حرب المياه… رؤية في الصراع العربي الإيراني

حرب المياه… رؤية في الصراع العربي الإيراني

عبد السلام سبع الطائي

إنكم تظنون أننا خضنا حرباً من أجل النفط فلتنتظروا إلى أن يبدأ الصراع حول المياه

جيسيكا ماثيوز

يتوالى صدور تقارير عن كبريات المؤسسات والمنظمات الدولية التي تهتم بالبحث والتدقيق في ملف المياه، ذلك العنصر الذي يشهد أزمة حقيقية في عالمنا المعاصر. وتعمد الصحف واحدة تلو أخرى إلى نشر مصطلح جديد (حرب المياه العالمية)، التي تُرشّح على ما يبدو منطقة الشرق الأوسط، مرة أخرى، لتكون عاصمتها. ويبدو ان ملامح العصر القادم هو عصر حروب المياه، علاوة على التهديدات التي تواجه التنوع البيولوجي والبنية التحتية، وآثار تغير المناخ العديدة هو الجفاف الشديد والنقص الكبير في المياه. وهذا بدوره ينطوي على إمكانية اندلاع صراعات مائية تتحارب فيها الدول ومجموعات المليشيات من أجل الوصول إلى الموارد المائية.

البحرية في بحر الصين والاحساس بـ (دوار البحر)!

التقارير بشأن البحر الاحمر والابيض ومياه اسيا الدولية، تعيد بنا الذاكرة الىْ عصر (الفايكنك) للحرب التجارية، فقد اكدت تلك التقارير بان (النقاط الساخنة) المحتملة والمرشحة للنزاعات المسلحة بين الدول الشاطئية هي: الصين وفيتنام وتايوان واليابان وماليزيا وبروناي والفلبين، ولعل مواصلة الصين زيادة وجودها العسكري في بحر الصين الجنوبي، وضع الولايات المتحدة والمنطقة هناك في حالة تأهب. ومما يعزز ذلك، قيام الولايات المتحدة بعمليات عسكرية بحرية وجوية في بحر الصين الجنوبي قبل انعقاد مؤتمر رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) وارسالها للمدمرات الامريكية الصاروخية في سبتمر 2018. بينما الصين من طرفها اعتبرت تلك التصرفات، عمليات استفزازية لمياهها الاقليمية.ثم قيام (بينس) نائب الرئيس الامريكي لترامب في 2018 /10/4 بوصف الصين ب (الخصم الاستراتيجي) بسبب تواجدها ومنافستها لأمريكا في التجارة البحرية، معتبرا تواجدها هناك تدخلا بالشأن السياسي والاقتصادي لأمريكا.  لقد نجم عن تلك الاستراتيجية البحرية الامريكية ببحر الصين، تغيرا في استراتيجية، الصين واليابان في منتدى شرق اسيا لمجابهة الخطر العسكري الامريكي للتجارة ببحر الصين، لذلك فان (مركز الامن البحري الدولي للتقييمات الاستراتيجية الصينية) من جانبه، قد أعد الميزانية الخاصة بتطوير القدرات القتالية البحرية للصين، لمواجهة الخطر البحري الامريكي في بحر الصين. كما ادى ذلك، الى اهتمام متزايد من قبل الدول المتشاطئة لتطوير قدرات (خفر السواحل) في شرق اسيا لمواجهة حالات الطوارئ والكوارث البيئية للعمليات العسكرية القادمة. وبناء عليه، تعد هذه الادلة والبراهين وغيرها بمثابة استحضارات دولية ميدانية اولية لحروب المياه العالمية في خضم شهور وسني المستقبل القريب. وما لها من تداعيات خليجية/ شرق اوسطية على بحارها وانهارها وخارطتها الجيوبولتيكية بعيد او قريب 2025  وهذا يعني بأمس الحاجة لإعادة النظر بحقيقة وجدية تلك التهديدات للأمن القومي العربي في الصراع العربي / الخليجي / الايراني/ التركي .

البحر الاحمر وبحر العرب ~الصداع الايراني

عربيا، فأن إسرائيل قامت بتنفيذ مخططات بروتوكولات (هرتزل) 1885 و(بن غوريون) منذ1947 في الاستراتيجية العسكرية الجيوبولتيكية، وتأكيد قادة صهيون ذلك عام 1955 بعد احتلال فلسطين بالقول (ان معركتنا مع العرب من أجل المياه) نجم عنها، اندلاع الحرب العربية الإسرائيلية 1967.جراء غلق مضيق تيران. التي مهدت السبيل الى تحكم اسرائيل اليوم بنهر الاردن واليرموك والليطاني والحاصباني والوزاني والبحر الاحمر، حتى اصبحت اسرائيل تهدد السعودية ودول البحر الاحمر بشأن ميناء (ايلات)، وتتدخل في جزيرتي (تيران وصنافير) قبالة (قناة بن غوريون)، منذرة تلك الهيمنة الاسرائيلية بحرب قادمة على منطقة الذهب الازرق. بينما حاولت إيران تنفيذ مخططاتها من خلال:

حرب الميــــــاه العراقية الإيرانية

– خطة (عرب كش) التي طرحها (رفسنجاني) خلال الحرب العراقية والحرب الاهلية اللبنانية 1982لطرد العرب من الاحواز واجتثاثهم لشيعة وسنة الدول العربية.

– طرح الدكتور (لاريجاني) نظرية (ام القرى) لاستبدالها ب (قم القرى) بغية انتزاع قدسية مكة المكرمة، وتحويلها الى منطقة حرة للسياحة الدينية لغرض الاقتراب من البحر الأحمر عام 1987  ويؤكد أصحاب الاختصاص بان وراء عمليات تلويث وحبس الانهار واغراق المدن في العراق دوافع امنية، كي تشكل خطا دفاعيا يعرقل أي تحركات عسكرية ميدانية معادية لإيران تنفذها القوات الأمريكية انطلاقا من جنوب العراق ذات الغالبية العربية الشيعية في العراق والخليج، لتضع الشيعة العرب امام خيارين قاتلين لا ثالث لهم، اولهما، كي يبقى الشيعة العرب وقودا ودروعا بشرية لمشروع إيران القومي الفارسي، وثايهما، باستخدام المذهب والطائفية، قاعدة للقفازات المذهبية لصالحها. اما دوليا فأن التقارير الدولية اكدت بان (النقاط الساخنة) المحتملة والمرشحة للنزاعات المسلحة بين الدول الشاطئية هي: الصين وفيتنام وتايوان واليابان وتايوان ايضا، حيث تعد هذه الادلة والبراهين بمثابة ذخيرة حية واستحضارات ميدانية اولية لحروب المياه العالمية في المستقبل القريب.

غاب السند –العراق-فتهاوى السد الخليجي

وبشكل عام يمكن القول ان المشهد العربي بعد مرور 100 عام على وثيقة كامبل بانرمان 1907 وانتهاء الحقب الزمنية المئوية الخمسة ، مازال وسيبقى على ما يبدو تراجيديا، سيما  بعد ان فقد العرب سلطة المرجعية القومية، نتيجة لفقدان العراق ومصر لدورهما التاريخي، وعدم قدرة أي قوة عربية أخرى على ملئ فراغ العراق السياسي، اخر معاقل المرجعية القومية والعمق الاستراتيجي لدول الخليج والمشرق العربي، الذي انتصر على المرجعية الخمينية الايرانية المذهبية بعد قتال مرير ما بين المرجعية القومية العربية والمرجعية الخمينية للدين الايراني. ومن المفيد ان نذكر، باستراتيجية (بريجنسكي) مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق قبيل الحرب العراقية -الايرانية في الثمانينات (إذا اردت ان تحارب القومية-العراق-فعليك بالدين-الخميني-وإذا اردت ان تحارب الدين عليك بالطائفية) وهذا ما حصل في الحقبة الاولى من الصراع القومي الديني 1980-1988 بين العراق وإيران، وفي الحقبة الثانية التي بدات بعد احتلال معقل المرجعية القومية، العراق الذي كان سندا للسد العربي، وحينما غاب السند بدء السد العربي يتأكل ذاتيا وبينيا مما دفع ايران للاسترجال بدول المنطقة مشعلة الصراع الطائفي، لتفكيك الدين الاسلامي الحنيف وشريعته السمحاء في العراق وسوريا واليمن ولبنان.

