حقل‭ ‬الغام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خرائط

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

وصلتني‭ ‬تعليقات‭ ‬مختلفة‭ ‬التوجهات‭ ‬والحدة‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬على‭ ‬آخر‭ ‬توقيع‭ ‬كتبته‭ ‬هنا‭ ‬قبل‭ ‬يومين،‭ ‬وشكّك‭ ‬معظم‭ ‬التعليقات‭ ‬بوجود‭ ‬محاسبية‭ ‬للوزراء‭ ‬الفاسدين‭ ‬والذين‭ ‬حدّدهم‭ ‬المسؤول‭ ‬الأول‭ ‬بأنهم‭ ‬أربعة،‭ ‬والسبب‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أسمائهم،‭ ‬وقالوا‭ ‬انّ‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬تدعو‭ ‬للاعتقاد‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬للتغطية‭ ‬السياسية‭ ‬على‭ ‬الفاسدين‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬المشتبه‭ ‬بهم‭.‬

‭ ‬والعراقيون‭ ‬الذين‭ ‬أصابهم‭ ‬اليأس،‭ ‬خلال‭ ‬عشرين‭ ‬سنة،‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬محاسبة‭ ‬فاسد،‭ ‬بات‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬عليهم‭ ‬وأحياناً‭ ‬من‭ ‬المستحيل،‭ ‬تصديق‭ ‬انَّ‭ ‬هناك‭ ‬حساباً‭ ‬على‭ ‬الفاسدين‭ ‬الكبار‭. 

غير‭ ‬انّ‭ ‬اللافت‭ ‬هو‭ ‬انّ‭ ‬الوزير‭ ‬الفاسد‭ ‬أي‭ ‬وزير،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الفاسدين،‭ ‬وانّ‭ ‬العراقيين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬كما‭ ‬كانوا‭ ‬منساقين‭ ‬وراء‭ ‬الشعارات‭ ‬والتصريحات‭ ‬والتحشيدات‭ ‬يعرفون‭ ‬مراكز‭ ‬قوى‭ ‬الفساد‭ ‬لكنهم‭ ‬يشعرون‭ ‬بالإحباط‭ ‬الشديد‭ ‬من‭ ‬إمكانية‭ ‬تغيير‭ ‬الحال‭.‬

وذهب‭ ‬بعض‭ ‬المعلقين‭ ‬الى‭ ‬القياس‭ ‬في‭ ‬دليله‭ ‬على‭   ‬شكلية‭ ‬الإجراءات،‭ ‬بإيراده‭ ‬صفقة‭ ‬القرن‭ ‬مثالا،‭ ‬وكيف‭ ‬انه‭ ‬جرى‭ ‬قبل‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬الظهور‭ ‬امام‭ ‬الشاشات‭ ‬مع‭ ‬عرض‭ ‬مبالغ‭ ‬مالية‭ ‬بالدينار‭ ‬العراقي‭ ‬قيل‭ ‬انها‭ ‬لا‭ ‬تعدل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الصفقة‭ ‬التي‭ ‬حولت‭ ‬أموالها‭ ‬الى‭ ‬الدولار‭ ‬اصلاً‭. ‬وزاد‭ ‬بعضهم‭ ‬بالقول‭ ‬انّ‭ ‬المتهم‭ ‬الأول‭ ‬بصفقة‭ ‬القرن،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬طبعاً،‭ ‬منح‭ ‬فرصاً‭ ‬مهمة‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬عبر‭ ‬الفضائيات‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وقيل‭ ‬أنه‭ ‬غادر‭ ‬البلد‭ ‬مع‭ ‬المغادرين‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬مطلوباً‭ ‬بشيء،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬متهماً‭ ‬بتلك‭ ‬الصفقة‭.‬

هذه‭ ‬بعض‭ ‬آراء‭ ‬المهتمين‭ ‬والقراء،‭ ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬رأيي‭ ‬الشخصي‭ ‬شيء‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً،‭ ‬ذلك‭ ‬انني‭ ‬ارثي‭ ‬حال‭ ‬أي‭ ‬مسؤول‭ ‬يقف‭ ‬متحدثاً‭ ‬عن‭ ‬محاربته‭ ‬الفاسدين،‭ ‬ذلك‭ ‬انّ‭ ‬حاله‭ ‬الفعلي‭ ‬يشبه‭ ‬الذي‭ ‬يدخل‭ ‬حقل‭ ‬الغام‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خرائط‭ ‬تفصيلية،‭ ‬وفوق‭ ‬ذلك،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مهمته‭ ‬ليلاً‭ ‬وهو‭ ‬مغمض‭ ‬العينين،‭ ‬لأنه‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مبصراً‭ ‬فإنه‭ ‬لن‭ ‬يرى‭ ‬الصورة

‭ ‬بأبعادها‭ ‬جميعا‭ ‬وسيظل‭ ‬ماكثاً،‭ ‬وربّما‭ ‬متخبطاً‭ ‬داخل‭ ‬بعد‭ ‬واحد،‭ ‬ولن‭ ‬يخرج‭ ‬بنتيجة‭. ‬ريما‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬سيصف‭ ‬كلامي‭ ‬هنا‭ ‬بكلام‭ ‬اليائسين،‭ ‬وفعلا‭ ‬هو‭ ‬كذلك‭ . ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية