حكايات أصمعية – نجاح سميسم

302

حكايات أصمعية – نجاح سميسم

يروي الأصمعي، في واحدة من مروياته عن بغداد عاصمة العشق والجمال والترف ، بغداد حاضرة العالم أيام العباسيين ، بغداد العلم والمعرفة ، مدينة أهل الكلام من المعتزلة الذين نشأوا في البصرة ثم أنتقلوا بفكرهم ومجادلاتهم مع أهل الحديث والأشاعرة إلى الكوفة، وبعدها إلى بغداد التي كانت تحتضن جهابذة العلماء في كل صنوف المعرفة والعلوم، وكانت مدينة التعايش، التي أنصهرت في بودقتها الحياتية مختلف المكونات الأجتماعية والدينية والمذهبية والفكرية. كانت في مدينة بغداد عشرات المدارس، ومثلها من الأسواق والحانات،  والأديرة،  ومئات الحمامات ، والمساجد والجوامع، ورباطات المتصوفة، التي كان يعيش في زواياها الحلاج،  والسهر وردي، وأبويزيد البسطامي وغيرهم من المتصوفة،  مثلما كان يحيي لياليها الملاح أبو نواس في خمرياته المشهورة وغيره من الشعراء التي علمتهم بغداد الترف والغنج والدلال والغناء الأصيل،التي حوَّلَتْ الشاعر البدوي علي بن الجهم من البدواة إلى التحضر حيث قال:

عيون المها بين الرصافة والجسرِ

جلبْنَّ الهوى من حيث أدري ولا أدري

لنعود إلى مرويات الأصمعي وتَرَف بغداد:

يروي الأصمعي أن أحد شباب بغداد الميسورين،أحبَ فتاةً بدويةً جميلة جداً ، كانت تسكن مع أهلها في البادية الواقعة شمال غرب بغداد بأتجاه منطقة الأنبار ، تركَ هذا الشاب الميسور أهله في بغداد وأخذ خيمته وعدته مع بعض حاشيته ، ونصب خيمته خلف التلال والربوات التي تسكن فيها معشوقته البدوية مع أهلها، حيث كان على موعدٍ معها تزوره ليلاً إلى خيمته ، ولكنه ما أن حط رحاله ونصبَ خيمته ، حتى شاهد ركباً بجواره وأمراة فائقة الجمال  على هودج ، سلمت عليه،  وأستأذنته أن تنزل بجواره ( وهذه الأمرأة الجميلة هي طليقة أحد قادة  الجيش العباسي أحبته بجنون وهو لا يعرف بذلك ، وهي قد علمتْ برحيله فتبعته مع موكبها).

وهذه هي المحاورة بينهما بعدَ أن سلمتْ عليه:

فقُلتُ لها لما تهاوتْ وقالت..  أفي ربعكِ الخالي مكانٌ لخيمتي

فقلتُ لها كلا فقالت فها هنا بهذا المكان الرحب أعقلُ ناقتي

فقلتُ لها كلا فقالتْ إذا هنا… سأنصبُ أعوادي وحبــــلي وعدتي

ولكنه لم يسمح لها بالنزول بقربه لأنه ينتظر معشوقته البدوية وتستمر المحاورة على لسانه

فقلتُ لها كلا فقالت فأنما… على تلكم الربوات حلٌ لمحنتي

فقلتُ لها كلا فقالت فتلكم … نهايات أحزاني ووجدي وحيرتي

ويستمر توسلها به للنزول بقربه لأنها متيمــة به وهو لايعلم

فقلتُ لها كلا فقالت أليس لي… مكانٌ بتلك الدار تؤويني ليلتي

فقلتُ لها كلا فقالت بفيئها  أُقضي نهاري ثم أرحلُ باللتي

ويستمر برفض نزولها مع ألحاحها الشديد وسط ذهولها لهذا الرفض وهي الجميلة التي يتمنى وصالها علية القوم ولكن ذنبها أنها أحبته وقد تبعته إلى الصحراء كي تحظى بوصاله ولكنه يتمنع، وتستمر المحاورة:

فقلتُ لها كلا فقالتْ تَعَجُباً000أليسَ بِكُمْ عطفٌ يُداري مذلتي

فقلتُ لها كلا فسمعي وناظري وعقلي ووجداني وروحي وحالتي

وقلبي وماتحوي العروق وماأحتوتْ عليه الحنايا أو بصدريّ حَلَتِ

رهينٌ بمن أهوى، أسيرٌ لمن سعت… الى دارهِ رجلي وإلا فشُلتِ.

بهذه المروية التي رواها الأصمعي كيف كانت بغداد أيام العباسيين قبل أثني عشرَ قرناً من التطور والرقي ، وماوصلتْ إليه بغداد اليوم ونحن في القرن الواحد والعشرين من التخلف والنكوص بفضل الأحزاب الأسلامية التي جثمت وتحكمت بمصير بغداد خاصة والعراق عامة

مشاركة