حفلات المسـوس بسوس..رقصات شعبية أم طقوس علاجية؟

إعداد‭: ‬د‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬المنتاج‭ ‬أكادير

‭ ‬تنتشر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬سوس‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬قبيلة‭ ‬امسكينة‭ ‬بأكادير‭ ‬وأيت‭ ‬باها‭ ‬باشتوكة‭ ‬حفلات‭ ‬شعبية،‭ ‬تقدمها‭ ‬مجموعات‭ ‬إسمكان،‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬بعضها‭ ‬حفلات‭ “‬المسوس‭”‬،‭ ‬يمكن‭ ‬للقراء‭ ‬أن‭ ‬يعودوا‭ ‬لمتابعة‭ ‬الكثير‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬يوتيوب‭. ‬فما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬أنها‭ ‬تنظم‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬محدد‭ ‬من‭ ‬السنة،‭ ‬وأنها‭ ‬قد‭ ‬تستمر‭ ‬لأيام،‭ ‬بحيث‭ ‬تقام‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬بعدة‭ ‬مناطق‭ ‬مثل‭ ‬الدراركة‭ ‬وتكاديرت‭ ‬وتماعيت ولقليعة‭ ‬وإخربان‭ ‬وتمسية‭ ‬وهوارة‭…‬ولمدة‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام،‭ ‬تبدأ‭ ‬بيوم‭ ‬الجمعة‭ ‬وتنتهي‭ ‬ظهر‭ ‬يوم‭ ‬الأحد‭. ‬كما‭ ‬تتميز‭ ‬بطغيان‭ ‬الجانب‭ ‬الروحي‭ ‬الذي‭ ‬يرخي‭ ‬بظلاله‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يحضر‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬حضرت‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس،‭ ‬مما‭ ‬جعل‭ ‬الموضوع‭ ‬يثير‭ ‬شغفي،‭ ‬لهذا‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أبدا‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬وجذورها‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬والتعريف‭ ‬بها‭ ‬وطنيا‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الغاية‭ ‬منها‭ ‬مع‭ ‬محاولة‭ ‬تفسيرها،‭ ‬وكشف‭ ‬حقيقة‭ ‬ما‭ ‬يُثار‭ ‬حولها‭ ‬من‭ ‬روايات‭ ‬شعبية‭ ‬وفق‭ ‬رأي‭ ‬العلوم‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬أنتروبولوجيا‭ ‬وسوسيولوجيا‭ ‬وعلم‭ ‬النفس‭. ‬فما‭ ‬المقصود‭ ‬بحفلات‭ ‬المسوس؟‭ ‬ومن‭ ‬ينظمها؟‭ ‬وماعلاقتها‭ ‬بالموسيقى‭ ‬والليلة‭ ‬الكناويتين؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تنظم‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات؟‭ ‬وكيف‭ ‬تتحول‭ ‬من‭ ‬حفلات‭ ‬رقص‭ ‬جماعي‭ ‬إلى‭ ‬مشاهد‭ ‬إغماءات‭ ‬وجذب‭ ‬وندب‭ ‬وصراخ؟‭ ‬وما‭ ‬حقيقة‭ ‬أهدافها‭ ‬العلاجية‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الدين‭ ‬وعلم‭ ‬النفس؟

‭ ‬موسيقى‭ ‬إسمكان

  ‬قبل‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التنبيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬اختلافا‭ ‬بين‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان‭( ‬العبيد‭) ‬وكناوة،‭ ‬وقد‭ ‬طرحنا‭ ‬السؤال‭ ‬على‭ (‬ر‭ ‬ف‭) ‬عضو‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان‭ ‬بالدراركة‭ ‬فأكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬فروقا‭ ‬كثيرة‭ ‬بين‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان‭ ‬وكناوة،‭ ‬أولها‭ ‬أن‭ ‬إسمكان‭ ‬قد‭ ‬سبقت‭ ‬كناوة،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬إسمكان‭ ‬هي‭ ‬الأصل،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن‭ ‬تطورت‭ ‬لتظهر‭ ‬الموسيقى‭ ‬الكناوية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬اختلافات‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اللباس،‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان‭ ‬على‭ ‬لباس‭ ‬موحد‭ ‬غالبا‭ ‬مايكون‭ ‬أبيض‭ ‬أو‭ ‬أخضر،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬عمامة‭ ‬على‭ ‬الرأس،‭ ‬وخنجر‭ ‬في‭ ‬الحزام،‭ ‬أما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الآلات‭ ‬الموسيقية‭ ‬فتعتمد‭ ‬مجموعات‭ ‬إسمكان‭ ‬على‭ ‬الطبل‭ (‬كانكا‭) ‬و‭”‬القرقاشات‭” ‬وأحيانا‭ “‬لوثار‭”‬،‭ ‬ولهذا‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يسمي‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬بحفلات‭ ‬لوثار‭ ‬المسوس،‭ ‬بينما‭ ‬تعتمد‭ ‬كناوة‭ ‬على‭ ‬آلات‭ ‬موسيقية‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬الطارة‭ ‬أو‭ ‬الهجهوج‭. ‬أما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اللغة‭ ‬فأثار‭ ‬انتباهنا‭ ‬أن‭ ‬إسمكان‭ ‬يغنون‭ ‬فقط‭ ‬باللغة‭ ‬الأمازيغية،‭ ‬وهو‭ ‬التساؤل‭ ‬الذي‭ ‬حملناه‭ ‬للباحث‭ ‬خالد‭ ‬البركاوي‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬برنامج‭ ‬أمالاي‭ (‬الجوال‭) ‬بالقناة‭ ‬الأولى‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬لنا‭ ‬أنه‭ ‬صادف‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان‭ ‬نواحي‭ ‬تنغير‭ ‬يغنون‭ ‬بالعربية،‭ ‬ويختلفون‭ ‬عن‭ ‬إسمكان‭ ‬سوس‭ ‬بكونهم‭ ‬يضربون‭ ‬على‭ ‬الطبل‭ ‬بعصا‭ ‬ويد،‭ ‬بينما‭ ‬يضرب‭ ‬إسمكان‭ ‬سوس‭ ‬الطبل‭ (‬كانكا‭) ‬بعصوين،‭ ‬لنخلص‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الظاهرتين‭ ‬الموسيقيتين‭ ‬لهما‭ ‬نفس‭ ‬الأصل،‭ ‬فقط‭ ‬احتفظت‭ ‬إسمكان‭ ‬بطابعها‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬التراثي،‭ ‬بينما‭ ‬خضعت‭ ‬تكناويت‭ ‬للتطور‭ ‬والتحول‭ ‬والانتقال‭ ‬خارج‭ ‬مجالها،‭ ‬مستفيدة‭ ‬مما‭ ‬راكمه‭ ‬حقل‭ ‬الموسيقى‭ ‬من‭ ‬تنوع‭ ‬في‭ ‬الايقاعات‭ ‬والملابس‭ ‬والآلات،‭ ‬وما‭ ‬شهده‭ ‬من‭ ‬ثأثر‭ ‬وتداخل‭ ‬وتثاقف‭ ‬بين‭ ‬موسيقى‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭.‬

المسوس،‭ ‬حفلات‭ ‬غير‭ ‬معروفة‭ ‬وطنيا‭.‬

  ‬تحمل‭ ‬كلمة‭ “‬المسوس‭” ‬في‭ ‬معناها‭ ‬القريب‭ ‬دلالة‭ ‬واضحة،‭ ‬أي‭ ‬الطعام‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ملح‭ ‬فيه،‭ ‬وهي‭ ‬كلمه‭ ‬يدرك‭ ‬مغزاها‭ ‬كل‭ ‬المغاربة‭ ‬تقريبا‭ ‬لارتباطها‭ ‬بالملح‭ ‬وطعم‭ ‬الطعام،‭ ‬نقول‭ ‬طعام‭ ‬مالح‭ ‬وعكسه‭ ‬طعام‭ “‬مسوس‭”. ‬أما‭ ‬المعنى‭ ‬الاصطلاحي،‭ ‬فالمسوس‭ ‬أو‭ “‬تالمسوست‭” ‬بالأمازيغية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬الأخرى،‭ ‬تعني‭ ‬حفلات‭ ‬تنظمها‭ ‬مجموعات‭ ‬إسمكان‭ ‬في‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬السنة،‭ ‬بالتناوب‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬مناطق،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬الصيف،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬حتى‭ ‬شهر‭ ‬شتنبر،‭ ‬حيث‭ ‬تستمر‭ ‬لثلاث‭ ‬أيام‭ ‬بلياليها‭ . ‬تقوم‭ ‬المجموعة‭ ‬بشراء‭ ‬بقرة،‭ ‬تذبح‭ ‬غالبا‭ ‬يوم‭ ‬الجمعة،‭ ‬ليعد‭ ‬منها‭ ‬طعام‭ ‬الفرقة‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬وضيوفهم‭ ‬خلال‭ ‬مدة‭ ‬الموسم،‭ ‬وتختم‭ ‬يوم‭ ‬أحد‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬الصباح‭ ‬حتى‭ ‬الزوال،‭ ‬بحفله‭ ‬رقص‭ ‬جماعي‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬عام،‭ ‬يُتاح‭ ‬لكل‭ ‬الحاضرين‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬حلقية‭ ‬المجموعة‭ ‬والرقص‭ ‬على‭ ‬ايقاعاتها،‭ ‬وغالبا‭ ‬مايستمر‭ ‬العزف‭ ‬والرقص‭ ‬لساعات،‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬أجساد‭ ‬الراقصين‭ ‬في‭ ‬السقوط،‭ ‬وتكثر‭ ‬الإغماءات‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬النساء،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬ذلك‭ ‬انتباه‭ ‬واهتمام‭ ‬العازفين‭ ‬الذين‭ ‬يستمرون‭ ‬في‭ ‬العزف،‭ ‬فقط‭ ‬أهالي‭ ‬الذين‭ ‬يُغمى‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬يتدخل‭ ‬لحملهم‭ ‬و‭ ‬إخراجهم‭ ‬خارج‭ ‬الساحة‭.‬

