حكايات من الدراكسة

طباطيب العبر

حكايات من الدراكسة

محمد اسماعيل

صدر عن دار “دريم بن” للطباعة والنشر، في القاهرة، كتاب “طباطيب العبر.. حكايات أدبية من الدراكسة” تأليف أسامة الرحيمي، في مئتين وإثنتي عشرة صفحة من القطع المتوسط، توزعت بين ثلاثة أبواب، هي: “في ما جرى لبلدنا وقرآنا” الذي ضم اربع وعشرين حكاية، و”من طوائف أهالينا البسطاء” متضمنا ست عشرة حكاية، و”الشخصيات.. وجوه أطرها الغياب” تسع حكايات.

وبحسب المعجم الوجيز، الصادر عن مجمع اللغة العربية، في القاهرة؛ فإن كلمة “حكاية” تعني: “ما يحكى او يقص.. واقعا إم خيالا” أما “الدراكسة” فقرية تقع في مركز منية النصر بمحافظة الدقهلية، في مصر، تطل على النيل، وفق ما ورد في “خريطة المفاهيم كإستراتيجية حديثة في تدريس مادة التربية الإسلامية” تأليف صباح ساعد 2018وأسامة الرحيمي، أديب وصحفي، نقل في هذه الحكايات وقائع من يوميات مسقط رأسه.. الدراكسة.

جاء إهداء الكتاب على شكل حكمة وموعظة: “ثمة كثير من عبر يخرج بها متابع التغييرات التي جرت في مصر بعد إنقلاب يوليو 1952.

يتواصل الإهداء الى الآن، ساحباً القارئ الى منطقته، بإستعراض حياة المعدمين الذين لم يعرفوا مستحقاتهم من الانقلاب.. ثلاثة فدانات لم يطالبوا بها؛ فراحت عليهم وسقط حقهم فيها؛ ليظلوا أجراء عند غيرهم، كما لو لا يستطيعون التعرف على طريق الحرية والاستقلال بذواتهم، يفلحون لأنفسهم، إنما قدرهم أن يمكثوا شغيلة لدى الآخرين. هؤلاء التائهون.. المهمشون أهداهم أسامة كتابه، مطبطباً عليهم.. شرح في الإهداء كلمة “طبطب” قاموسياً، وهي: “الحنو على الضعيف”.

 غورديون

باب “في ما جرى لبلدنا وقرانا” إستهل بالحكاية الاولى “راديو بلدنا ع الدوار” فالعنونة بالدارجة المصرية لها سحر عربي واسع؛ لأن لهجة مصر، تلي الفصحى إنتشاراً كوسيلة في التفاهم بين الشعوب العربية، وكثيراً ما تتقدم الدارجة المصرية على الفصحى… فورود “ع” ضمن العنوان، له جاذبية سحر بليغ، يشكل إمتدادا مناظراً لمثيلتها في الدارجة العراقية، وربما في لهجات عربية أخرى.

الحكاية الاولى “راديو بلدنا ع الدوار” ضمن الباب الاول “في ما جرى لبلدنا وقرانا” رسمت خريطة لنطاق المكان الذي تتناوله؛ فإقطاعيو الاسكندرية هجروها الى القاهرة متوجسين بالانقلاب!

ترنم المؤلف مع الفلاحين بالإنقلاب: “كنا عبيداً وبقينا أسياداً” وعرفت حكاية “قدر التملية” بوصف البؤساء جهلاً بمستحقاتهم من الانقلاب الذي جعل مصر “فرهوداً” للشطار والوصوليين والقتلة المحترفين والعيارين، من دون شرعية دستورية، كانت تنتظم الحكم الملكي، وطرحت “الشرعية الثورية” بديلاً عنها. الثابت والمعروف ان الثورات أفعالاً هوجاء تشرعن طمع الفاسدين بالدولة تحت غطاء الوطنية والشعارات المستهلكة التي يلزم المواطن بالتظاهر مصدقا “من تكلم قتلناه ومن سكت مات كمداً”.

دارت الحكايات.. تلمح من دون تصريح.. حول الشرعية الثورية التي تخضع لمزاج لا يجيد الحوار قدر ما يجيد “حل عقدة غورديون” مدخلاً مصر ثلاث حروب ما زالت تنزف جراءها حتى هذه اللحظة.

