حكايات الفوضى واللافوضى في بلاد النهرين – جهاد كاظم

135

قرابين الماضي والحاضر لصادق فرج التميمي

حكايات الفوضى واللافوضى في بلاد النهرين – جهاد كاظم

رواية(قرابين .. حكايات من زمن الفوضى)، للكاتب والصحفي، القاص صادق فرج التميمي، عززت فهمي لمفهوم الدولة واللادولة،  بعد أن استوقفتني (عبارة شيء لا يشبه شيء) ، يكررها الكاتب عند سرده لكل قصة او حدث حصل، في آلية  دولة يأطرها نظام وقوانين، وعلى ضوءها تسير عجلة حياة الناس او الشعوب، فالعراق فيه من يسن القوانين ويضع التشريعات وهو مضرب الحكم والامثال للخير والبناء، وارضه التي  تسمى بارض السواد لكثرة النبت والماء غنية بالمال والرجال، وخيرات لا تعد وتحصى، وفيه أشياء لا تشبه اشياء..وهنا لا أعني ترابه وماءه وما على سطحه، فتلك مسألة خاضعة لقوانين الطبيعة وسننها، وبقي كل شيئ ثابت، لكن المتحرك الفعلي هو الإنسان، بمعنى أدق  الحكام او الأنظمة السياسية التي يجب أن تضع الأيدي  على أرض العراق ، وعلي مياهه وخيراته، لا ان تتركها سائبة يتحكم بها كل من هب ودب، وعلى وفق هذا التصرف غير المقبول جعلوا من تلك الأشياء لا تتشابه، حتى صارت الأقوال خلافا للافعال.. ، فعلا شيء لا يشبه شيئ، فقوم طائفة يقفون ضد أخرى، جهة تعيش على حساب جهة، و قبلية تحكم أخرى وهي بقربها ان لم تكن متداخلة الجذور والانتماء معها، وما سوى ذلك من كل التضادات التي يعرفها الجميع، ما جعل العراقيين (قرابين للاخرين) ، فكل مجموعة لها قانونها في الحياة، والمهم في ذلك هو قانون البقاء، بمعنى آخر صارت كل الأشياء أشبه بدولة داخل دولة، بل هي دولة داخل دولة فعلا ، فألشيخ  رئيسا له سلطته وسطوته، والسياسي له نفوذه وحصانته، ورجل الدين مقدس وقدسيته سلطة مطلقة، والمحكوم شعب لا يعرف بأي هوية يصطبغ لوطن اكبر من كل الأشياء وأقدسها بعد قدسية الله العظيم والنبيين والصديقين والشهداء.. الوضع السياسي العراقي يشير لهذه الأشياء كلها، والتي لا تتشابه في بعضها بسب إستشراء الفساد والفوضى في البلاد، حتى صدق الكاتب في عبارته التي يرددها عند نهاية سرده لكل حدث او قصة، شيئ لا يشبه شيء ، في آلية  دولة يفترض ان يأطرها نظام وقوانين، وعلى ضوءها يمكن أن تسير عجلة حياة الناس التي يجب أن ترافقها خطط التنمية الصناعية والزراعية وما سوى ذلك ومنها تنمية الانسان في الصحة والتعليم والعمل ، لا سيما وأن في العراق رجال اختصاص وعلماء واكاديميين مشهود لهم بالخبرة والكفاءة لإعداد تلك الخطط، وكيفية تطبيقها على ارض الواقع، وإن في العراق نخبة تعرف كيف تسن القوانين، وكيف تضع التشريعات اللازمة والملزمة لذلك، وهو، اي العراق، فيه من الرجال الاختصاص والخبراء والعلماء ممن يضرب المثل بهم في هذا المجال، ومجال الاضطلاع بكيفية استغلال الثروات العراقية للاعمار والبناء في ارض تكتنز كل خيرات الدنيا، وهي التي  تسمى بارض السواد لكثرة النبت والماء..جذبني عنوان الرواية (قرابين .. حكايات من زمن الفوضى) ، فإقتنيتها بعد إن قرأت أسماء من قدموا لها في غلاف الرواية الأخير، وهم من كبار الأدباء والقاصين والمثقفين ، وبعد قراءتي لها شدني الكاتب والصحفي القاص صادق فرج التميمي لمتابعة من أتحفها بالنقد والتقييم الموضوعي لما ورد فيها ، فحركت (الكوكل) العجيب بحثا عن ذلك ، فأتحفني بما هو مفيد ، فهذا الكاتب والمؤلف الكبير عكاب سالم الطاهر ، لخص لي بشكل مكثف وبالمختصر المفيد عمن كتب عن هذه الرواية ، فيقول  صادق فرج التميمي دخل نادي الروائيين بجدارة في  إصدار مثير حمل عنوان «قرابين .. حكايات من زمن الفوضى»? ويرى معنيون ان التميمي انتزع هوية الانتماء بجدارة تامة .. فخلال ما يزيد على 560 صفحة من القطع الكبير، يحفر المؤلف في صخور الماضي، ويطرق بقوة على أبوابه لتستيقظ الأحداث من سباتها .. في عملية قراءة جديدة ..