غابت المرجعية القومية فحضرت الخارطة الايرانية

كي لا يقال، عن امة اقرأ لا تقرأ، وجب علينا الاشارة الى محاضر مدخلات ومخرجات وثائق واتفاقيات المؤتمرات الدولية حسب تسلسلها الزمني، لان التاريخ سلسلة متصلة الحلقات تتلاحق فيه النتائج بالمقدمات، هذا يدعونا لتحليل وتعليل التداعيات المرتقبة لنتائج انتهاء تلك المواثيق المئوية الجيوبولتيكية على الخارطة العربية القادمة مثل:

– وثيقة كامبل السرية 1907

– وعد بلفور 1916

– سايكس بيكو 2016

– قرب انتهاء 100 عام على الخلافة السعودية في 2021 وبداية المملكة السلمانية.

– مرور 100 عام على معاهدة سيفر 2023 وتداعياتها على الموصل وكركوك وسوريا واليونان.

ان تسليط الضوء على تلك الاحداث غرضه استقراء ما سيحدث قبيل او بعيد عام 2025 نظرا لما لهذا التاريخ من اهمية قصوى لكل ذي بصر وبصيرة سياسية، بغية تجنب تكرار خديعة العرب الكبرى ثانية، بسلاح المياه القادم والهادف الى مبادلة المياه بالنفط ثم مبادلة المياه بالسلام.  لقد اعتبر مؤتمر كامبل ومنذ 1907 البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي) ملتقى طرق العالم، وبعد ان تمت السيطرة عليه، تم تسليط الضوء الان للانتقال الى مسرح العمليات الجديدة في البحر الاحمر وبحر العرب وخليج عدن، كل ذلك حصل، نتيجة لغياب المرجعية القومية فهيمنت المرجعية الخمينية الإسرائيلية.

الانفراد بالدول العربية الواحدة تلو الاخرى

كان من مخرجات مدخلات استراتيجية بريجنسكي وكسنجر، هو الانفراد بالدول العربية الواحدة تلو الاخرى من سوريا الى دول الخليج العربي وزجها بمعضلات وحروب بينية لا تتضح معالمها الا بإعادة ترسيم الخارطة الجيوبوليتيكية المرتقبة خلال الربع الاول من القرن الواحد والعشرين. سيما بعد ان أصبح الامن الخليجي بعد حقبة الحرب الباردة يشكل محورا استراتيجيا لروسيا وامريكا والصين، وان ما يدور في اليمن من حروب هو ذات بعد استراتيجي لإسرائيل، كون البحر الاحمر طريق التجارة بين أوروبا ودول آسيا، وعلى رأسها الصين واليابان والهند. لذلك فأن الازمات البينية الخليجية متوقع لها ان تطال الخليج وخارجه، يرجح فيها ديمومة البقاء فيها لدول البحر الاحمر وزوال او اندماج دول خليجية مع اخرى وفق استراتيجية (شد الاطراف ثم بترها).

