حزب الاستقلال.. انتصار الشرعية

200

حزب الاستقلال.. انتصار الشرعية
إدريس جنداري
راج، لوقت طويل، أن المغرب يشكل الاستثناء في العالم العربي، وأنه لم يتزحزح على إيقاع رياح الربيع العربي، نعيش اليوم تحولات سياسية، يقودها اعرق حزب سياسي ضمن المنظومة الحزبية المغربية، وهي تحولات يبدو أنها تخترق الجدران الصلبة للمنظومة الحزبية في المغرب.
وإذا كنا، في مقال سابق، قد ألمحنا إلى أن الصراع اليوم، في حزب الاستقلال، هو بين شرعيتين. من جهة، هنالك الشرعية التاريخية»العائلية، وهي التي وجهت بوصلة حزب الاستقلال، على الأقل خلال العقد الأخير، والتي كانت تقوم على أساس انتخاب الأمين العام للحزب باعتماد الإجماع. ومن جهة أخرى، هناك الشرعية الديمقراطية، التي بدأت تخترق الجدران الصلبة للحزب، وبالتأكيد فإن الظروف السياسية اليوم، على إيقاع الربيع العربي، ترجح كفة الشرعية الديمقراطية، لأن المناضلين الاستقلاليين، لا يرضون اليوم بتمثيل دور الكومبارس ضمن سيناريو محبوك الإخراج والتمثيل، ولكن يطمحون إلى تمثيل دور حقيقي، ضمن المسلسل السياسي للحزب.
لقد كانت فكرة التنافس على منصب الأمين العام لحزب الاستقلال، لعقود، من بين الطابوهات التي يتم مواجهتها بقوة، تارة بادعاء المحافظة على وحدة الحزب، وتارة أخرى بادعاء المحافظة على التراث الفكري والسياسي للزعيم المؤسس، وكأن الأستاذ علال الفاسي فرض اسمه ضمن التاريخ السياسي الحديث للمغرب، من منظور عائلي ضيق، وليس من منظور الاستماتة في النضال من أجل ترسيخ قيم التحرر والديمقراطية.
إن الأستاذ علال الفاسي، قبل أن يكون أبا آو صهرا، هو قبل هذا وذاك زعيم سياسي كبير ومفكر لامع، ولن ينال شرف الانتماء إلى إرثه الفكري والسياسي إلا من يؤمن بمبادئ النضال من أجل مغرب حر، مستقل وديمقراطي.
لقد تم، خلال عقود، الترويج في المغرب للزعامة الحزبية، باعتبارها إرثا ينتقل بين الأبناء والأقارب، وذلك ترسيخا لصورة الزعيم القبلي والشيخ الصوفي، الذي يمرر الزعامة باعتماد التسلسل العائلي، وكأن الأمر يرتبط بالجينات، وليس بالفعالية السياسية التي تعتبر المحدد الأساسي لشرعية القيادة، فتقديم الأفضل والأصلح من بين المشاريع، سواء في خدمة الوطن أو الحزب، هو المحدد الأساسي لانتقال الزعامة، وهذا ما يشجع على التداول السلمي على السلطة والزعامة، مما يجنب الأحزاب والمنظومة السياسية عامة، خطر الإصابة بتصلب الشرايين، ومن ثم السقوط في خطر القبض السياسي الذي يهيئ لحالة انفجار الأمعاء وتهديد الجسد الحزبي والدولتي ككل.
إن ما أثير، مؤخرا، من لغط حول انتخاب الأمين العام لحزب الاستقلال، وما راج حول الأخطار التي تحدق بالحزب، من حيث وحدته وإرثه النضالي والفكري، كل هذا لا يرتبط، في الحقيقة، بصلب الموضوع، بل هي هواجس موروثة لدى بعض النخبة الحزبية العائلية، التي لا تتصور أي حركية لحزب علال الفاسي خارج الهرم العائلي، الذي يعني توارث الرأسمال المادي والرمزي للحزب، ضدا على مبدأ الديمقراطية الحزبية، التي تقوم على أساس الشراكة في النضال وفي التمثيلية الانتخابية وتحمل المسؤوليات الحزبية، الأمر الذي يؤهل الأقدر والأصلح لتقلد مناصب القيادة والمسؤولية، بناء على نتائج صناديق الاقتراع ولا شيء غير ذلك.