تتداعى مصر في حكايات الكتاب واحدة.. واحدة، تشويقاً يروي قصة مجتمع سيستجير بالرمضاء من النار، في حكاية “أوجاع الشقا والغلب” وهو مثل معظم نصوص الكتاب، بالدارجة، ليسترسل ساردا قصص الدراكسة، من خلال وصف بالافعال: “فإذا طوى النسيان صورتها، لأي سبب ظهر ما يذكرني بها.. كان آخرها قصة “قتلاً للضجر” تاليف مكسيم غوركي” وتلك الجملة إنموذج للسرد الدرامي الذي تنتظم فيه ابعاد الزمن والافعال والانفعالات والحبكة على اساس ان “مات الملك” خبر؛ لأن حدث فقط، “مات الملك ثم ماتت الملكة حزناً عليه” دراما؛ لأن في حدث وإنفعال.

يقود توالي السرد القارئ في حكايات: “أُشاعة بثلاثة جنيه” و”البقالة والبقال” و”جمال الزمال” و”الخربة” و”ابو الخليل” و”قطار الدلتا الحنون” و”نهضة بكشة” و”التباله الأخير” و”لعنة الوحل” و”روائح القيظ القديمة” و”مآتم الناس أفراح بهم” و”براءة الحفظ والوجد في الصلاة” و”المها جرون” و”المسكين مات” و”إشهد يا عرش المندرة” و”أصوات الليل” و”أكل التوت.. الهزة بلزة” و”رمضان زمان.. بركات وحمد وخشوع” التي إستثمر فيها أسامة الرحيمي، شهر رمضان المبارك في نطاق فلكي يستند فيه الى تطابق القرآن الكريم مع العلم، بإجادة جمالية لم تنفرط منها البلاغة في خضم الحسابات الفلكية للتقويمين الهجري والميلادي.

وتتواصل حكايات الباب الاول، الى “بيجلمة العيد” و”سعد الشاعر.. مات” وهي ملحمة عن سيرة شاعر، أبطالها خوارق عجب! و”بيوتها عامرة بالخبز” و”للكعك فرحتان” التي تسلم القارئ الى باب ثالث: “من طرائف أهالينا البسطاء”.

فكاهة

في الباب الثالث تقترن الطرفة بالبساطة، تنتشر مع إتساع الحياة الريفية.. مكاناً، ومحدوديتها كتكوين قائم بذاته المطلقة.

ضمت من طرائف أهالي الدراكسة البسطاء، قصة “مخاصمة المساجد” والتي تبدأ بـ “كان رجلاً بسيطاً” بإعتبار الفعل الماضي الناقص “كان” لازمة تتكرر في الروي الشفاهي.. عربيا وعالميا، الى حد زحف على كلمة “قصة” في آداب أجنبية عدة، وحولها الى “تاريخ” كنوع من إزاحة إصطلاحية متأتية من قوة حضور التاريخ في القص.تلتها “المعلم يوسف” و”علشان ما يفكرش بإبن الكلب” و”الاسكافي والحداد” و”اروح لمين” و”في تفادي القحف” و”الحلاق الخلقي” و”كلب الدكتور حسن” و”الحمار الاحمر وصاحبه” و”إزازة لمبة وإتوصى” و”علي الطلاق احسن حالا” و”إزيك يا بو طه” و”يا بختك يا دي المسحة” و”الساعة كم ع الشيخ” و”حتى عفاريت البحر عارفيني” و”التراب غطى المكياج” لينتهي الباب الثاني بإنسيابية تصب في الثالث.غياب حمل الباب الثالث عنوان: “الشخصيات وجوه أظهرها الغياب” متضمناً الحكايات من 41 “مصور الريس نجيب” وإنتهاءً بآخر الحكايات 49 “يوم المنصورة”. فصلت بين اول حكايات الفصل الثالث وآخرها، حكايات بينية، هي”صباح الخير يا أبله سيسيل” و”عز العصاري” و”نبل الصمت” و”شيلوا السما من فوقي” بكل التحدي المتدفق منها، ناقلاً القارئ الى “مدرس الجغرافية” و”محمود حشيشة” و”أخي سعد” الذي تصدرت صورته المقال، واصفاً إياه بـ “الذكي الضحوك.. بهي الطلعة، الواعي” الذي يفتقده أسامة في غيابات الموت عقب آلام عام كامل من المرض. “طباطيب العبر.. حكايات ادبية من الدراكسة” قصص تلخص القرى المصرية والعربية. وأسامة السيد سلمان إبراهيم الرحيمي، صحفي في جريدة الاهرام.. سبق ان اصدر “يوم المبدعين” و”صباح الخير يا منى” من ادب الرسائل.. مشترك مع زوجته الاديبة منى الشيمي، وله قيد الطبــــع، “من حكايات الصحافة”.

مشاركة