وقد حددت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية المناطق المرشحة لاندلاع المواجهة المحتملة بحجة المياه، من بينها: مجموعة حوض النيل والبحر الاحمر لمصر وافريقيا ودول الخليج العربي والفرات لتشمل تلك المواجهة، تركيا وسوريا والعراق، حول نهري الفرات ودجلة من جهة إيران، ونهر بردى ثم الأردن وسوريا ولبنان من جهة وإسرائيل، وهي الدول التي تشترك بأنهار الأردن واليرموك والليطاني والحاصباني والوزاني. كما ان خرائط الأقمار الصناعيةNASA اكدت منذ 2003 مدى خسارة تركيا وسوريا والعراق وإيران من المياه تعادل كمية المياه الموجودة في البحر الميت، ولذلك فان اسرائيل وايران من جانبيهما، شرعا بتهيئة الاستحضارات الاولية الاستباقية، الوقائية والعلاجية  لحروب المياه القادمة من خلال عملية التخادم العماني الاسرائيلي الايراني بعد زيارة نتنياهو 2018 لمواجهة التحالف العربي بقيادة السعودية لتحقيق مارب نظرية ام القرى ، لاستلاب الروح  القدسية لمكة المكرمة والصاقها  بـ (قم القرى) للتحكم بها وتحويلها الى منطقة حرة للسياحة الدينية لنشر المخدرات والجنس الابيض كما يجري بكربلاء والنجف. ولولا استغلال إيران ضعف العراق لما استطاعت تهديد دول الخليج العربي وقطع المياه عن العراق. ونتيجة لسيكولوجية الحقد والكراهية لإسرائيل وإيران ضد العرب، أصبح من الاستحالة التعايش والتفاهم معهما، فجعلت من إيران ايضا حالة شاذة داخليا وخارجيا، كما اصبحت حالة شاذة لدى الشعب الايراني، وبالأخص سوء علاقاته مع الاغلبية السكانية للشعوب غير الفارسية، وأصبح النظام الايراني شاذا عربيا واسلاميا، شيعيا/ سنيا-وكذا الحال دوليا، سيما مع شعوب دول مياه البحر لابيض بسبب تصرفات حزب الله اللبناني على البحر الابيض وبسبب عملائه الحوثين على البحر الاحمر.  ان لسايكوباثية التغطرس العاجز، وسيكولوجية الحقد والكراهية والانتقام لنظام الولاية، كما ان حالة التناقض ما بين الايديولوجيا وسيكولوجية السلوك السياسي لنظام بغداد/طهران جعلتهما اليوم، لا يمتلكان عنصر توازن داخلي ولا تعايش خارجي، فلا بد تغير جيوبولتيكي مرتقب.

إيران وخراب البصرة

من الدراسات الاستباقية لسلاح المياه كمصطلح جديد في الحروب القادمة من اجل تغير الغلاف السكاني، بواسطة، الحرب المائية، البترو/بيولوجية القادمة والمستهدفة لاهم مدن السلة الغذائية للثروة البشرية والحيوانية في البصرة، نظرا لكون البصرة مناطق للذهب الازرق لمياه نهري دجلة والفرات، والذهب الاخضر، النخيل، والذهب الاسود، النفط. لذلك ينبغي الاخذ بنظر الاعتبار التغيرات المناخية الطبيعية والمصطنعة لأغراض عسكرية كي لا تدثر مدنا عربية اخرى كالبصرة، كما حصل بغرق جزيرة (كليوباترا) في الاسكندرية بمصر وغيرها، وذلك يتطلب ما يلي:                – على إيران واسرائيل، احترام المبادئ العامة للقانون الدولي للبحار والاحواض المشتركة، وبموجب قواعد منظمة الأمم المتحدة واتفاقية لعام 1997 القاضية بمنع توجيه المياه المالحة باتجاه حدودنا.

– عدم السماح لإيران باستصلاح مزارعها الحدودية على حساب تخريب الأراضي العراقية المقابلة لها وضرورة مقاضاتها امام المحاكم الجنائية الدولية. – معالجة حبس المياه عن نهر شط العرب ووقف إيران تصريف النفايات إليه من أراضــــــــيها بمحافظة البصرة وبقية المدن الشـــــــيعية الجنوبية.

– وجوب احترام الحكومة العراقية لدستورها بحماية البيئة من التلوث لضمان عيش المواطن في ظروف بيئية صحية وحسبما ورد في المادتين (15)  والمادة (33) من احكام الدستور العراقي.

– على الحكومة العراقية الإسراع بعقد الاتفاقيات مع إيران وتركيا والكويت تحت اشراف الامم المتحدة وبموجب احكام اتفاقية القانون الدولي للبحار والمحيطات والانهار .

مشاركة