حزب الله سقط في الفخ ـ إبراهيم أبو عواد

173

حزب الله سقط في الفخ ـ إبراهيم أبو عواد
يبدو أن مغامرة حزب الله في سوريا لن تتوقف في القصير، ولا يمكن اختزالها في بلدة هنا أو بلدة هناك. فالقضية السورية أكبر من الحزب بكثير، وليس هو بأكثر من لاعب صغير تحركه مصالح إقليمية أكبر منه. ولكن السؤال المحوري هل يدرك حزب الله أبعاد تدخله في سوريا؟
إن تتابع الأحداث يشير إلى أن حزب الله قد انساق وراء شعارات دينية أو سياسية بكل تهور، وها هو يكتفي بالنظر إلى الجزء البسيط الظاهر من جبل الجليد دون التفكير في الجزء الكبير المختفي تحت الماء. وقد تم استدراجه إلى المستنقع السوري، ووقع في الفخ الذي نصبته له أمريكا. فلا يمكن لحزب صغير أن يدخل في لعبة الأمم على الأرض السورية دون ضوء أخضر من الإدارة الأمريكية. فأمريكا التي سَمحت للرئيس العراقي الراحل صدام حسين بغزو الكويت لتجد مبرراً لإقحام نفسها في المنطقة، والسيطرة على مقدراتها، ها هي تعيد نفس السيناريو بشكل آخر. فهي سمحت لحزب الله بدخول سوريا والقتال إلى جانب النظام السوري لكي تقلب الطاولة عليهما معاً حزب الله والنظام السوري ، مرة واحدة وللأبد، مثلما سمحت إسرائيل لقوات النظام السوري بدخول المنطقة منزوعة السلاح لاستعادة حاجز القنيطرة. وإذا نظرنا إلى الموضوع بالتفصيل سنجد أن أمريكا تضرب عِدَّة عصافير بحجر واحد.
ففي البداية سَمحت لتنظيم القاعدة والجماعات المتطرفة بدخول سوريا عبر تركيا وغيرها. فمن مصلحة أمريكا تجميع كل الجماعات المعادية لأمريكا في سوريا، وذلك لحصرهم في مكان واحد. فبدلاً من تشتيت الجهود الأمريكية في ملاحقة التنظيمات المتطرفة القاعدة وأخواتها في أصقاع العالَم، وبعثرة الطائرات بدون طيار في كل جهات المعمورة، يمكن لأمريكا الآن أن تراقب جميع تصرفات الحركات المتطرفة في بقعة واحدة. وهذه الحركات التي تحارب النظامَ السوري أراحت أمريكا، كما أن النظام السوري الذي يحاربها أراح إسرائيل. ثم بعد ذلك يأتي دور حزب الله وسحبه إلى المصيدة السورية، وليصطدمْ بهذه الجماعات، ويتوغل في الدم السوري. فكلا الجانبين سيضعفان حتماً، وسوف تكون إسرائيل في قمة السعادة لأن هذا الحزب قد ابتعد عن حدودها، وغرق في المحافظات السورية، وهكذا يتم القضاء على شعبيته التي صنعها عبر مقاومته للاحتلال الإسرائيلي، وحصره في نطاق طائفي ضيِّق، كما يتم القضاء على جزء كبير من قوته وإمكانياته.
إن الدول الكبرى والإقليمية التي تغذي الحرب الدائرة في سوريا تنظر إلى المشهد السوري على أنه مباراة مصيرية ذهاباً وإياباً تعتمد على تسجيل الأهداف في مرمى الخصم، وسوف تنتهي مع صفارة الحكم. وكلُّ طرف يعتقد أنه سيخرج فائزاً، ويضحك في النهاية. وبالطبع فإن الشعب السوري والحضارة السورية تدفعان الثمن غالياً.
والخطأ الكارثي الذي ارتكبه حزب الله هو أنه ذهب إلى سوريا لكنه لم يفكر في كيفية العودة. فمن السهل أن تشعل ناراً عظيمة لكن الصعب هو كيفية إطفائها. وكلُّ حربٍ إنما تعتمد على حفظ خط الرجعة، وهذا ما لم يفكر فيه حزب الله. لذلك صار الحزب مكشوفاً بلا غطاء عسكري أو سياسي. وبالتالي صار من الطبيعي أن نسمع عن إطلاق صواريخ على الضاحية الجنوبية المربع الأمني لحزب الله ، أو قصف بعلبك التي تُعتبر أحد معاقل الحزب. وهذا يُنذر بنقل المعركة إلى لبنان، وهو ما نراه فعلاً في طرابلس وغيرها. وهناك قناعة لدى الجيش الحر أن ضرب حزب الله داخل لبنان هو السبيل الأمثل لجعل الحزب يتقوقع على ذاته، ويتراجع لحماية ظَهْره المكشوف. لذا فإن الأيام القادمة سوف تشهد توغل حزب الله في المشهد السوري، وتوغل الجيش الحر في المشهد اللبناني. وهذا يعني أن لبنان دخل في الحرب رسمياً. وسوف يختلط الحابل بالنابل، وتشتعل المنطقة برمتها كما هدَّد الرئيس السوري أكثر من مرة. وعندئذ تزداد فرصة التدخل العسكري الغربي في سوريا للحفاظ على المصالح الغربية في المنطقة، وعلى رأسها النفط.
وفي واقع الأمر إن انخراط حزب الله في الأزمة السورية هو أمر عبثي لا طائل من ورائه. فالجيش السوري الذي تزيد قواته البرية عن مئتي ألف يدعمهم طيران حربي لم يقدر على إخماد الثورة السورية منذ أكثر من عامين، كما أنه عاجز عن استعادة المناطق الشاسعة التي خسرها النظام. وبالتالي فلن يَقدر عدة آلاف مقاتل قادمون من لبنان والعراق لأسباب دينية أو سياسية على كسر شَوْكة المعارضة وإعادة الأرض إلى يد النظام، مهما كانوا متمرسين في حرب الشوارع. صحيحٌ أنهم قد يُسيطرون على بلدة أو أكثر، ولكن مساحة سوريا كبيرة جداً، سوف يَذوبون فيها، خصوصاً أنهم يُقاتِلون في مناطق غامضة بالنسبة إليهم لا يَعرفون تفاصيلها. ولا يمكن القياس على بلدة القصير، لأن القصير قريبة جداً من الحدود اللبنانية، ويسهل فيها تلقي الإمدادات من الداخل اللبناني. كما أن الحروب لا تُحسَم بالسيطرة على بلدة أو مدينة. فالجيش النازي الأسطوري في الحرب العالمية الثانية قد احتل فرنسا، ووصل إلى أبواب موسكو، ومع هذا خسر الحرب.
إن الأزمة السورية شديدة التعقيد سوف تستغرق سنوات طويلة ما لم تقرر أمريكا وروسيا إيجاد حل لها. وقد رأينا لبنان البلد الصغير الذي هو بحجم محافظة سورية دامت فيه الحرب 15 سنة 1975 ــ 1990 ، فما بالك بسوريا التي تُعتبر إمبراطورية مقارنةً مع حجم لبنان؟
AZP07