حكايات عن زيارة جيمي هندريكس التاريخية للمغرب بعد نصف قرن على وفاته

194

الصويرة‭ (‬المغرب‭)(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بعد‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬على‭ ‬وفاة‭ ‬جيمي‭ ‬هندريكس،‭ ‬تحتفي‭ ‬قرية‭ ‬ديابات‭ ‬الصغيرة‭ ‬قرب‭ ‬السواحل‭ ‬الأطلسية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬المغرب‭ ‬بذكرى‭ ‬عازف‭ ‬الغيتار‭ ‬الأسطوري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬له‭ “‬مرور‭ ‬تاريخي‭” ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬قبيل‭ ‬رحيله‭ ‬المأسوي‭ ‬في‭ ‬ريعان‭ ‬الشباب‭. ‬ويستذكر‭ ‬الستيني‭ ‬محمد‭ ‬بوعلالة‭ ‬الذي‭ ‬كبر‭ ‬في‭ ‬ديابات‭ ‬قبل‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالجيش،‭ ‬زيارة‭ ‬الموسيقي‭ ‬البريطاني‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬قبل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬قائلا‭ “‬رأيته‭ ‬هنا،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬شابا‭ ‬مع‭ ‬غيتار‭ ‬على‭ ‬ظهره‭”. ‬ففي‭ ‬صيف‭ ‬1969،‭ ‬أجرى‭ ‬العازف‭ ‬اللامع‭ ‬زيارة‭ ‬خاطفة‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الصويرة‭ ‬السياحية‭ ‬الواقعة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬خمسة‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬ديابات‭. ‬وتبقى‭ ‬هذه‭ ‬المحطة‭ ‬السريعة‭ ‬ماثلة‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المنطقة،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أي‭ ‬صورة‭ ‬أو‭ ‬تسجيل‭ ‬صوتي‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الحكايا‭ ‬الكثيرة‭ ‬المتداولة‭ ‬عنها‭. ‬ويقول‭ ‬محمد‭ ‬بوعلالة‭ ‬مرتديا‭ ‬قميصا‭ ‬تقليديا‭ ‬بنيا‭ “‬شاهدت‭ ‬جيمي‭ ‬هندريكس‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬اثنتين‭ (…) ‬أتى‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬وزار‭ ‬ديابات‭ ‬مع‭ ‬أصدقائه‭ (…) ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يسكن‭ ‬هنا‭ ‬يوما‭”. ‬ورغم‭ ‬مرور‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬وفاة‭ ‬الموسيقي‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬أيلول‭/‬سبتمبر‭ ‬1970‭ ‬عن‭ ‬27‭ ‬عاما‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬بعدما‭ ‬تناول‭ ‬مزيجا‭ ‬قاتلا‭ ‬من‭ ‬الحبوب‭ ‬المنومة‭ ‬والمشروب،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬ذكراه‭ ‬حاضرة‭ ‬بقوة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬القرية‭ ‬الصغيرة‭. ‬وتبدو‭ ‬ديابات‭ ‬أشبه‭ ‬بمزار‭ ‬مكرس‭ ‬لجيمي‭ ‬هندريكس،‭ ‬إذ‭ ‬تحمل‭ ‬مواقع‭ ‬عدة‭ ‬اسم‭ ‬العازف‭ ‬بينها‭ ‬مقهى‭ “‬كافيه‭ ‬جيمي‭” ‬ونزل‭ “‬هندريكس‭”. ‬كما‭ ‬تنتشر‭ ‬صوره‭ ‬الملونة‭ ‬وشعارات‭ ‬تحيي‭ ‬ذكرى‭ “‬المرور‭ ‬التاريخي‭” ‬للعازف‭ ‬قبيل‭ ‬مشاركته‭ ‬المحفورة‭ ‬في‭ ‬الأذهان‭ ‬في‭ ‬مهرجان‭ ‬وودستوك‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬قمة‭ ‬مجده‭. ‬ويقول‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬وهو‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬الثانية‭ ‬والسبعين‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬إنه‭ ‬التقط‭ ‬صورة‭ ‬مع‭ ‬هندريكس‭ ‬لكنه‭ “‬أضاعها‭”‬،‭ ‬واصفا‭ ‬الموسيقي‭ ‬بأنه‭ “‬بدا‭ ‬بصحة‭ ‬جيدة‭ ‬وكان‭ ‬محاطا‭ ‬بحراسه‭ ‬الشخصيين‭”. ‬وفيما‭ ‬حظيت‭ ‬زيارات‭ ‬جيم‭ ‬موريسون‭ ‬وبول‭ ‬ماكارتني‭ ‬وروبرت‭ ‬بلانت‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬الستينات‭ ‬والسبعينات‭ ‬بتوثيق‭ ‬دقيق،‭ ‬ثمة‭ ‬لغز‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يكتنف‭ ‬مرور‭ ‬هندريكس‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬ما‭ ‬يولّد‭ ‬سيلا‭ ‬من‭ ‬الشائعات‭ ‬التي‭ ‬يتسم‭ ‬بعضها‭ ‬بغرابة‭ ‬شديدة‭. ‬ويقول‭ ‬سيزار‭ ‬غليبيك‭ ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬كاتبي‭ ‬سيرة‭ ‬الموسيقي‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬نشره‭ ‬موقع‭ “‬يونيفايبس‭” ‬الإلكتروني‭ ‬إن‭ “‬زيارته‭ ‬القصيرة‭ ‬خلال‭ ‬صيف‭ ‬1969‭ ‬أثارت‭ ‬سيلا‭ ‬من‭ ‬المعلومات‭ ‬المغلوطة‭ ‬والقصص‭ ‬الوهمية‭”. ‬وتفيد‭ ‬إحدى‭ ‬الروايات‭ ‬المتداولة‭ ‬أن‭ ‬العازف‭ ‬الأعسر‭ ‬استلهم‭ ‬من‭ ‬خراب‭ ‬قصر‭ ‬دار‭ ‬السلطان‭ ‬المهدوم‭ ‬عند‭ ‬مداخل‭ ‬القرية‭ ‬في‭ ‬تأليف‭ ‬أغنيته‭ ‬الشهيرة‭ “‬كاسل‭ ‬مايد‭ ‬أوف‭ ‬ساند‭”. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬صدرت‭ ‬سنة‭ ‬1967،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬زيارته‭ ‬لمغرب‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يمنع‭ ‬المقهى‭ ‬الصغير‭ ‬الذي‭ ‬تنتشر‭ ‬فيه‭ ‬صور‭ ‬النجم‭ ‬الأميركي،‭ ‬من‭ ‬التباهي‭ ‬بهذه‭ ‬الأغنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬لافتة‭ ‬خشبية‭ ‬موضوعة‭ ‬على‭ ‬الجدار‭.‬

