حسب: وَصَلتني قصيدتك الرائِعة وهي أجملُ هدية أتلقاها – سلام الشماع

نخلة الله بين سعيد والشيخ جعفر

حسب: وَصَلتني قصيدتك الرائِعة وهي أجملُ هدية أتلقاها – سلام الشماع

أثارت قصيدة جميلة كتبها الشاعر العراقي الكبير حميد سعيد بعنوان (نخلة الله) وأهداها إلى صديقه الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر شجون الأخير، الذي يرقد على سرير العافية فبعث برسالة نثرية إلى الأول يتجلى فيها حب الكبار لبعضهم، وبلغة عالية ومفردات تفيض جمالاً ورقة.

ونخلة الله الواقفة بين الشاعرين هي، في الأصل عنوان مجموعة شعرية للشاعر حسب الشيخ جعفر صدرت في العام 1969? وفيما يأتي نص قصيدة الشاعر سعيد:

 نخلة الله

حميد سعيد

           إلى حسب الشيخ جعفر

رافقتنا نخلةُ الله إلى حيثُ نَزلنا

وأقامت معنا حيثُ أقمنا

أتُراها.. تَستعيدُ الآنَ ما كانَ من الماضي..

وهلْ نبَّأها النهرُ بما حلَّ بنا..

عٌدنا إلى أوراقنا الأولى..

وما عادَ القصيدُ

اكتملَتْ رِحلَتُنا..

واعتزلتْ أيامُنا الأحلامَ..

أوقَدنا الشموعَ السودَ في ليلِ البلادِ

لبيوتِ المُدُنِ الأولى حكاياتٌ..

تَبادلْنا صداها

وكَتَبنا.. كلَّ ما عَلمنا الماءُ من الحكمَةِ..

في خاصرةِ الليلِ..

تَذكَّرنا معاً.. ما أطول الليلِ على العاشقِ..

هل أخفى سجاياهُ الدليلُ..

باحِثاً عنْ قَمَرٍ مُعتَكِفٍ في لغةٍ أخرى..

نُسَمِّيهِ..

على شُبّاكِها ظِلٌ ظَليلُ

.  .  .  .  .  .

.  .  .  .  .  .

تتراءى نخلةُ اللهِ لنا أمّاً..

تُنادينا..

فلا نَسمَعُها..

صِرنا بعيدينَ.. وصارَ الرُطَبُ العَذْبُ بعيداً

فافتَحي البابَ لها واعتذري عنّا..

فما نحنُ عقَقناها..

ولكِنَّ الذي كانَ.. افترى عاصِفَةً رعناءَ..

أنستنا الكلامْ

.  .  .  .  .  .

.  .  .  .  .  .

نتحرى المُعجَمَ الليليَّ

هلْ كُنّا تبادلنا سلالات الشذى..

يومَ كتبنا..

كلَّ ما علَّمنا الماءُ من الحِكمَةِ..

واخترنا أناشيدَ النخيلِ

كُنتَ تختارُ لنا الصمتَ أخاً..

يستقبِلُ الفجرَ وحيداً..

لَكَ..

ما أبقى زمانُ الوصلِ من أوهامهِ البيضِ

ولي..

منه انتظار الغائبينْ

بعد نشر القصيدة تلقى الشاعر حميد سعيد رسالة من نجل الشيخ جعفر، قال فيها:

السلام عليكم أستاذنا الكبير

معك محمد حسب الشيخ جعفر

بدايةً اعتذر لتواصلي، في هذا الوقت المتأخر، لكن وصلتني من الوالد رسالة أرادني أن ابعث بها إليك.

سأرسل، الآن، نص الرسالة وغداً عندما أكون معه سأتصل بك لكي يتسنى للوالد أن يتحدث معك. مع تقديري واحترامي

نص الرسالة:

أخي وصديقي العزيز حميد سعيد

.. أسألُ الله العَلي القَدير أن تكونوا (أنتَ والأهل الكِرام) في صحة جيدة، وفي ظلِّ ظليل من رعايته و لُطفهِ. وَصَلتني قصيدتك الرائِعة وأفرحتني كثيراً، بَل هي أجملُ هدية أتلقاها، مُنذُ زَمَنٍ بعيد.

كَم كان بودي أن يكونَ رَدي قصيدةَ مُماثلة غَيرَ أنّي انقَطَعتُ عن الكتابة الشعرية، مُنذُ عامين انقطاعاً تاماً لَم تَهجرني القصيدة ولم أهجرها، بَل هوَ إصرارٌ قديمٌ مني على أن ألوي العِنانَ مِن يَدي وأنا قابِضٌ جيداً عليهِ وفي الأوج من قُدرَتي وعطائي لم أكتُب غَيرَ قصيدة واحِدة في رِثاء صديقنا الراحل سعدي يوسف كتبتُها البارحة وَقَد أعلنَ عن انقطاعي هذا صديقي الشاعر (الناشر) مجاهد أبو الهيل على الغلاف الأخير من مجموعتي القِصَصية (آخِرُ امرأة على الأرض أو لِمَن تتخافق الأغربة) وهو إعلان أيضاً عن انقطاعي عن الكتابة الأدبية.

انتهى نص الرسالة.

وحسب الشيخ جعفر شاعر عراقي، ولد في العمارة سنة (1942)، وتخرّج في معهد غوركي للآداب في موسكو 1966 وحصل على ماجستير آداب، ثم عين رئيساً للقسم الثقافي في إذاعة بغداد 1970 – 1974،  ومحرراً في جريدة الثورة، وهو عضو في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. أسهم في الصحافة العراقية وحضر المؤتمرات الأدبية والشعرية في العراق ودول العربية والاتحاد السوفيتي. من دواوينه الشعرية نخلة الله والطائر الخشبي وزيارة السيدة السومرية وعبر الحائط في المرأة وفي مثل حنو الزوبعة. وله مؤلفات عدة يحكي فيها عن سيرته وترجم عن شعراء الروس. حصل تقديراً لأعماله الشعرية على جائزة السلام السوفيتية في سنه 1983 وجائزة مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية للشعر الدورة الثامنة: 2002 – 2003.

نبع ملهم

يقال أن ذكرياته في روسيا هي النبع الملهم لكل ما كتب، “حكايته الشخصية بدأت وانتهت هناك. أما شعره فقد كان شيئا مختلفا. كان ذلك الشعر مزيجاً من عصور مختلفة. كانت تقنيته تمزج بين الأزمنة المتباعدة كما لو أنها تقع في الوقت نفسه، كما أن المشاهد المتلاحقة لا تنتمي إلى مكان بعينه. في ذلك الشعر كان المعدان وهم سكان الأهوار العراقية يتلمسون طريقهم في أروقة قصور الإمبراطورية الروسية كما لو كانوا من بناتها. تخطى حسب في شعره عقدتي المكان والزمان فكان شعره شبيها بمحاولات فرجيينا وولف في الرواية. ألهمه التداعي الحر أن يكون ابن لحظة الكتابة. كان من الصعب تقليده لذلك كان نسيانه مطلوبا”.

(الزمان) تتمنى الشفاء العاجل للشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر وبالعمر المديد والصحة الدائمة للشاعر الكبير حميد سعيد.

مشاركة