حكايات مثيرة في فرنسا حول النظرة الاستشراقية للباليه الكلاسيكي

289

باريس‭- (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تستعد‭ ‬دار‭ ‬أوبرا‭ ‬باريس‭ ‬لبدء‭ ‬نقاش‭ ‬حول‭ ‬النظرة‭ ‬الاستشراقية‭ ‬والكليشيهات‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الباليهالكلاسيكي‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬دقيقة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬ضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬وأخذ‭ ‬تطورالعقليات‭ ‬في‭ ‬الاعتبار،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ “‬ثقافة‭ ‬الإلغاء‭”. ‬

فبعد‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬بيان‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬عن‭ ‬التنوع‭ ‬العرقي‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭ ‬أصدره‭ ‬راقصون‭ ‬وموظفون‭ ‬سودومختلطو‭ ‬الأعراق‭ ‬في‭ ‬المؤسسة،‭ ‬سُلطت‭ ‬الأضواء‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬أعمال‭ ‬الباليه‭ ‬التاريخية‭ ‬بعدما‭ ‬صرح‭ ‬المدير‭ ‬العامالجديد‭ ‬للأوبرا‭ ‬ألكسندر‭ ‬نيف‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ “‬لوموند‭” ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭/‬ديسمبر‭ ‬أن‭ “‬بعض‭ ‬الأعمال‭ ‬سيختفيبلا‭ ‬شك‭ ‬من‭ ‬السجلّ‭”‬،‭ ‬وجاء‭ ‬كلامه‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬فقرة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬شهيرة‭ ‬مثل‭ “‬بحيرة‭ ‬البجع‭” ‬و‭”‬كسّارة‭ ‬البندق‭”.‬‭ ‬

وسرعان‭ ‬ما‭ ‬ثارت‭ ‬ثائرة‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬واليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬بلسان‭ ‬رئيسة‭ ‬حزب‭ “‬الجبهة‭ ‬الوطنية‭” ‬مارينلوبن‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬أن‭ “‬مناهضة‭ ‬العنصرية‭ ‬أصبحت‭ ‬مجنونة‭”. ‬

وسارعت‭ ‬الأوبرا‭ ‬إلى‭ ‬النفي،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ “‬تلاصقا‭ ‬مؤسفاً‭” ‬حصل‭ ‬بين‭ ‬كلام‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬والفقرة‭ ‬المذكورة‭. ‬

‭ ‬أثر‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬

وقد‭ ‬طال‭ ‬هذا‭ ‬الجدل‭ ‬مسائل‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬السابقة‭. ‬فقد‭ ‬طرحت‭ ‬صحيفة‭ “‬نيويورك‭ ‬تايمز‭” ‬مثلاً‭ ‬سؤالاً‭ ‬عما‭ ‬اذاكان‭ ‬يجوز‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬لوحات‭ ‬الرسّام‭ ‬الفرنسي‭ ‬بول‭ ‬غوغان‭ ‬لكونه‭ ‬مارس‭ ‬الجنس‭ ‬مع‭ ‬فتيات‭ ‬صغيرات‭ ‬جداً،كذلك‭ ‬حصل‭ ‬جدل‭ ‬حين‭ ‬تم‭ ‬تعديل‭ ‬عنوان‭ ‬رواية‭ ‬أغاتا‭ ‬كريستي‭ ‬الشهيرة‭ “‬عشرة‭ ‬زنوج‭ ‬صغار‭” ‬بالفرنسية‭ ‬إلى‭ “‬كانواعشرة‭”‬،‭ ‬أما‭ ‬شبكة‭ “‬إتش‭ ‬بي‭ ‬أو‭ ‬ماكس‭” ‬فسحبت‭ ‬موقتاً‭ ‬فيلم‭ “‬ذهب‭ ‬مع‭ ‬الريح‭” ‬لإضافة‭ ‬شرح‭ ‬لسياقه،‭ ‬تأثراُ‭ ‬بحركة‭”‬حياة‭ ‬السود‭ ‬مهمة‭”. ‬

وفي‭ ‬وقت‭ ‬اشتهرت‭ ‬دور‭ ‬الباليه‭ ‬الأكاديمية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬بتصميمها‭ ‬الرائع‭ ‬للرقصات،‭ ‬فهي‭ ‬معروفة‭ ‬أيضابعدم‭ ‬دقتها‭ ‬في‭ ‬تمثيل‭ ‬الثقافات‭ ‬غير‭ ‬الأوروبية‭. ‬

