حكايات الأزقة الشعبية بين المسموح به والممنوع

840

حكايات الأزقة الشعبية بين المسموح به والممنوع

من هو (اللمبجي) داود الذي غنّاه يوسف عمر؟

صباح الخالدي

عند  قراءة  التاريخ في الكتب والروايات يتم الاطلاع على ما حصل من أحداث والسؤال  في محطات عدة هل هذا حقا ما حصل؟ هل وقعت صدقا كل التفاصيل المدونة ؟ أم أن هذه الأحداث خضعت لميول وطبيعة وعقل المؤرخ وشخصيته وانحيازه لأحد الأطراف على حساب أطراف أخرى , ومن ثم هل كتبها كما رآها هو من وجهة نظره الشخصية، أو كما حصلت حقا ؟والمعروف دائما  إن المنتصر هو من يكتب التاريخ خاصة في المجالات السياسية والحربية وهذه المقولة إلى حد ما حقيقية بل أقرب إلى الصدق فخلال العقود الماضية كان كل من ينتصر في معركة أو حرب هو الذي يدون في كتب التاريخ ما يريد من أحداث وبيانات ومعلومات وربما لا يقتصر ذلك على كتب التاريخ فقط لكنه أيضا يضمن ذلك في المقررات الدراسية على  التلاميذ في المدارس والجامعات.

 في حين يُغفل عمداً معلومات أخرى ذات أهمية وقيمة في اكتمال الصورة بشأن الحدث، وترتيبا على ذلك فالتاريخ دائما ما يكتبه المنتصر ليروج فيه لنفسه ولانتصاراته ويبرز إنجازاته ويقلل فيه من قيمة خصمه..مع ان  كتابة التاريخ تستدعي الموضوعية والدقة والسعي إلى الإستفادة من مجرياته لا من وجهة نظر جهة أو جماعة معينة في أحيان كثيرة نهمل الروابط التي تشدنا إلى تواريخ الأمم والشعوب الأخرى متناسين تشابك تاريخ البشرية ودائما الاهتمام في كتب التاريخ العربى أساسا من منظور سياسي، مع تجاهل التاريخ الاقتصادي والاجتماعي وعادات الشعوب وتقاليدها بحلوها ومرها بجمالها وقبحها ..وتوثيق الاحداث بشكل يمكن للاجيال المقبلة في كل العصور الاطلاع على تلك الاحداث وليس فقط الجوانب المشرق وحجب الصفحات السوداء والشوارع الخلفية للعادات والاجتماعية التي كادت سائدة في تلك الحقب الزمنية ..فمثلا ظاهرة البغاء وممارستها هي ظاهرة اجتماعية مرفوضة في المجتمعات ولكنها وجدت منذ أقدم العصور، وكان الرومان والإغريق يتخذون من العشيقات والبغايا تسلية ومتعة جنبا إلى جنب مع زوجاتهم الشرعيات، ومثلهم فعل إقطاعيي القرون الوسطى وأباطرة الوثنية  كما كان البغاء موجودا في العصر الجاهلي بنوعيه العلني والسري وحرمه الإسلام ،..وفي العصرين الاموي والعباسي وامتدادا للعصور اللاحقة تتحدث ادب العامة انه كان يضرب عليهن في بعض الاحيان بعض الحجاب المانع لارتكاب الخطيئه الاخلاقية ولذلك لانجد غرابة أن تكون مجالس اللهو والأنس والطرب وهي وسائل إغراء جامحة لجنوح بعضهن إلى ممارسات  خاطئة بعلم أو بدون علم ذويهم او مالكيهم ..في العهد العثماني كانت هذه الظاهره موجودة مع وجود القوانين التي تمنع ذلك لكن (المحترفات) منهن أخذن يمارسن الحرفة بصور واشكال مختلفة منها  تحت ستار الفن من رقص وغناء وطرب وعن طريق السحر والفال فضلا على دور اللهو والمراقص في بعض الأزقة المشبوهة التي تسكنها فئة من السماسرة والمومسات اللواتي يتعاطين الخطيئة بصورة سرية،..ولان الذاكرة الشعبية كانت تحتفظ بالعديد من الحوادث والحكايات التي كانت تنقل شفاها مما دفع عدد من المؤلفين وكتاب الروايات تاليف القصص والروايات عن تلك الظواهر وعلى سبيل المثال  في المجتمع المصري وفي الحقب السابقة بالثلاثينات والاربعينات جسد تلك الظاهرة  صناع السينما في مصر الى افلام في اعمال فنية عرضت على الشاشة عن  المومسات ودور الدعارة التي كانت منتشرة في تلك الحقب   في عدد من احياء القاهرة وكان فيلم ( البؤساء) التي ادت دور البطولة فيها الفنانة امينة رزق أول دور (عاهرة )على الشاشة عام  1943 والفيلم من قصة  رائعة فكتور هوجو التي حملت نفس الأسم (البؤساء) و أخرجه احد رواد السينما المصرية وهو كمال سليم قدم لأول مرة في فيلم ناطق شخصية العاهرة, وان  رزق قدمت الشخصية من منطقة كئيبة ومظلمة جدا شخصية مقهورة ضعيفة تتعرض لمواقف و أزمات تصل بها  في النهاية ان تضع ابنتها عند اناس أشرار وتذهب بعدها للبحث عن عمل ويتم تدبير مقلب لها  و تطرد من العمل  و تقرر إن  تتحول لعاهرة لكي تعيش .

