حروب أمريكا على الإرهاب والنهايات السائبة

في الذكرى 13 لهجوم 11 أيلول ضد نيويورك وواشنطن

 

 

حروب أمريكا على الإرهاب والنهايات السائبة

 

 

 

عماد علو

 

 

  منذ العام 2001 والولايات المتحدة الامريكية تشن حربا” اطلقت عليها أسم (الحرب على الارهاب) دمرت خلالها بلدين اسلاميين هما افغانستان والعراق وقتلت وشردت الملايين من المدنيين المسلمين في هذين البلدين وفي غيرهما ولاحقت العديد من قادة تنظيم القاعدة الذي اتهمته بتدمير برجي التجارة في نيويورك بتاريخ 11/9/2001، وقد اغتالت العديد من قادة تنظيم القاعدة  ابرزهم كان زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن الذي اغتيل اثر عملية كوماندوس مثيرة للجدل في مخبئه في الباكستان ، قالت الادارة الامريكية أنها جاءت في سياق الحرب على الارهاب .. الا أن السؤال الذي يطرح وبقوة اليوم في ظل تمدد تنظيم داعش الارهابي الذي ولد من رحم تنظيم القاعدة الارهابي ، هل نجحت الولايات المتحدة فعلا” ، في تحقيق النصر في حربها على الارهاب ؟ واذا كانت الحرب الاولى على الارهاب قد انتجت تنظيما” اكثر تطرفا” ودموية وهو تنظيم داعش الارهابي ، فماذا ستنتج الحرب الثانية على الارهاب التي تستعد ادارة باراك اوباما لشنها اليوم على تنظيم داعش وكل ما يرتبط به ؟ تساؤلات يصعب الاحاطة بإجاباتها في هذا المقام ، ولكننا سنحاول القاء الضوء على عدد من المؤشرات التي قد تمهد الطريق لتلمس طريق الاجابة الشافية …إثر استهداف الولايات المتّحدة الامريكية لتنظيم القاعدة ، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول / سبتمبر 2001، وما تمخّض عن ذلك من إعلانٍ عمّا سمّته الولايات المتّحدة الامريكية بالحرب على الإرهاب. جعل من أفغانستان ملاذا” غير آمن لتنظيم القاعدة لذلك حاولت القاعدة القيام بهجوم مقابل على ما سمي بالحرب على الارهاب  ، فدفعتْ بمقاتليها إلى البحث عن أماكن أخرى تصلح كمرتكزات استراتيجية لهجومها المقابل ، الامر الذي جعل أعوام ما بعد 2003 تشهد هجرةً لمقاتلي القاعدة باتّجاه العراق واليمن والسعودية والصومال وشمال افريقيا في ليبيا والجزائر وتونس ومصر والشام وباكستان. وقد نجحت القاعدة في العراق ، بقيادة الاردني (ابو مصعب الزرقاوي) في اقناع بعض العراقيين باحتضان مقاتليها ظنًّا منهم أنّهم يقاتلون الاحتلال الأميركي، وفي الوقت الذي أعلن  الزرقاوي ولائه لزعيم القاعدة اسامة بن لادن ، أعلن عن تأسيسه في العراق (امارة دولة العراق الاسلامية) . الا ان القاعدة سرعان ما اصطدمت بالعراقيين الذين احتضنوها  نتيجة تدخلها في قناعات النّاس الإيمانيّة المتسامحة، والاساليب المتطرفة التي اتبعها تنظيم القاعدة في التعامل مع تلك القناعات ، والتي حاولت زرع الفتنة الطائفية وتمزيق النسيج الاجتماعي العراقي وهي اهداف تتطابق مع اهداف الاحتلال الامريكي ايضا” !. في العام 2006، خرج الزرقاوي على الملاء في شريط مصور معلنا عن تشكيل “مجلس شورى المجاهدين” بزعامة عبدالله رشيد البغدادي. قتل الزرقاوي في الشهر نفسه من اعلانه، وعين ابو حمزة المهاجر زعيما للتنظيم في العراق. وفي نهاية ال2006 تم تشكيل تنظيم عسكري يختصر كل تلك التنظيمات ويجمع كل التشكيلات الأصولية المنتشرة على الأراضي العراقية، إضافة الى أنه يظهر أهدافها عبر إسمه… “الدولة الإسلامية في العراق” بزعامة أبو عمر البغدادي. الا أنه سرعان ما قتل بتاريخ 19 /4/ 2009 في منطقة الثرثار ، وبعد حوالي عشرة ايام  من مقتله انعقد مجلس شورى الدولة الإسلامية في العراق ليختار ابي بكر البغدادي خليفة لأبي عمر البغدادي، والذي يمثل اليوم (أمير تنظيم داعش الارهابي). الذي تمكن من توسيع مناطق سيطرة التنظيم في العراق وسوريا خصوصا” منذ مطلع العام 2014 حتى استولى في حزيران 2014 على الموصل وتكريت ومناطق عديدة اخرى بالإضافة الى قوس كبير في الشمال السوري، يبدأ من الحدود العراقية السورية ويمرّ في دير الزور والرقة التي باتت تسيطر عليها بشكل كامل، وصولاً إلى طرابلس ومنبج والباب وإعزاز شمال حلب، إضافةً إلى شمالي إدلب قرب الحدود التركية، وتسعى دائماً للتوسع في نفوذها عبر قضم مستمر للمناطق المحيطة بالأراضي التي تسيطر عليها، وعبر وسائل مختلفة تعتمد الاهاب والعنف الدموي من خلال محاكم شرعية، إعدامات ميدانية، علاقات مع إستخبارات أجنبية و عربيةـ تجنيد أطفال في صفوف هذه المنظمة وفي سجونها ؟.