حسين الجاف.. كاتب مثابر.. بين باب الشيخ وشقاوات بغداد
حامد حسن الياسري
( استذكاراً لزمن الصّبا وعادات وتقاليد الحياة الاجتماعية في محلات بغداد )
في الخمسينيات من القرن الماضي ومن أهمية ارتباطه في ذلك المكان نشأ الكاتب والمترجم والشاعر حسين الجاف وهو يستذوق طعم ذكريات الماضي الذي تربى فيه وجد نفسه في خضم الحياة البغدادية البسيطة وعلاقات الناس في محلة باب الشيخ التي كانت تتشابك فيها العادات والتقاليد المحترمة بين الناس والمحلات المحيطة بها وكان هذا الشاب متفتحاً يحس بما حوله من شخصيات دينية واجتماعية مختلفة جلبت اهتمامه فشعر بذائقة ثقافية تجمعه مع المحلة وذكرياتها الممتعة مع النساء والرجال فتذكر من كان أبرز هذه الشخصيات التي يختلط فيها الواقع بالخيال فمر في حياته بمجتمع تتموضع فيه القصص والحكايات والنوادر والشقاوات واللصوص وغيرها من أشكال وعادات البشر في المجتمع المحلي وجاءت فكرته بأن يكتب هذه السيرة بشكل ( سيرة محلة ) ويسرد فيها ما رآه من ناس رجالاً ونساءً على شكل حكايات وقصص قصيرة عن شخصيات هذه المحلة وما يحدث فيها فأخذ يسجل ما يراه وما مرَّ به في شبابه من قصص تسجيلية اعتمدت الاسلوب اللغوي الفصيح المطعم باللهجة البغدادية القديمة والقريبة من العامية ونكهة الزمن البعيد التي تجاوزت المفردات وارتقت للتراكيب الجميلة وقد ذكر لنا الكاتب عدة حكايات عن شقاوات بغداد في محلة الفضل وباب الشيخ وغيرها بسرد جميل أقرب للحكاية منه الى القصة وهذه فكرة ناجحة تحسب للكاتب الذي فكر بإنجاز هذا الكتاب الذي تهنا في قراءة تفاصيله الممتعة والتي اخذتنا الى ذكرياتنا الخاصة في محلاتنا التي عشنا في بيوتاتها وتنقلنا في ازقتها مرة ومرات ومن محلات بغداد القديمة نذكر المحلات التالية ( محلة العيواضية – الثعالبة – بوب الشام – سبع ابكار – البتاوين – المهدية – جديد حسن باشا – العوينة – رأس القرية – النعيرية – الشماعية – العلوية – البوجمعة – الزوية – الفحامة – الصالحية – كرادة مريم – أم العظام – الحارثية – الرستمية – الجعيفر – الشواكة – علاوي الحلة – العطيفية – الطارمية – الوزيرية – الشالجية – الوشاش – الزعفرانية – الفضل – الميدان – الكولات – تحت التكية – باب الأغا – سوق الغزل – الدهانة – السفينة – رأس الحواش – الكريعات – الصليخ – راغبة خاتون – الكسرة – وغيرها من المحلات العديدة وهذه المحلات جاءت تسميتها من اشخاص يملكونها أو على تسميات الامراء والملوك الذين حكموا في الزمن الماضي ولكل محلة حدود وعادات وتقاليد مختلفة عن المحلة الاخرى وظلت هذه المحلات تتجدد على مر العصور والازمان بشخوصها وبنائها وهي ذاكرة تأريخية واجتماعية وبيئية تحمل سمات وأعرافا متباينة من محلة الى أخرى ان الكاتب حسين الجاف ترعرع بين احضان محلته ( باب الشيخ ) فتعلم من عاداتها وتقاليدها وكتب سيرته آنفة الذكر باسلوب قصصي وحكائي فذكر شخصياتها (القصــاب – الخالة أم لطيفة – الخالة مسعودة – بيت أبو الشناشيل – مسلم ابو الدوندرمة – الحاج قاسم رستم – مأساة أم خالد – معصومة المخبلة – حسون أبو دف – جبر ابو الحياية ) وغيرهم من الاماكن والمقاهي والشخصيات المرتبطة بالمحلة كقصة حدثت ولها شخوصها وتأثرها في نفس الكاتب مثلاً ( في منزل درويش ابو التمن – زواج الامير – كهوة جبوري – أمريكية في دربونتنا – المومس العمياء – في المدرسة الابتدائية ) وهكذا تناول كل هذه الاحداث والمتغيرات وقد استطاع الكاتب حسين الجاف ان يوصل لنا تأريخ محلته بكل تفاصيلها المكانية والزمانية وهذه الحالة تنطبق على مثيلاتها في محلات بغداد جميعاً ولكل محلة لها حكايات خاصة بناسها في المكان والزمان لكن الملفت ان حسين الجاف كغيره من الكتاب سجل أغلب ثيمات المحلة التي شاهدها في حياته ونقل تفاصيلها المرتبطة بذاكرته الزمانية والمكانية , ان هذه السيرة الجميلة اعادتنا الى ذكرياتنا التي تحمل الصدق والأمانة والعلاقة الانسانية ذات المعنى الخالي من العادات السيئة والافكار العقيمة التي لا تمت للإنسانية بصلة .
ان الكاتب في سيرة محلته هذه أجاد بنقل الاحداث والمعتقدات والمشاكل الاجتماعية بكامرة عقلية صــــــــــــــــورة كثيراً من المساحات والابنية والاحياء السكنية التي ظلت شاخصة في تأريخ ابناء هذه المحلة وكذلك بالنسبة لمحلات بغداد الاخـــرى.
تحية للكاتب الناجح والمثابر الذي لم ينس تأريخ وعادات محلته الجميلة في ذاكرة الامس واليوم .