مناقشات مستفيضة

وبعدها توالت عشرات  الافلام في مناقشات مستفيضة لهذا الموضوع من ابرز تلك الافلام شويكار في (دائرة الإنتقام)  ومديحة كامل في (درب الهوى )و ليلى علوي و مديحة كامل في (شوارع من نار ) ونادية الجندي في (خمسة باب ) ونادية لطفي في (السمان والخريف )  وسعاد حسني في (شفيقة ومتولي ) ورانيا يوسف في (صرخة نملة) وغيرها ..اضافة الى عدد من الاعمال الدراميا من المسلسلات ..القصد ان السينما العربية كانت تتصدى لهكذا امور دون ان يعد ممنوعا مع ان العديد من تلك الافلام كانت لكبار الكتاب والمؤلفين المصريين في مقدمتهم نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف السباعي واحسان عبد القدوس وغيرهم منطلقين من مفهوم ان هذه الحقب والبشر لابد ان يسلط عليهم الضوء والاسباب التي اوصلتهم الى ذلك كما انها جزء من تاريخ المجتمع في تلك الاحياء الشعبية وحواري القاهرة ..وشرائح من هذا الشعب وان المخرجين والمؤلفين كانوا يعالجون الموضوعات مهما كانت بدون تحسس او مقص الرقابة لكي تصل الحقيقة الى المشاهد دون رتوش من ان حقب زمنية من تاريخ هذه المدينة او تلك كانت فيها هكذا ممارسات وطبقات سياسية واجتماعية كانت تحضر خلسة الى تلك الدور ليلا للمتعة ونهارا تدير شؤون الدولة من الباشوات خاصة في فيلم  (خمسة باب)..  ولذلك لانجد غرابة أن تكون مجالس اللهو والأنس والطرب وهي وسائل إغراء جامحة لجنوح بعضهن إلى ممارسات  خاطئة بعلم أو بدون علم ذويهم او مالكيهم .. وفي بغداد خلال  عهد الاحتلال البريطاني للعراق في الثلاثينيات كانت الظاهرة أشبه بالعلنية في المنطقة المحيطة بساحة الميدان في باب المعظم وبعض الأزقة التي يسكنها اليهود في منطقة التوراة وسبب اختيار هذه المنطقة يعود الى انها كانت قديما مكانا تنفذ فيه احكام الاعدام ومكانا جمعت فيه رؤوس وجثث القتلى  والتي بلغت تلا عاليا من الجثث اثناء فتح بغداد من قبل السلطان مراد الرابع وهي تعد  مكانا غير مرغوب للسكن ومعزول نوعا ما الا ان مدوني التاريخ لم يتطرقوا الى تلك الظاهرة بشكل صريح لاعتبارات اجتماعية عدا بعض المؤلفين والشعراء الذين تطرقوا في مؤلفاتهم بشكل خجول ومقتضب للموضوع منه الكاتب والدبلوماسي امين المميز في مؤلفه  الموسوم (  بغداد كما عرفتها ) ذكر المميز في كتابه  الصادر في سنة 1952  بعضاً من قصص بيئته العزيزة، فنرى ان معظم الملامح البغدادية القديمة لتلك البيئة قد تغير تغيرا جذريا وتبدل تبدلا كليا فتارة يتحدث عن شرائح المجتمع البغدادي وتسقط اخبار مختلف الطبقات والشخصيات عاليها وسافلها التي كانت اسماؤها وقصصها واخبارها وممارساتها التي تتردد على ألسنة الناس حيث ذكر المؤلف عن احوال بغداد في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الاولى يوم كانت في اوج ظلامها الحالك وكان كل شيء فيها بدائيا ومتاخرا وسيئا، كأنها تعيش في القرون الخوالي، ويومها كان في بغداد جسر واحد فقط من (الدوّب الخشبية العائمة) واذا ماانقطع هذا الجسر وهربت الدوب الى (كرارة) او نزلت (حدّار) الى البصرة، انقطع الاتصال بين صوبي الكرخ والرصافة الى ان تعود (الدوب) من حيث هربت مصحوبة (بالمزيقة )، وكان الناس يستضيئون ويدرسون في ضوء الشمعة والقنديل والفانوس والادارة واللاّلة والاذيزة، وعند وصول الكهرباء الى شارع الجسر يحصل احتفال به، وصار الطلاب يدرسون على ضياء مصابيح الشارع ..