    ‬مايميز‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬أنها‭ ‬تنظم‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭ ‬لأهداف‭ ‬ترفيهية‭ ‬وعلاجية،‭ ‬حيث‭ ‬يتوافد‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬للعلاج‭ ‬وطرد‭ ‬الجن‭ ‬والشياطين‭ ‬والأرواح‭ ‬الشريرة‭ ‬من‭ ‬الجسد‭ ‬كما‭ ‬يُشاع،‭ ‬بحيث‭ ‬يقوم‭ ‬إسمكان‭ “‬لعبيد‭” ‬بالعزف‭ ‬والغناء‭ ‬لتطهير‭ ‬النفوس‭ ‬مما‭ ‬تعاني‭ ‬منه،‭ ‬إذ‭ ‬ينخرط‭ ‬الزوار‭ ‬بشكل‭ ‬انجذابي‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬الرقص‭ ‬الذي‭ ‬يستمر‭ ‬بشكل‭ ‬عنيف‭ ‬وهستيري‭ ‬ولا‭ ‬ينتهي‭ ‬إلا‭ ‬بالإغماء‭ ‬على‭ ‬الشخص‭ ‬الراقص،‭ ‬حينها‭ ‬يحمله‭ ‬أهله‭ ‬وأصدقاؤه‭ ‬خارج‭ ‬حلقة‭ ‬الجذبة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬سنحاول‭ ‬كشف‭ ‬أسرار‭ ‬هذا‭ ‬الإغماء،‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬شفاء‭ ‬وعلاج‭ ‬وطرد‭ ‬للجن‭ ‬من‭ ‬أجساد‭ ‬الراقصين‭ ‬كما‭ ‬يُروج‭ ‬لذلك‭ ‬شعبيا،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬غير‭ ‬ذلك؟‭ ‬مستعينين‭ ‬بآراء‭ ‬خبراء‭ ‬ومختصين‭.   

لماذا‭ ‬سميت‭ ‬بالمسوس؟

سميت‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬بالمسوس‭ ‬لارتباطها‭ ‬بعمل‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان،‭ ‬أو‭ ‬أحد‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬عائلتهم،‭ ‬حيث‭ ‬يقوم‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬بالاستيقاظ‭ ‬قبل‭ ‬فجر‭ ‬اليوم‭ ‬الثالث،‭ ‬الذي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يصادف‭  ‬ليلة‭ ‬السبت‭ ‬الأحد،‭ ‬فيطبخ‭ ‬عددا‭ ‬معينا‭ ‬من‭ ‬الدجاج‭ ‬في‭ ‬مرق‭ ‬بدون‭ ‬ملح،‭ ‬يستمر‭ ‬طهي‭ ‬الدجاج‭ ‬حتى‭ ‬صباح‭ ‬الأحد،‭ ‬وعند‭ ‬اقتراب‭ ‬بدء‭ ‬الحفلة‭ ‬يوضع‭ ‬الطعام‭ ‬المسوس‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬الساحة‭ ‬العامة،‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬يشك‭ ‬في‭ ‬إصابته‭ ‬بمس،‭ ‬أو‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬أزمة‭ ‬نفسية،‭ ‬أن‭ ‬يتناول‭ ‬منه‭ ‬شيئا‭. ‬وبمجرد‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬الموسيقى‭ ‬الصاخبة‭ ‬ورقصات‭ ‬إسمكان،‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬هذا‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬الرقص‭ ‬و‭”‬الجذبة‭”‬،‭ ‬ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬حتى‭ ‬يُغمى‭ ‬عليه،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يتخلص‭ ‬جسمه‭ ‬مما‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬مس‭ ‬ومن‭ ‬أرواح‭ ‬شريرة‭ ‬كما‭ ‬يزعم‭ ‬منظمو‭ ‬الحفلات‭ ‬ومرتادوها‭. ‬وربما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬للأمر‭ ‬علاقة‭ ‬بتلك‭ ‬الأساطير‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الجن‭ ‬يخاف‭ ‬الملح،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتجلى‭ ‬في‭ ‬رش‭ ‬الملح‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬المهجورة،‭ ‬أو‭ ‬عند‭ ‬الذبح‭ ‬ليلا‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬أجدادنا‭ ‬يفعلون‭ ‬ويوصون‭ ‬أبناءهم‭ ‬بفعله‭ ‬خوفا‭ ‬أو‭ ‬طردا‭ ‬للجن‭. ‬واستعمال‭ ‬طعام‭ ‬مسوس‭ ‬ربما‭ ‬يوحي‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬باستدراج‭ ‬للجن‭ ‬أو‭ ‬الشياطين‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬للموسيقى‭ ‬أو‭ “‬الحضرة‭” ‬التخلص‭ ‬منه‭ ‬وطرده‭.                        بقية‭ ‬الخبر‭ ‬على‭ ‬الموقع

‭ ‬كما‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬تصطحب‭ ‬بعض‭ ‬أفرادها‭ ‬وتذخله‭ ‬لحفلة‭ ‬الرقص‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬سقوطه‭ ‬مغمى‭ ‬عليه،‭ ‬وكأنهم‭ ‬يستقدمونه‭ ‬لحصة‭ ‬علاجية‭.‬

حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬وعلاقتها‭ ‬بالليلة‭ ‬الكناوية

  ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الانتباه‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬تتشابه‭ ‬في‭ ‬عمقها‭ ‬مع‭ ‬الليلة‭ ‬الكناوية،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العزف‭ ‬أو‭ ‬الطرق‭ ‬أو‭ ‬الغايات‭ ‬والأهداف‭. ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ (‬المسوس‭-‬الليلة‭ ‬الكناوية‭) ‬تعد‭ ‬مناسبة‭ ‬لعلاج‭ ‬المصابين‭ ‬بالجن‭ ‬والمس‭ ‬مما‭ ‬فيهم،‭ ‬وتخلص‭ ‬أجسادهم‭ ‬من‭ ‬الجن‭ ‬والشياطين‭. ‬فالمناسبتان‭ ‬معا‭ ‬تعطيان‭ ‬للمريض‭ ‬إحساسا‭ ‬بالاحتضان‭ ‬الجماعي‭ ‬والشعبي،‭ ‬وأن‭ ‬الموسيقى‭ ‬والإيقاع،‭ ‬وما‭ ‬يصاحبهما‭ ‬من‭ ‬طقوس،‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تخليص‭ ‬الجسد‭ ‬من‭ ‬أعبائه،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعتبر‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬طرد‭ ‬الأرواح‭ ‬الشريرة،‭ ‬وطرد‭ ‬الجن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستغاثة‭ ‬بملوكهم‭ ‬والاستنجاد‭ ‬بهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المناداة‭ ‬عليهم،‭ “‬وا‭ ‬ميمونه،‭ ‬وا‭ ‬ميرا،‭ ‬ولالا‭ ‬عايشة،‭ ‬وا‭ ‬سيدي‭ ‬حمو،‭ ‬وسيدي‭ ‬شمهاروش‭…”. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬في‭ ‬الليلة‭ ‬الكناويه‭ ‬بالدردبة،‭ ‬والتي‭ ‬تعني‭ ‬نزول‭ ‬الجن‭ ‬من‭ ‬الجسم‭ ‬بعد‭ ‬استحضار‭ ‬ملوكهم‭ ‬والتضرع‭ ‬إليهم‭. ‬وقد‭ ‬سألنا‭ ‬أحد‭ ‬الكناويين‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬فأجاب‭ ‬قائلا‭ ‬أنهم‭ ‬أي‭ ‬المجموعة‭ ‬يقومون‭ ‬ب‭”‬عفس‭ ‬الشخص‭ ‬وصرعه‭”‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬يخلصونه‭ ‬مما‭ ‬في‭ ‬جسده‭ ‬من‭ ‬مس‭ ‬وجن‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الليلة‭ ‬الكناوية‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬معين،‭ ‬وبحضور‭ ‬عدد‭ ‬محدد‭ ‬من‭ ‬المستهدفين‭ ‬المدعوين‭ ‬لهذه‭ ‬الغاية،‭ ‬وتعزف‭ ‬فيها‭ ‬أغاني‭ ‬محددة،‭ ‬كل‭ ‬أغنيه‭ ‬لملك‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬الجن‭ ‬السبعة،‭ ‬فإن‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬بسوس‭ ‬تنظم‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬عمومي‭. ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬حضورها،‭ ‬وهي‭ ‬حفلات‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬فئة‭ ‬أو‭ ‬شخص‭ ‬بعينه،‭ ‬إنها‭ ‬حفلات‭ ‬عامة‭ ‬ورقص‭ ‬شعبي‭ ‬بإيقاعات‭ ‬صارخة،‭ ‬تنتهي‭ ‬غالبا‭ “‬بجذبات‭” ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬صاحبها‭ ‬إلا‭ ‬مغميا‭ ‬عليه‭. ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬لنا‭ “‬ر‭ ‬ف‭” ‬أحد‭ ‬عناصر‭ ‬فرقة‭ ‬إسمكان‭ ‬وعازفيها‭ ‬أن‭ ‬رئيس‭ ‬الفرقة‭ ‬الكناوية‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬درجة‭ ‬وايقاع‭ ‬الرقصة‭ ‬أو‭ “‬الجذبة‭” ‬حسب‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يرقصون‭ ( ‬بشكل‭ ‬هستيري‭) ‬وطبيعة‭ ‬رقصهم‭ ‬ومدى‭ ‬عنفهم‭ ‬وانضباطهم‭ ‬،‭ ‬فإذا‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تهييجهم‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الإيقاع‭ ‬وسرعته،‭ ‬وإن‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يهدئهم‭ ‬خفض‭ ‬من‭ ‬الإيقاع‭ ‬أو‭ ‬أوقفه‭. ‬فطريقة‭ ‬عزف‭ ‬الموسيقى‭ ‬وحدتها‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يتحكم‭ ‬في‭ ‬تراقص‭ ‬الأجساد‭ ‬والإغماء‭ ‬عليها‭. ‬أما‭ ‬عن‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬حفلة‭ ‬المسوس‭ ‬والليلة‭ ‬الكناوية‭ ‬فقد‭ ‬أوضح‭ ‬لنا‭ (‬ع‭ ‬ف‭) ‬أن‭ ‬الليلة‭ ‬الكناوية‭ ‬تعزف‭ ‬فيها‭ ‬موسيقى‭ ‬كناوية‭ ‬وتنتشر‭ ‬فيها‭ ‬طقوس‭ ‬خاصة‭ ‬تصل‭ ‬حد‭ ‬ارتداء‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬اللباس‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬للعازفين‭ ‬أو‭ ‬للحضور،‭ ‬كما‭ ‬تطلق‭ ‬فيها‭ “‬الأبخرة‭” ‬سبعة‭ ‬بخور‭ ‬وسبعة‭ ‬ألوان،‭ ‬لكل‭ ‬ملك‭ ‬من‭ ‬ملوك‭ ‬الجن‭ ‬بخور‭ ‬ولون‭ ‬واسم‭ ‬ينادى‭ ‬به،‭ ‬وتُغنى‭ ‬فيها‭ ‬أغان‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬نداءات‭ ‬واستغاثات‭ ‬بأسماء‭ ‬معينة‭ ‬يقال‭ ‬إنها‭ ‬أسماء‭ ‬ملوك‭ ‬الجن،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تنظم‭ ‬تحت‭ ‬الطلب‭ ‬ويحضرها‭ ‬أشخاص‭ ‬مدعوون‭ ‬لذلك،‭ ‬عكس‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬التي‭ ‬تتخذ‭ ‬طابعا‭ ‬موسميا،‭ ‬من‭ ‬تنظيم‭ ‬مجموعات‭ ‬إسمكان‭ ‬نفسها،‭ ‬ولا‭ ‬تطلق‭ ‬فيها‭ ‬الأبخرة‭ ‬ولا‭ ‬يُنادى‭ ‬فيها‭ ‬على‭ ‬أسماء‭ ‬معينة،‭ ‬ولا‭ ‬تُلبس‭ ‬فيها‭ ‬ألوان‭ ‬محددة،‭ ‬باستثناء‭ ‬نداء‭ ” ‬وا‭ ‬العفو‭ ‬يا‭ ‬مولانا‭..” ‬وهي‭ ‬اللازمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يُغنونها‭ ‬باللغة‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬حفلات‭ ‬عامة‭ ‬يحضرها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يرغب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭.‬