وشرحت‭ ‬مؤرخة‭ ‬الرقص‭ ‬سيلفي‭ ‬جاك‭ ‬ميوش‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ “‬المسألة‭ ‬تتعلق‭ ‬باهتمام‭ ‬الغرب‭ ‬بالثقافات‭ ‬الغريبةعنه‭”‬،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬كان‭ ‬رائجاً‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬أنواع‭ ‬الفنون‭ ‬كافةً،‭ ‬مستشهدة‭ ‬بلوحات‭ ‬الرسّام‭ ‬الفرنسيأوجين‭ ‬ديلاكروا‭ ‬كمثال‭. ‬

وفي‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬الأخيرة،‭ ‬تخلت‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭ ‬عما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالـ‭”‬بلاكفيس‭”‬،‭ ‬أي‭ ‬تلوين‭ ‬وجوه‭ ‬ممثلين‭ ‬أو‭ ‬راقصينبيض‭ ‬باللون‭ ‬الأسود‭ ‬لأداء‭ ‬دور‭ ‬شخصيات‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬البشرة‭ ‬الداكنة‭. ‬

أما‭ ‬تصفيف‭ ‬الشعر‭ ‬المجعد‭ ‬وحصول‭ ‬الراقصين‭ ‬والراقصات‭ ‬السود‭ ‬على‭ ‬جوارب‭ ‬طويلة‭ ‬وأحذية‭ ‬باليه‭ ‬تناسب‭ ‬لونبشرتهم،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتنوع‭ ‬العرقي‭ ‬في‭ ‬المؤسسة،‭ ‬فمسائل‭ ‬يمكن‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬معالجتها‭ ‬مع‭ ‬الوقت،‭ ‬لكنّ‭ ‬مسألةالأعمال‭ ‬التاريخية‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭.  ‬في‭ “‬لا‭ ‬بايادير‭” (‬راقصة‭ ‬المعبد‭) ‬يظهر‭ ‬الزاهدون‭ ‬الهندوس‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬خانعون‭ ‬بينما‭ ‬هم‭ ‬موضع‭ ‬احترام‭ ‬في‭ ‬الهند،وفي‭ “‬ريموندا‭”‬،‭ ‬يظهر‭ ‬دور‭ ‬زعيم‭ ‬السراسنة‭ (‬الإسم‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬العرب‭) ‬على‭ ‬أنها‭ ‬شخصية‭ ‬سوداوية‭. ‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يقدّم‭ ‬المؤرخ‭ ‬باب‭ ‬ندياي‭ ‬والأمينة‭ ‬العامة‭ ‬لهيئة‭ “‬المدافع‭ ‬عن‭ ‬الحقوق‭” ‬المستقلة‭ ‬كونستانس‭ ‬ريفيير‭ ‬قريباًإلى‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭ ‬تقريراً‭ ‬يتناول‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المواضيع‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الصور‭ ‬النمطية‭.  ‬وأوضحت‭ ‬سيلفي‭ ‬جاك‭ ‬ميوش‭ ‬أن‭ ‬أعمال‭ ‬الباليه‭ ‬التاريخية‭ ‬أعيد‭ ‬تصميمها‭ ‬مرات‭ ‬عدة‭ ‬عبر‭ ‬العالم‭ (‬في‭ ‬أوبرا‭ ‬باريس،معظمها‭ ‬للراقص‭ ‬السوفياتي‭ ‬الشهير‭ ‬رودولف‭ ‬نورييف‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬يعود‭ “‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأجساد‭ ‬تغيرت‭ ‬وكذلك‭ ‬التقنية‭”.  ‬ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬العقليات؟‭ ‬أشارت‭ ‬ميوش‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ “‬أثر‭ ‬لماض‭ ‬موجود‭”. ‬

ورأت‭ ‬أن‭ ‬الأعمال‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتعايش‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬المستوحاة‭ ‬منها‭ ‬والتي‭ ‬تتناول‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬معطية‭ ‬أمثلةً‭ ‬علىذلك،‭ ‬منها‭ “‬جيزيل‭” ‬للبريطاني‭ ‬أكرم‭ ‬خان‭ ‬و‭ “‬كوبيليا‭” ‬لجان‭ ‬كريستوف‭ ‬مايو‭ ‬أو‭ “‬بحيرة‭ ‬البجع‭” ‬لماثيو‭ ‬بورن‭ ‬التيتضم‭ ‬راقصين‭ ‬ذكوراً‭ ‬حصراً‭. ‬