الربيع العربي
عندما خرج المغاربة إلى الشارع، استجابة لنداء الربيع العربي، فإن أول شعار رفعوه كان ضد الشرعية التاريخية»العائلية، التي تحكمت في مفاصل السلطة والثروة في المغرب، منذ الاستقلال وإلى حدود اليوم، وكان من بين الطابوهات، أن يفكر أيا كان من الطبقة الشعبية، في تقلد مناصب القيادة والزعامة، حتى ولو كان له من الكفاءات الفكرية والكاريزما السياسية ما يؤهله لإنجاح مشاريع سياسية واقتصادية ضخمة.
ومن يعود إلى كتاب الأستاذ عبد الرحيم العطري صناعة النخبة في المغرب يعرف جيدا أن الوصول إلى قشدة المجتمع بتعبير الكاتب، يمر بالضرورة عبر النسب العائلي، الذي لا يخرج عن العائلات الفاسية والرباطية أو من ارتبط بها عبر الزواج. وإذا تمكنت هذه العائلات من السيطرة على مصادر الثروة عبر توافقات سياسية مخدومة مع المخزن، فإنها كذلك تمكنت من السيطرة على المنظومة الحزبية، عبر توجيه بوصلتها لخدمة مصالحها الفئوية الضيقة.
هكذا يمكن أن نستوعب جيدا، لماذا لم ينجح المغرب، منذ الخمسينيات وإلى اليوم، في بناء منظومة حزبية قادرة على مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من خلال استثمار الكفاءات التي يزخر بها بلدنا في مختلف المجالات الفكرية والعلمية. وذلك لأن تعطيل الآلة الديمقراطية، التي تسمح بتجديد النخب والتداول على القيادة الحزبية، هذا التعطيل هو الذي ساهم في إفقار الأحزاب السياسية من الداخل، ومن ثم تعطيل حركية الديمقراطية والتنمية، على مستوى الدولة ككل، لأن أحزابا عائلية تقوم على أساس المعيار العائلي والقبلي، لا يمكنها أن تجدد النخب، كما لا يمكنها أن تبدع المشاريع التنموية الناجحة.
اليوم، يدشن حزب الاستقلال لمرحلة جديدة، في الحياة الحزبية، في المغرب، بعدما نجح مناضلوه في تحقيق القطيعة مع الشرعية التاريخية»العائلية، ولا يمكن إلا نشجعه على استكمال الطريق، راجين أن تنتقل العدوى إلى جميع الأحزاب الوطنية، وذلك لأن أحزابا تؤمن بالمنهجية الديمقراطية وتمارسها، هي وحددها القادرة على التنزيل الديمقراطي للدستور الحالي، وهي كذلك وحدها المؤهلة للمطالبة بتعديلات دستورية، في علاقة بالطلب الشعبي المتزايد على الحرية والديمقراطية.
النضال الديمقراطي
إن منهجية النضال الديمقراطي، التي تم تبنيها بعد تشكيل الكتلة الديمقراطية، لن يكون لها اليوم، أي معنى في ظل سيادة ثقافة سياسية متآكلة، تقوم على أساس الإجماع والشرعية التاريخية والنسب العائلي، وهذا ما يهدد بانفجار الوضع السياسي القائم، لأن النضال الشعبي الذي أخذ شرعيته من أحداث الربيع العربي، لا يعترف بكل هذه المقومات، التي تحكمت في صناعة المشهد الحزبي في المغرب، طيلة عقود، وهو الآن يأخذ مكانه ضمن المشهد السياسي المغربي، وإذا نجح في القيام بوظيفة التعويض، فإنه سيكون، في الأجل القريب، البديل المحتمل، ونحن هنا لا ننطلق من فراغ، بل إن التجارب ما زالت طازجة أمامنا، في الكثير من دول الربيع العربي.