أشخاص‭ ‬عاشوا‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس

  ‬سألنا‭ ‬عدة‭ ‬أشخاص‭ ‬حضروا‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬وعاشوا‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس،‭ ‬ومنهم‭ ‬أشخاص‭ ‬أُغمي‭ ‬عليهم،‭ ‬فأكدوا‭ ‬لنا‭ ‬أنهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬يتوقعون‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لهم‭ ‬الجرأة‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬الحلقة،‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي،‭ ‬وأنهم‭ ‬انجدبوا‭ ‬دون‭ ‬إدراك،‭ ‬حتى‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬مغمى‭ ‬عليهم،‭ ‬يتلقون‭ ‬صفعات‭ ‬خفيفة‭ ‬أو‭ ‬رشات‭ ‬ماء‭ ‬باردة،‭ ‬وربما‭ ‬لهذا‭ ‬تسمى‭ ‬الحضرة‭ ‬بالجذبة‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬جذب‭ ‬الناس‭ ‬إليها‭. ‬أما‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬حضروا‭ ‬الحفلات‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬العلاج،‭ ‬فأكدوا‭ ‬بدورهم‭ ‬أنهم‭ ‬فعلا‭ ‬دخلوا‭ ‬حلقة‭ ‬الرقص،‭ ‬ورقصوا‭ ‬على‭ ‬إيقاع‭ ‬الطبل‭ ‬بعنف‭ ‬وبدون‭ ‬تحفظ،‭ ‬وأنهم‭ ‬فعلا‭ ‬أغمي‭ ‬عليهم،‭ ‬فأحسوا‭ ‬بعدها‭ ‬براحة‭ ‬نفسية،‭ ‬لم‭ ‬يشعروا‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬وتخلصت‭ ‬أجسادهم‭ ‬مما‭ ‬كانت‭ ‬تحس‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أعباء‭ ‬وضيق،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬طويلا،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬إلا‭ ‬يوما‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬يوم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسره‭ ‬بعض‭ ‬رواد‭ ‬المجموعة‭ ‬بأن‭ ‬الجن‭ ‬يغادر‭ ‬أجسادهم‭ ‬بفعل‭ ‬الرقص‭ ‬والجذبة،‭ ‬لكنه‭ ‬ما‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إليهم‭ ‬حين‭ ‬يبتعدون‭ ‬عن‭ ‬الحلقة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يرفضه‭ ‬شخص‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬المجموعة‭ ( ‬رفض‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬هويته‭) ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬ليس‭ ‬مرتبطا‭ ‬بالجن‭ ‬أو‭ ‬المس‭ ‬كما‭ ‬يروج،‭ ‬بل‭ ‬إغماء‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬مع‭ ‬ايقاع‭ ‬الطبل‭ ‬والعزف‭ ‬وتسارعه،‭ ‬مع‭  ‬ما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬إجهاد‭ ‬وإرهاق‭ ‬وتعب‭ ‬وتأثير‭ ‬على‭ ‬الجسم،‭ ‬مضيفا‭ ‬أن‭ ‬الإغماء‭ ‬ليس‭ ‬مرتبطا‭ ‬باسمكان‭ ‬أو‭ ‬كناوة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بعدة‭ ‬أنواع‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الموسيقى‭ ‬مثل‭ ‬والعيطة‭ ‬و‭”‬السواكن‭” ‬الشعبية‭ ‬والغيوان،‭ ‬وكذلك‭ ‬الموسيقى‭ ‬الغربية‭ ‬مثل‭ ‬الريكي‭ ‬و‭ ‬الروك‭.‬‭..‬

حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬بين‭ ‬الأنتروبولوجيا‭ ‬والدين