أن “داعش” يغذيها الحقد والخوف الذي ولدته مشاهد وصور المسلمين ممزقة الأوصال والأشلاء ومشاهد النساء اللاتي يعانين من آثار الأسلحة الامريكية والدمار الشامل الذي احدثته الحروب الامريكية ضد الارهاب منذ 2001 والشباب الساخطين من جميع أنحاء العالم الذين يلمسون تعامل الغرب بالمعايير المزدوجة مع قضايا العرب في الشرق الاوسط وسياساته الغير عادلة تحت حجة الاسلامفوبيا ..وفي مطلع كانون الثاني  2009 ، أُعلِن عن اندماج تنظيميْ القاعدة في اليمن والمملكة العربيّة السّعودية، وعن تأسيس ما سُمِّي بقاعدة الجهاد في جزيرة العرب، بقيادة اليمني ناصر عبد الكريم الوحيشي . وقامت بالهجوم على المدمِّرة الامريكية كول (USS Cole)، والهجوم على السّفارة الامريكية في صنعاء في أيلول / سبتمبر 2008. كما نجحت القاعدة في  اختراق أمن العائلة المالكة السّعودية، والقيام بمحاولة اغتيال المسؤول عن الملفّ الأمني ضد القاعدة الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز . بالإضافة الى كشف محاولة ، الشابّ النّيجيري عمر فاروق عبد المطلب ، الذي حاول تفجير طائرةٍ متوجّهةٍ للولايات المتّحدة كان استقلّها من أمستردام ليلة عيد الميلاد (25 كانون الأوّل / ديسمبر 2009)، وذلك عبر عمليّةٍ نظّمها تنظيم القاعدة في اليمن؛ والتي كانت مؤشّرًا خطيرًا في تطوّر الوسائل والأساليب التي تتبعها القاعدة لتنفيذ عملياتها.  أما في الصومال فقد نشأ فيه نمطٌ فريدٌ من نوعه اطلق عليه حركة الشّباب المجاهدين وحققت انتصارات عسكرية عديدة استدعت تدخل قوات افريقية لتحرير العاصمة مقاديشو من قبضة القاعدة . ومما يلفت النظر ويثير الاهتمام هو انتقاء القيادة العالمية لتنظيم القاعدة مناطق بؤرية ذات أهمية استراتيجية وحيوية للمنطقة والعالم الغربي خاصة  تشكل تهديدًا خطيرًا لأمن القوى الدّوليّة العدوّة للقاعدة. فمضيق باب المندب، وخليج عدن، وحركة القرصنة القائمة فيه وفي الصومال، والقرب من خطوط الملاحة الدولية، ومجاورة منطقة الخليج العربي واحتياطاتها النّفطية والماليّة الهائلة؛ هي كلّها مواقع وممرات مائية ستراتيجية وذات أهمية حيوية .  وقد اتاح ما سمي بالربيع العربي بيئة ملائمة لنشاط التنظيمات الاسلامية السياسية ومن ضمنها تنظيم القاعدة حيث نشطت خلاياها النائمة في العديد من الدول التي شهدت اضطرابات ومظاهرات وثورات ضد الانظمة الشمولية والدكتاتورية في المنطقة . كما بدأت من جديد  فلولٌ القاعدة في إعادة تنظيم نفسها في العراق، ونشطت بشكل ملحوظ  خلاياها نائمة في بلاد الشام. وهذه دالة ومؤشرات مهمة على اتجاه القاعدة لتصعيد نشاطها وضغطها باتّجاه البحر الأحمر وما يحاذيه والبحر الأبيض المتوسّط ، لاستهداف مصالح الغرب والولايات المتّحدة الأميركيّة في الشّرق الإسلامي . وتنظر الولايات المتّحدة الأميركيّة بقلقٍ بالغٍ إلى احتمال تهديد امتداد القاعدة من اليمن إلى السعودية والأردن وسوريا لأمن “إسرائيل”، وما يعنيه هذا التّهديد من عبءٍ إضافيٍّ يُضاف إلى الأعباء التي لديها، ومن اقتراب التنظيم في هذه الحالة من تشكيل الحاصرة الجيوستراتيجية التي سبقت الإشارة إليها من الصومال إلى طوروس، وتزايد قوّة زخمها. أما في شمال أفريقيا فتنظيم القاعدة برز بشكل كبير اثر سقوط نظام القذافي في ليبيا حيث لعب مقاتلي القاعدة دورا” كبيرا” وبارزا” وما زالوا فيما جرى ويجري اليوم في ليبيا وقد وجهت اصابع الاتهام الى مقاتلي القاعدة في قضية مهاجمة السفارة الامريكية في بنغازي مؤخرا” . كما قامت تنظيمات القاعدة المتطرفة بمهاجمة مراكز اعلامية واضرحة مقدسة في تونس . وفي الجزائر قامت القاعدة بالعديد من العمليات الانتحارية والتفجيرات التي استهدفت مقرات ودوائر حكومية وأمنية . الا أن الملفت للنظر هو استيلاء القاعدة على شمال جمهورية مالي وعلى مدينة تمبوكتو التاريخية الشهيرة ذات الموقع الستراتيجي جنوب الصحراء الافريقية وشروعها بهدم العديد من الاضرحة والمواقع الاسلامية التاريخية في تلك البلاد الافريقية .  وتشير تقارير عديدة  اليوم على أن قدرة تنظيم داعش ومثيلاته من التنظيمات الارهابية على التمدّد الأفقي يعزى الى الاسباب الاتية:

 

1.         توظيف العامل القبلي الذي رفد القاعدة بالمزيد من الأنصار، و طالبي الاستشهاد ، وهو ما وسّع من ترسانة التسلّح لدى تنظيم داعش.

 

2.         الاستفادة من المواطنين والجنود الأميركيّين السّابقين والفارّين والمتحوّلين إلى الإسلام، ومن المحكومين بجرائمَ جنائيّة في تنفيذ أهداف التّنظيم وغاياته.. بحسب تقريرٍ رُفع إلى لجنة العلاقات الخارجيّة في مجلس الشّيوخ الامريكي بتاريخ 21 كانون الثاني / يناير 2010؛حول تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب (AQAP) .

 

3.         تطوّر ستراتيجيات تنظيم داعش وتكتيكها، واستفادتها من كلّ ما تتيحه الحرب اللّامتناظرة (Asymmetric Warfare) ـ التي تتقنها القاعدة وتنظيم داعش اليوم- من تهديدٍ لمصالح وأمن الولايات المتّحدة.

 

4.         الانحياز الامريكي الى الجانب الصهيوني في قضية فلسطين وسياساتها المعادية للعرب والمسلمين ، مما زاد من حدة الكراهية للأمريكان بين شعوب المنطقة .

 

5.         الاوضاع الاقتصادية المتردية وزيادة نسبة البطالة بين شباب البلدان العربية والاسلامية كان له الاثر الواضح في زيادة حدة الغضب والشعور بالظلم ، الذي دفع العديد منهم الى احضان القاعدة.

 

6.         الحقد والخوف الذي ولدته مشاهد وصور المسلمين ممزقة الأوصال والأشلاء ومشاهد النساء اللاتي يعانين من آثار الأسلحة الامريكية والدمار الشامل الذي احدثته الحروب الامريكية ضد الارهاب منذ 2001 والشباب الساخطين من جميع أنحاء العالم الذين يلمسون تعامل الغرب بالمعايير المزدوجة مع قضايا العرب في الشرق الاوسط وسياساته الغير عادلة تحت حجة الاسلامفوبيا ..

 

ختاما” يمكننا القول بأنه على الرغم من مرور ما يقارب الثلاثة عشر عاما” على الضّربة المُوجِعة التي تلقتها الولايات المتحدة الامريكية  نتيجة تفجير برجيْ التّجارة العالميّة وتدميرهما في 11 سبتمبر 2001. والتي على اثرها أعلنت إدارة بوش عمّا دعته بـ “الحرب ضدّ الإرهاب”. وتمخّض عنها احتلال أفغانستان ثمّ العراق. الا أن  الحرب على الارهاب ، لم تضع حدًّا للقاعدة او تنظيم داعش ، ولا لامتداداتها الدولية والإقليميّة ، وما زالت الولايات المتّحدة الأميركيّة تشعر بانها مهددة من قبل  تنظيم القاعدة وتنظيم داعش الارهابي ؛ الامر الذي يدحض أي ادعاء أمريكي بإمكانية تحقيق نصر حاسم  أو  واضح أو ملموس في حربها الجديدة او الثانية المزعومة على الارهاب .والسؤال الذي يطرح اليوم هل ستكون الحرب الجديدة على الإرهاب ذات نهاية سائبة كما هي مثيلتها الاولى ؟ ..