” سورية وعصية الامم” صلة يعدنا هو بها. فلننتظر. سوف يهدينا ، قريبا كما أرجح، كتابا جديدا عن  سورية ومنظمة الامم المتحدة. هكذا وعد ووعد الحر دين.

وله مني شكر خاص. وفر لي كتابه فرصة لاستعيد بعض ما في الذاكرة من خبرة شخصية مع منظمة شعرت بثقل كابوسها منذ كنت طفلا انادي مع بقية التلاميذ:” يسقط قرار تقسيم فلسطين”.

{ رئيس الرابطة السورية للامم المتحدة وسابقا مستشار لدى الامانة العامة لرئاسة الدولة ومدير مكتب السيد رئيس الجمهورية للدراسات العامة

وخبير مستقل لدى مجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة

مشاركة