  ‬يقول‭ ‬حسن‭ ‬اليوسفي‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬المسرح‭ ‬ومفارقاته‭ “‬إن‭ ‬كل‭ ‬المجتمعات‭ ‬الإنسانية‭ ‬تخلق‭ ‬لنفسها‭ ‬طقوسا‭ ‬واحتفالات‭ ‬تجسد‭ ‬عبرها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والشعائر‭”‬،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬اليوسفي‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬أشكال‭ ‬مسرحية،‭ ‬فما‭ ‬يهمنا‭ ‬من‭ ‬قوله‭ ‬أن‭ ‬المجتمعات‭ ‬تخلق‭ ‬لنفسها‭ ‬طقوسا‭ ‬واحتفالات‭ ‬تجسد‭ ‬عبرها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والشعائر،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬تعد‭ ‬طقسا‭ ‬احتفاليا‭ ‬شعبيا،‭ ‬خلقه‭ ‬السوسيون‭ ‬ليجسدوا‭ ‬به‭ ‬عادات‭ ‬وطقوس‭ ‬خلال‭ ‬مناسبات،‭ ‬لكن‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬اختلطت‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬ديني،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬إقحام‭ ‬تفسيرات‭ ‬غيبية‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬أثناء‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات،‭ ‬خاصة‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يعتبر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬استمرار‭ ‬للحضرة‭ ‬الصوفية،‭ ‬كنوع‭ ‬من‭ ‬الذكر‭ ‬الجماعي‭ ‬الذي‭ ‬يرافقه‭ ‬تمايل‭ ‬ورقص‭ ‬وأناشيد‭ ‬وأمداح‭ ‬وأذكار،‭ ‬والتي‭ ‬يرافق‭ ‬بعضها‭ ‬ضرب‭ ‬على‭ ‬الدف‭. ‬وقد‭ ‬طرحنا‭ ‬على‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬رفيقي‭ “‬أبو‭ ‬حفص‭” ‬سؤالا‭ ‬حول‭ ‬أصول‭ ‬هذه‭ ‬الطقوس‭ ‬الموسيقية‭ “‬إسمكان‭” ‬وعلاقتها‭ ‬بالجذبة،‭ ‬فأكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ “‬موسيقى‭ ‬كناوة‭ ‬ارتبطت‭ ‬في‭ ‬بدايتها‭ ‬باستقدام‭ ‬العبيد‭ ‬إلى‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬طرف‭ ‬السعديين،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تعرف‭ ‬المغاربة‭ ‬عليها‭ ‬وعلى‭ ‬ما‭ ‬يربتط‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬طقوس،‭ ‬هي‭ ‬طقوس‭ ‬وثنية‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬لكن‭ ‬انتشارها‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬إسلامية‭ ‬جعلها‭ ‬تتقاطع‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬الطقوس‭ ‬الأخرى،‭ ‬ومنها‭ ‬الطرق‭ ‬الصوفية‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬الرقص‭ ‬الكناوي،‭ ‬ما‭ ‬أنتج‭ ‬هذه‭ ‬الحضرة‭ ‬التي‭ ‬تعد،‭ ‬حسب‭ ‬الصوفيين،‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬السمو‭ ‬الروحاني‭ ‬والانقطاع‭ ‬عن‭ ‬الأرض‭ ‬والتحليق‭ ‬بالروح‭”‬،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬حفلات‭ ‬إسمكان‭ ‬هاته‭ ‬قد‭ ‬تقاطعت‭ ‬مع‭ ‬الطقوس‭ ‬الإسلامية‭ ‬فأنتجت‭ ‬ما‭ ‬نشاهذه‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬حذبات‭ ‬وحضرات‭ ‬وإغماءات،‭ ‬فالمشترك‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الحضرات‭ ‬وبين‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬أنهما‭ ‬معا‭ ‬طقسان‭ ‬للرقص‭ ‬الجماعي،‭ ‬ينتهيان‭ ‬بلحظات‭ ‬يُغمى‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬الشخص‭ ‬المنخرط‭ ‬في‭ ‬الجذبة‭ ‬الجماعية‭. ‬صحيح‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬تطورا‭ ‬لرقص‭ ‬وجذبة‭ ‬صوفية،‭ ‬لكنها‭ ‬فقط‭ ‬قد‭ ‬أخذت‭ ‬منها‭ ‬لحظة‭ “‬الجذب‭ ‬وتحريك‭ ‬الرأس‭” ‬والإغماء‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يعتبرها‭ ‬أو‭ ‬زوار‭ ‬مواسم‭ ‬المسوس‭” ‬علاجا،‭ ‬وهوما‭ ‬يرفضه‭ ‬الباحث‭ ‬الانتروبولوجي‭ ‬نورالدين‭ ‬الزاهي‭ ‬بقوله‭ “‬المشاركون‭ ‬في‭ ‬الحضرة‭ ‬لا‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬الذروة،‭ ‬فما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬عنف‭ ‬ينال‭ ‬الجسد‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬الإثارة‭ ‬التي‭ ‬يحرص‭ ‬عليها‭”. ‬وحول‭ ‬إدعاء‭ ‬الروايات‭ ‬الشعبية‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬تخليص‭ ‬للجسم‭ ‬من‭ ‬الجن‭ ‬والشياطين‭ ‬وعلاقة‭ ‬ذلك‭ ‬بالإسلام،‭ ‬قال‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬رفيقي‭: “‬هذه‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأساطير‭ ‬والخرافات‭ ‬التي‭ ‬ليست‭ ‬لذيها‭ ‬أصول‭ ‬إسلامية،‭ ‬فالتخلص‭ ‬من‭ ‬الجن‭ ‬والأرواح‭ ‬الشريرة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفا‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬الإسلامية‭ ‬الأولى،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الاحتكاك‭ ‬قد‭ ‬حصل‭ ‬بعد‭ ‬مع‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬طقوس‭ ‬ومعتقدات‭ ‬هو‭ ‬خليط‭ ‬من‭ ‬فلسفات‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إسلامي‭ ‬ومنها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حادث‭ ‬عن‭ ‬الإسلام‭”.‬