‭- ‬صياغة‭ ‬جديدة‭ – ‬

ويؤكد‭ ‬النجم‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬أوبرا‭ ‬باريس‭ ‬قادر‭ ‬بلعربي‭ ‬وهو‭ ‬حاليا‭ ‬مدير‭ ‬باليه‭ ‬الكابيتول‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تولوز‭ ‬أن‭ “‬أي‭ ‬عمليمكن‭ ‬أن‭ ‬يعاد‭ ‬صوغه‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬مختلف‭”. ‬

وبعدما‭ ‬أعاد‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأعمال،‭ ‬بينها‭ “‬لو‭ ‬كورسير‭” ‬أو‭ “‬القرصان‭” (‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1856‭ ‬في‭ ‬باريس‭)‬،دعا‭ ‬بلعربي‭ ‬إلى‭ “‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬متعمقة‭” ‬للأعمال‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ “‬فقدان‭ ‬الذاكرة‭”. ‬

وأضاف‭ “‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬إدانة‭ ‬ماضٍ،‭ ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬نبقى‭ ‬متعلقين‭ ‬بشخصيات‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬كليشيهات‭ ‬عفا‭ ‬عليها‭ ‬الزمن‭”. ‬

في‭ ‬باليه‭ “‬لا‭ ‬بايادير‭” ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬يقدمها‭ “‬باليه‭ ‬الكابيتول‭” ‬عام‭ ‬2020‭ ‬،‭ ‬تقرر‭ ‬مثلاً‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬ماكياج‭”‬الهنود‭” ‬باللون‭ ‬الداكن،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أوضح‭ ‬بلعربي‭ ‬الذي‭ ‬أضاف‭ “‬بالنسبة‭ ‬لباليه‭ + ‬ليه‭ ‬ميراج‭+ ‬،‭ ‬سنناقش‭ ‬إعادة‭ ‬النظرفي‭ ‬الجزء‭ ‬المتعلق‭ ‬بـ‭+ ‬الزنوج‭ +” . ‬

وشدد‭ ‬بلعربي‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ “‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬حساسيات‭ ‬معينة،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬الصوابية‭ ‬السياسية‭”. ‬

وفي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬قال‭ ‬الراقص‭ ‬الأميركي‭ ‬الصيني‭ ‬فيل‭ ‬تشان‭ ‬الذي‭ ‬أسس‭ ‬عام‭ ‬2017‭ ‬جمعية‭ ‬تحاربالكليشيهات‭ ‬الآسيوية‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬الباليه‭ ‬الكلاسيكي،‭ ‬إن‭ “‬الباليه‭ ‬يتغير‭ ‬طوال‭ ‬الوقت،‭ ‬وليس‭ ‬مثل‭ ‬لوحة‭ ‬الموناليزا‭”. ‬

وتابع‭ ‬موضحاً‭ “‬بات‭ ‬الهنود‭ ‬اليوم‭ ‬جيراننا،‭ ‬والسود‭ ‬أقرباءنا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الصينيين‭ ‬زملاؤنا‭. ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بإمكاننا‭ ‬وضعأوروبا‭ ‬في‭ ‬المركز،‭ ‬بينما‭ ‬ترقص‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الأطراف‭”. ‬

وقد‭ ‬أعاد‭ ‬صوغ‭ ‬قصة‭ ‬باليه‭ “‬القرصان‭” ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬تصميم‭ ‬الرقص‭ ‬،‭ ‬فلم‭ ‬يعد‭ ‬السياق‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬حريموقراصنة‭ ‬وباشا‭. ‬

وسأل‭ ‬الراقص‭ “‬ما‭ ‬هو‭ ‬الحريم‭ ‬اليوم؟‭ ‬مسابقة‭ ‬ملكة‭ ‬الجمال‭! ‬أما‭ ‬الباشا‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬يعتقد‭ ‬أنه،‭ ‬إذا‭ ‬كانمشهوراً‭ ‬جداً،‭ ‬يمكنه‭ ‬ملامسة‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إذنهن‭ … ‬هل‭ ‬يذكرنا‭ ‬ذلك‭ ‬بشخص‭ ‬ما؟‭ “. ‬

‭ ‬

‭ ‬

‭ ‬

‭ ‬

مشاركة