الأحداث الجارية
إن ما يطمح إليه، كل مؤمن بالنضال الديمقراطي، هو أن تكون منظومتنا الحزبية في مستوى الأحداث الجارية، وأن تنجح في تغذية الطلب الشعبي المتزايد على المنهجية الديمقراطية، وهذا يعني أن تفتح أبوابها لرياح التغيير، من خلال فتح المجال أمام جميع المغاربة، لتدشين مرحلة جديدة من النضال الديمقراطي المؤسساتي، وهذا ليس بغريب على شعب احترف النضال الديمقراطي لعقود، ووصلت أحزاب المعارضة إلى قمة مجدها، من دون أن تفكر يوما في قلب الطاولة.
وفي نفس الآن، فإن الدولة تتحمل مسؤولية تاريخية، في تشجيع الممارسة الديمقراطية داخل المنظومة الحزبية، وعليها أن تحترم إرادة المناضلين في اختيار من يمثلهم بشكل ديمقراطي شفاف، وذلك لن يتحقق إلا عبر القطع مع الممارسات المخزنية العتيقة، التي تنزل بالقيادات الحزبية، عبر المظلات من فوق، مع إلزامهم بتنفيذ أجندة قد تتعارض وإرادة المناضلين، وهذا ما أدى، في الأخير، إلى تغذية اليأس بين المناضلين، لأنهم على علم يقين، أن قيادتهم الحزبية لن تكون صنيعة صناديق الاقتراع، ولكن صناعة توافقات وإجماع.
كما أن النخبة الفكرية، اليوم، تتحمل مسؤولية تاريخية كذلك، في الدفاع عن مبادئ الديمقراطية الحزبية، سواء عبر التنظير أو عبر الممارسة، كما يجب على الجميع أن يتحلى بقيم الديمقراطية التي تقوم على أساس الاختلاف والتعدد. ولن يتحقق هذا الرهان إلا عبر نجاح مثقفينا في الخروج من نخبو يتهم المفرطة، التي تحتقر الممارسة الحزبية وتحط من قدر المناضلين، عبر الاحتكام إلى التكوين الأكاديمي، فالنضال السياسي لم يكن يوما شهادات جامعية كبرى، ولكنه ممارسة يومية، تقوم على أساس الإنصات لهموم الشعب، والاستجابة للمطالب الشعبية في حدودها الدنيا، على الأقل. وهذا النموذج هو الذي يؤطر الممارسة الحزبية عبر العالم.
إن التحديات الكبرى التي تواجهها بلادنا اليوم، على إيقاع الربيع العربي، تفرض على الجميع التحلي بقيم الديمقراطية والشفافية، وهذا هو الإمكان الوحيد المتوفر اليوم، كبديل للنضال الثوري المطروح على الساحة العربية بقوة، ونحن في المغرب لا نمثل الاستثناء البتة، بل يجب أن نكون حذرين، وأن نستثمر تراثنا الفكري والسياسي المشترك، لتشجيع النضال الديمقراطي السلمي، الذي يحتكم لسلطة المؤسسات كبديل لسلطة الشوارع والساحات. وهذا الخيار يفرض حضورا قويا للأحزاب السياسية، التي تعتبر وحدها القادرة على تأطير المواطنين وإشراكهم في صناعة القرار السياسي، وهي، بالضرورة، أحزاب تحتكم للشرعية الديمقراطية، وتناضل من أجل ترسيخها كخيار أوحد للدولة والمجتمع.
كاتب وباحث مغربي
AZP07

مشاركة