علم‭ ‬النفس‭ ‬يوضح

  ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬لزاما‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نستحضر‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬الظاهرة،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للوقوف‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يحس‭ ‬به‭ ‬رواد‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬وخاصة‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يجدون‭ ‬أنفسهم‭ ‬منجذبين‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬الرقص،‭ ‬وهل‭ ‬فعلا‭ ‬تعد‭ ‬هذه‭ ‬الرقصات‭ ‬حصصا‭ ‬علاجية‭. ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬وجهناها‭ ‬للدكتور‭ ‬أبوبكر‭ ‬حركات‭ ‬الأخصائي‭ ‬النفسي‮ ‬والجنسي‭ ‬والذي‭ ‬اشتغل‭ ‬على‭ ‬الموضوع‭ ‬طويلا،‭ ‬حيث‭ ‬أكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬أكد‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬ظاهرة‭ ‬الإغماء،‭ ‬بعد‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬الموسيقى‭ ‬ذات‭ ‬الإيقاع‭ ‬العالي‭ ‬موجودة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الثقافات،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬أوروبية‭ ‬أو‭ ‬أفريقية‭ ‬أو‭ ‬لاتينو‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬هندية،‭ ‬وأن‭ ‬الإغماء‭ ‬الذي‭ ‬يتعرض‭ ‬الشخص‭ ‬المنخرط‭ ‬في‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬ليس‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تزعمه‭ ‬الثقافة‭ ‬الشعبية‭ ‬من‭ ‬طرد‭ ‬للجن‭ ‬أو‭ ‬للأرواح‭ ‬الشريرة‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ناتج‭ ‬عن‭ ‬الإيقاع‭ ‬المرتفع‭ ‬الذي‭ ‬يُصدر‭ ‬للدماغ‭ ‬موجات‭ ‬كهربائية‭ ‬يتفاعل‭ ‬معها‭ ‬قلب‭ ‬الراقص‭ ‬وجسمه‭ ‬وتنفسه،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الإيقاع‭ ‬والعزف‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬وفقدان‭ ‬الوعي،‭ ‬وقد‭ ‬سألناه‭ ‬عن‭ ‬علاقة‭ ‬الظاهرة‭ ‬بما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬الشيعة‭ ‬وبعض‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مشي‭ ‬على‭ ‬النار‭ ‬أو‭ ‬الأشواك‭ ‬أو‭ ‬أكل‭ ‬الزجاج‭ ‬والماء‭ ‬الحار‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬خانه‭ ‬جلد‭ ‬الذات،‭ ‬فأكد‭ ‬لنا‭ ‬الدكتور‭ ‬حركات‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬الظاهرتين‭ ‬فظاهرة‭ ‬إسمكان‭ ‬والمسوس‭ ‬تحدث‭ ‬بفعل‭ ‬الموسيقى،‭ ‬بينما‭ ‬جلد‭ ‬الذات‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬موسيقى،‭ ‬مضيفا‭ ‬أن‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬هذه‭ ‬اقرب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬عيساوة،‭ ‬مؤكدا‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تأثير‭ ‬جماعي‭ ‬على‭ ‬الفرد،‭ ‬فوقوف‭ ‬شخص‭ ‬ومشاهدته‭ ‬لرقص‭ ‬جماعي‭ ‬يؤثر‭ ‬عليه‭ ‬ويصبح‭ ‬مثل‭ ‬العدوى‭ “‬انجذاب‭”‬،‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬للانخراط‭ ‬فيه‭. ‬وحول‭ ‬سؤالنا‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬اعتبار‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬العلاج‭ ‬بالموسيقى‭ ‬أكد‭ ‬الأخصائي‭ ‬في‭ ‬العلاج‭ ‬النفسي‭ ‬والجنسي‭ ‬إنه‭ ‬يمكن‭ ‬اعتبار‭ ‬الأمر‭ ‬كذلك،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬الجماعية‭ ‬تلتقي‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬لدى‭ ‬الصوفيين‭ ‬بالخمرة‭ ‬الصوفية‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬التنفيس‭ ‬والراحة‭ ‬والارتياح‭.  ‬رأي‭ ‬الدكتور‭ ‬حركات‭ ‬يلتقي‭ ‬مع‭ ‬نظرية‭ ‬التطهير‭ ‬الأرسطي‭ ‬باعتبار‭ ‬هذه‭ ‬الحفلات‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬البسيكو‭ ‬دراما‭ ” ‬psychodrama‭” ‬التي‭ ‬تمكّن‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬طابعها‭ ‬الفرجوي‭ ‬من‭ ‬تفريغ‭ ‬طاقات‭ ‬نفسية،‭ ‬وشحنات‭ ‬سلبية‭ ‬مكتومة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمقدوره‭ ‬البوح‭ ‬بها‭ ‬والإفصاح‭ ‬عنها‭ ‬أمام‭ ‬الجميع‭.  ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬وجدنا‭ ‬صداه‭ ‬يتردد‭ ‬انتروبولوجيا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم،‭ ‬إذ‭ ‬تبث‭ ‬تاريخيا‭ ‬أن‭ ‬الموسيقى‭ ‬استخدمت‭ ‬كعلاج‭ ‬في‭ ‬المعابد‭ ‬المصرية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬أرسطو‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الموسيقى‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الروح‭ ‬وأنها‭ ‬قوة‭ ‬تطهر‭ ‬المشاعر،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬موسيقى‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس،‭ ‬وعلى‭ ‬الذين‭ ‬يقصدونها‭ ‬للتخلص‭ ‬من‭ ‬مما‭ ‬لحق‭ ‬نفسه‭ ‬وجسمه‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬وضغوطات‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭. ‬يقول‭ ‬الكندي‭ “‬إن‭ ‬كل‭ ‬وتر‭ ‬وتنغيمه‭ ‬وإيقاعه‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬منطقة‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬جسم‭ ‬الإنسان‭” ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الفارابي‭: ” ‬ومن‭ ‬شأن‭  ‬الموسيقى‭ ‬أن‭ ‬تنسي‭ ‬الإنسان‭ ‬تعبه‭ ‬لأنها‭ ‬تلغي‭ ‬إحساسه‭ ‬بالزمن‭ ‬الذي‭ ‬ترتبط‭ ‬به‭ ‬الحركة‭ ‬والتعب‭”. 