صور تاريخية

ويعد كتاب المميز  بواقع 533 صفحة مُطعم بالصور التاريخية والشخصية .. وهذا الكتاب الذي طبع في نيسان سنة 1985 مؤلف تاريخي وتراثي وعمراني كتب مقدمته الشيخ جلال الحنفي البغدادي الاصيل وقال ان (الكتاب دراسة بارعة وجميلة لاحدى البيئات البغدادية وهي محلة (الدنكجية ) التي هي مسقط رأس المؤلف وهي نفسها محلة جديد حسن باشا وقد اتبعها بكلام على محلة (الصرافية ) محلته الجديدة …الجيل الجديد يجهل الصور القديمة لحياة في هاتين المحلتين وحتى في بغداد كلها (بغداد كما عرفتها ),وثيقة تراثية نادرة وقد تقلب المؤلف بين اكداس الاحداث والوقائع فأثرى التاريخ المعاصر ببعض ما يفتقر اليه من معلومات وقعت فيه على وجه التفصيل والتحقيق .. والمؤلف حين يؤرخ للشخصيات التي تعرف عليها ولقيها وعايشها يورد من معالم حياة هؤلاء الناس ما يجعل قراءه يقرأون تاريخا حيا مجسما ملموسا باليد …لقد حمل المميز في كتابه محلة (الدنكجية ) من  خاناتها وخان جبنها وكاهيها وكبابها وهريستها وعدسها وهرطمانها وهكذا فكتاب المميز كتاب فولكلوري نادر يعج باذكريات البغدادية العزيزة على البغداديين حيثما كانوا.. ولكن لمجرد صدور الكتاب في الثمانينات قررت دائرة الرقابة في وزارة الاعلام انذاك منع تداول المؤلف لانه اشار الى اسماء بعض المومسات المشهورات في تلك الحقبة الزمنية !!مع ان السينما المصرية عالجت بعشرات الافلام وبشكل تفصيلي دون اية رقابة لاسياسية ولااعلامية !!وقبل امين المميز تناقلت الاوساط البغدادية اغنية ادها الفنان الكبير يوسف عمر عن شخصية تدعى داود (اللمبچي) كان في منطقة الميدان و(اللمبچي)  احدى  المهن التراثية العراقية المنقرضة، يتذكرها الاقدمون  في بغداد والمحافظات قبل دخول الكهرباء والإنارة للمدن، حيث كانت مهنة هذا الشخص (اللمبچي) هي إيقاد مصابيح الشوارع والأزقة (اللمبات النفطية) لإنارتها ليلا، وكان ممارس هذه المهنة يتلقى راتباً شهرياً من البلدية لقاء هذا العمل،إسوة بالچرخچي ومأمور البلدية وغيره وان مهنة (اللمبچي) مأخوذة من (اللمبة) التي هي المصباح النفطي (الفانوس) التي تستخدم آنذاك في الازقة، وعادة ما يكون عامل هذه المهنة طويل القامة حتى يستطيع ان يصل الى (اللمبات) التي كانت تنتشر في ازقة بغداد او (درابينها)التي تشبه الفوانيس أو (اللالة)،وبعد غروب الشمس يأتي اللمبجي ومعه سلّم يصعد عليه ليمسح زجاج اللمبات ويضع في خزانها الصغير نفطاً ويوقدها، وهذه كانت منتشرة في عدة أمكنة من الازقة  البغدادية لتنير الدرب لمن يخرج ليلا أو يعود لداره، في وقت الليل.