ويجري‭ ‬التداول‭ ‬بروايات‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬الأنشطة‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬هندريكس‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬بينها‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬جاب‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬شاحنة‭ ‬صغيرة‭ ‬وكان‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬جزيرة‭ ‬قبالة‭ ‬الصويرة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬قرية‭ ‬ديابات‭ ‬برمتها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكتفي‭ ‬بقصر‭ ‬دار‭ ‬السلطان‭ ‬المهدم‭.‬

وقال‭ ‬مغني‭ ‬فرقة‭ “‬ليد‭ ‬زبلين‭” ‬الشهيرة‭ ‬روبرت‭ ‬بلانت‭ ‬في‭ ‬مدونة‭ ‬صوتية‭ ‬في‭ ‬حزيران‭/‬يونيو‭ ‬2019‭ ‬إن‭ “‬جيمي‭ ‬هندريكس‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬الصويرة‭ ‬على‭ ‬السواحل‭ ‬الأطلسية‭ (…) ‬أمور‭ ‬غامضة‭ ‬كثيرة‭ ‬حصلت‭ ‬هناك‭”.‬

وهو‭ ‬أيضا‭ ‬آثر‭ “‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬الصحراء‭ ‬الكبرى‭” ‬عبر‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مراكش‭ ‬عوضا‭ ‬عن‭ ‬النزول‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬المغرب‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬براين‭ ‬جونز‭ ‬مؤسس‭ “‬رولينغ‭ ‬ستونز‭” ‬وآخرون‭ ‬زاروا‭ ‬جبال‭ ‬الريف‭ ‬التي‭ ‬تزرع‭ ‬فيها‭ ‬الحشيشة‭.‬

‭- “‬حقبة‭ ‬مجنونة‭” -‬

وتمثل‭ ‬ذكرى‭ ‬جيمي‭ ‬هندريكس‭ ‬نقطة‭ ‬جذب‭ ‬للزوار‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭. ‬ويقول‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬النجار‭ ‬وهو‭ ‬بائع‭ ‬أسطوانات‭ ‬في‭ ‬ديابات‭ “‬السياح‭ ‬يقصدون‭ ‬الصويرة‭ ‬خصيصا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬جيمي‭ ‬هندريكس‭ (…) ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬الصويرة‭ ‬مدينة‭ ‬تاريخية‭ ‬وموسيقية‭”.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬الزوار،‭ ‬تقول‭ ‬الفرنسية‭ ‬لورنس‭ ‬دو‭ ‬بور‭ ‬البالغة‭ ‬68‭ ‬عاما‭ ‬والتي‭ ‬أمضت‭ ‬شهرين‭ ‬في‭ ‬الصويرة‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬السبعينات‭ “‬مع‭ ‬شلة‭ ‬من‭ ‬الأميركيين‭”‬،‭ “‬كانت‭ ‬حقبة‭ ‬مجنونة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها‭”.‬

وتوضح‭ ‬هذه‭ ‬الفرنسية‭ ‬المنتمية‭ ‬سابقا‭ ‬إلى‭ ‬تيار‭ ‬الهيبيز‭ ‬الثقافي‭ ‬والمقيمة‭ ‬منذ‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬في‭ ‬الصويرة‭ “‬لم‭ ‬أر‭ ‬يوما‭ ‬هندريكس‭ ‬لكني‭ ‬كنت‭ ‬أعرف‭ ‬امرأة‭ ‬مغربية‭ ‬كانت‭ ‬تخيط‭ ‬له‭ ‬المخمل‭ ‬والسترات‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يرتديها‭ ‬تحت‭ ‬ملابسه‭ ‬المميزة‭”.‬

ويحرص‭ ‬سيزار‭ ‬غليبيك‭ ‬في‭ ‬سرده‭ ‬لسيرة‭ ‬عازف‭ ‬الغيتار‭ ‬المتحدر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬سياتل‭ ‬الأميركية،‭ ‬على‭ ‬دحض‭ ‬الشائعات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالموسيقي‭. ‬ويوضح‭ ‬أن‭ ‬هندريكس‭ ‬أتى‭ ‬فعلا‭ ‬إلى‭ ‬الصويرة‭ ‬حيث‭ ‬نزل‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬بتصنيف‭ ‬أربع‭ ‬نجوم‭ ‬لكن‭ ‬خلافا‭ ‬لما‭ ‬يروج‭ ‬له‭ ‬المرشدون‭ ‬السياحيون‭ ‬والمولعون‭ ‬بالفنان،‭ ‬فإنه‭ “‬لم‭ ‬يزر‭ ‬ديابات‭ ‬يوما‭”.‬

مشاركة