ختاما

  ‬نخلص‭ ‬في‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬واستنادا‭ ‬إلى‭ ‬رأي‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا،‭ ‬لا‭ ‬علاقة‭ ‬لها‭ ‬بالمس‭ ‬أو‭ ‬الأرواح‭ ‬الشريرة‭ ‬أو‭ ‬طرد‭ ‬للجن،‭ ‬وليست‭ ‬لها‭ ‬أي‭ ‬خلفيات‭ ‬غيبية‭  ‬أو‭ ‬دينية،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬طقوس‭ ‬شعبية،‭ ‬امتزجت‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الخرافة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عمقها،‭ ‬وبما‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬طابع‭ ‬جماعي‭ ‬فرجوي،‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تخليص‭ ‬النفس‭ ‬من‭ ‬ضيق‭ ‬وأزمات‭ ‬وحالات‭ ‬اكتئاب‭ ‬فردية‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬الشخص‭ ‬ويكتمها‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يشجع‭ ‬على‭ ‬ظهورها‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتضان‭ ‬الشعبي‭ ‬والجماعي‭ ‬للأفراد‭ ‬الراقصين،‭ ‬الذين‭ ‬ينخرطون‭ ‬في‭ ‬رقص‭ ‬جماعي،‭ ‬يسعى‭ ‬أولا‭ ‬للترويح‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬وتحدي‭ ‬ما‭ ‬يمارس‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬ضغوطات‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬يفرض‭ ‬المجتمع‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬إخفاءها‭ ‬وعدم‭ ‬البوح‭ ‬بها،‭ ‬بمعنى‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الرقص‭ ‬الجماعي‭ ‬يعد‭ ‬بمثابة‭ ‬بوح‭ ‬وتفريغ‭ ‬وتنفيس‭ ‬وترويح‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬فالرقص‭ ‬هنا‭ ‬يعادل‭ ‬الكلام‭ ‬والصراخ‭ ‬والتحدي‭ ‬ومواجهة‭ ‬العقبات‭ ‬والحدود‭ ‬التي‭ ‬تمنع‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬الاحتجاج‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الذات‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬الباحث‭ ‬الانثروبولوجي‭ ‬نورالدين‭ ‬الزاهي‭ ‬بقوله‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬ليس‭ ‬وصولا‭ ‬للذروة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬عنف‭ ‬على‭ ‬الجسد‭ ‬جراء‭ ‬الإثارة‭ ‬التي‭ ‬يحرص‭ ‬عيها‭. ‬والجميل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬أن‭ ‬حفلات‭ ‬المسوس‭ ‬هاته‭ ‬حفلات‭ ‬سلمية،‭ ‬لا‭ ‬تتسم‭ ‬بالعنف‭ ‬وبالمشاهد‭ ‬الدموية،‭ ‬ولا‭ ‬طابع‭ ‬ديني‭ ‬لها،‭  ‬فقط‭ ‬هي‭ ‬تراث‭ ‬لامادي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬التنوع‭  ‬والغنى‭ ‬الثقافيين‭ ‬بسوس‭ ‬والمغرب‭ ‬عموما،‭ ‬ما‭ ‬يقتضي‭ ‬دعمها‭ ‬والحفاظ‭ ‬عليها‭.‬

شكر‭ ‬خاص

للأستاذ‭ ‬عزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬والدكتور‭ ‬أبوبكر‭ ‬حركات‭ ‬والأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬رفيقي‭ ‬والباحث‭ ‬خالد‭ ‬البركاوي‭ ‬والصديق‭ ‬حسن‭ ‬أنفلوس‭ ‬والصديق‭ ‬محمد‭ ‬بوخنفر‭ ‬والأصدقاء‭ ‬في‭ ‬مجموعة‭ ‬إسمكان‭ ‬الدراركة‭ ‬وخاصة‭ ‬الأخوين‭ ‬عبدالكبير‭ ‬ورشيد‭ ‬فانا‭ ‬على‭ ‬سعة‭ ‬صدرهم‭ ‬وما‭ ‬قدموه‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬ودعم‭ ‬ومساعدة‭.‬