دور الدعارة

وكان داود اللمبجي له مهنة اخرى في النهار هو الاشراف على دور الدعارة في تلك المنطقة .. وشاءت الصدف ان يموت اللمبجي وعند تشييعه من قبل (المومسسات ) ومرورهن امام احدى المقاهي كان يجلس فيه الشاعر الملا عبود الكرخي ومن لا يعرف الملا عبود الكرخي؟ فهو غني عن التعريف، خاصة لمن عرف وتذوق القصائد الشعبية البغدادية حيث لم يدع الكرخي مظهراً من مظاهر الحياة البغدادية الا وتناولها  بالنقد والسخرية والحماس والمديح والهجاء حتى لقب بحق أمير الشعر الشعبي البغدادي.من القصائد التي إشتهر بها الكرخي قصيدة (المجرشة) التي غنى أبياتاً منها المطرب الكبير محمد القبنجي، والتي يصف الكرخي فيها مشاعر إمرأة ريفية مقهورة لا عمل لها سوى جرش وطحن الحبوب يوماً بعد يوم كي ترضي زوجها عديم الرحمة، والقصيدة الأخرى الشهيرة للكرخي هي قصيدة (داود اللمبچي) وقيل أن أول من غناها مطرب المقام المعروف رشيد القندرجي، ولكنها لم تسجل على (قوان) او اسطوانة، وكان قراء المقام من اليهود الاكثر ألحاحا في ترديد هذه الاغنية ولا يعرف لماذا..اما المطرب يوسف عمر المعروف بذكائه وحساسيته المفرطة في اداء النمط الغنائي الشعبي الاصيل فقد غنى هذه الاغنية في حفلة خاصة  وانها سجلت من دون علمه، فذاعت واشتهرت وقيل إن مغنيها يوسف عمر لم يعلم بتسجيلها في غفلة من الأمر فكان الذي كان ودارت على كل شفة ولسان. مع العلم ان هناك العديد من الاغاني المماثلة في ذلك الوقت مثل (عفاك.. عفاك على الفند العملتينو، انا تعبتو وانا شقيتو، وعلى الحاضر اخذتينو).القصد ..في إحدى الأيام كان الملا عبود الكرخي جالساً في مقهى مجاور لمنطقة الميدان، وإذا بجنازة كبيرة تخرج من المبغى العام، تتبعها جوقة من المومسات باكيات نادبات لاطمات، وتملّك الفضول شاعرنا الكرخي فسأل عن الفقيد الراحل!! فقيل له بأنه داود اللمبچي، صاحب المهنتين في الميدان!! .أثار الموضوع الملا عبود وهزّه لكي ينظم قصيدة ذاعت شهرتها في الآفاق، بالرغم من عدم تدوينها في جريدة أو مجلة أو ديوان بل تداولها البغداديون يتندرون بها في مجالسهم الخاصة، ورسخت في موروثهم الشعبي غير المدوّن، ولكن القصيدة نشرت فيما بعد للمرة الأولى في ديوان الكرخي الموسوم (ديوان الأدب المكشوف) الذي ضم غرر قصائده في الأدب المكشوف وطبعت منه نسخ معدودة في منتصف القرن الماضي ببيروت ولم يتداول بين الناس إلا نادراً جداً حتى ظهرت منه نسخة كاملة جرى تصويرها بطريقة الإستنساخ وبيعت بسعر زهيد خلال تسعينيات القرن الماضي في بغداد. ماذا تقول الأغنية؟ مات اللمبجي داود وعلومه … وَيْهوّه ويهوّه عليكم يهل المروّة والى اخر القصيدة التي انشدها الفنان يوسف عمر في جلسة غنائية مقامية ..البعض يرى أن القصيدة ليست بالقصيدة (البذيئة) كما قد يتصور البعض لدى قراءتها للمرة الأولى وإنما هي صورة إجتماعية دقيقة وساخرة لطبقة في مجتمع بغداد مارست أقدم مهنة في التأريخ خلال النصف الأول من القرن الماضي في محلة الميدان ببغداد والتي لصقت بها وبمحلة الصابونجية الملاصقة لها صفة الدعارة البغيضة ..القصد ان انتشار كتب التاريخ في المكتبات العامة التي ازدهرت في حقب عديدة انتشاراً جعل الثقافة التاريخية ثقافة شعبية بالمعنى الذي تحدث عنه ابن خلدون حين قال إن (فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركاب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال).ان البحث عن ما في بطون التاريخ من درر يقابلها كوارث سياسية واجتماعية واقتصادية وان تواصل التذكير به يعتمد على الكيفية التي يتناقلها العامة لتلك الحكايات والاحداث خاصة اذا لم تسلط السينما او التلفاز الضوء في تحويلها الى اعمال درامية تفضح تلك الظواهر المدانة من المجتمعات بكل طبقاتها وعصورها كما جرى في مصر اما بقية الدول العربية فان الامور بقيت حبيسة النقل الشفاهي وبما تنسى جيل بعد اخر ..

مشاركة