الصعود إلى الهاوية ..

وبداية يخبرنا المؤلف أن أبطال (قرابين .. حكايات من زمن الفوضى) صاعدون إلى الهاوية .. لذلك نتوجس ونحن نقرأ السطور الأولى .. ونمسك مفاتيح أبواب هذا العمل الروائي ..

بين العاطفة والعقل

وتحت عنوان: الإهداء .. يكتب الروائي التميمي قائلا: الى كل من كان فضوله يغلب حذره، والى كل من تعثرت دقات قلبه .. وهنا تضيق مساحة الغموض، لينبلج فجر الوضوح في هذا العمل الروائي ..

السفارة ونسرين

في تدفق لفظي ممتع، يكتب التميمي: كانت رائحة الياسمين والقرنفل والكاردنيا تجذبني، فانشد إليها، حتى تغريني بمواصلة المعاكسة، فأعود وأطيل النظر، بحسناوات المكان .. المارات من أمام قصر الباشا ..

وأتمعن هذه المرة بثيابهن الجميلة.. وقائع وأحداث، ضربت الحياة في العراق، كما تضرب الأمواج العاتية شواطئ البحار .. يرويها المؤلف، وبشكل يسجل له إيجابا، يمزج الروائي بين الواقع والخيال .. وكأنه يكتب تقريرا صحفيا إخباريا .. ولعله يبتعد قليلا، عن إسلوب جرجي زيدان .. حين يغوص التميمي في بحر التقريرية التي تشد القارئ بمعلوماتيتها ..

ما العقدة؟

في أي عمل روائي هناك العقدة التي تدور حولها الرواية .. والتي يعمل الروائي على حلها.. فما عقدة هذه الرواية؟..

يمكن القول إن الكاتب صادق فرج التميمي، يقدم توصيفا (التقرير والتحليل) للأحداث في العراق .. تشريح الحدث العراقي الذي رحل هو عقدة هذا العمل الروائي .. ولكن هل توفق الكاتب في هذا التشريح؟..

هناك شهادتان

يقدم اثنان من رموز المشهد الثقافي الراهن، وهما: الأديب أمين جياد، والأديب حميد المختار، شهادتيهما .. الأديب جياد يقول: إنها رواية يعيد أبطالها، توصيف الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية والدينية العراقية بإسلوب سردي حكائي ينتقد بموضوعية وحيادية كل ما أفرزته هذه الحياة .. أما القاص والروائي حميد المختار فيرى إنها بحق رواية كتبها المؤلف صادق فرج التميمي، بطريقة سلسة وبسيطة ..اعتقد إنها ستفتح الأبواب أمام التاريخ العام للعراق .. على خلفية الحوادث التي مرت عليه منذ أواخر ستينات القرن الماضي ..

الخلاصة

إنها الرواية الوثيقة التي صدرت في الزمان والمكان الصحيحين، إنها رواية تُقرأ ..

مشاركة