حربيات مشتاق عبدالهادي

552

حربيات مشتاق عبدالهادي
مسار الأزمنة يشير إلي المحذوف

قراءة: محمد الأحمد
غالبا ما يُذكي النصُّ الذكيُّ اوجاعاً بالغة الوقع حينما يحقق كـ «نص ادبي» هويته التدوينية الشاهدة علي عصرها النازف في زمن الصراعات والمطاحن والحروب الإقليمية. فالنص الشاخص يشبة علامة بارزة تكشف وجه عصرها، وأزماته لتخترق بتحدّ كلّ رغبات الرقيب، ومقصاته الدامغة. وتكون بثقافة سمتها العمق المعرفي، ومساحتها الزمن «التاريخاني» كما ذهب جورج لوكاتش، فالكاتب مشتاق عبد الهادي
في مجموعة نصوصه الموسومة بـ “حربيات” الصادرة عن دار الينابيع 2011م» هو
مسار الأزمنة وخطها الذي يشير الي كل ما هو محذوف بدلالة الشاهد علي الغائب والغائب بأثره المحفور، المستنتج، المعلوم. كما يُجزم «دولوز» أن الإشارات تُفضي إلي التعلُّم، ليس إبداعياً فقط، إنما حياتياً أيضاً: «لا يصبح المرء نجّاراً، إلاّ إذا كان حسّاساً
حيال إشارات الخشب، أو طبيباً، حيال إشارات المرض. فالموهبة هي استعداد أولي
إزاء الإشارات»، فالكتابة هي بوح لا يتأخر، يعطي الصورة الحقة ليأخذ موقعه في مسيرة موقف من الحياة والمجتمع، يدوّن الصورة ليكشف ما علي الانسان من استلاب فيكون احتجاجاً صارخاً.. ذلك النص الشفيف الذي استدرج ذاته في لحظة كتبت وهي تنزف ألماً، وتبوح بما لم تبحه النصوص العراقية، كمن يرمي حجراً في الماء ليحركه- لتبدو- تقرّب فهم النص الذي ينطوي علي علاقة جدلية بين النص في مجمله من ناحية، وقارئه باعتبار هذا النص لحظة تاريخية وسياقة اجتماعية مغايرة. «انهارت في لحظة جميع النظريات التي تؤكد عدم جدوي السلاح، فها هو قد تحصن من الجوع لساعات بعد ان قايض البندقية برغيف خبز يابس- ص7» لقد غيبت النصوص سردها القصصي، ونفت صورها الموصوفة بشعرية مختزلة، شفافة، اذ صارت الاشارة فيها تكمل ما اراد الكاتب ان يسرده كقصص قصيرة جداً، جاءت في اغلب العتبات كرسائل قصيرة «مُبرقةٌ »..حيث احتوي الكتاب علي فهرس متكون من ثلاث عشر مجموعة انضوت كل واحدة منها علي نصوص قصيرة عدة [1]. صارت شخوصا، وصارت
مفارقات، كجنس حديث اقتضته ضرورة العصر، من سرعة واختزال. نصٌ اراد الرميّ، فأصاب.. نصٌ ادبي اختلف المختص حول تسميته، بعضهم قربه من مصطلح القصة القصيرة جدا «اقترب من الصورة»، والبعض الاخر ابعده الي قصيدة النثر «ابتعد عن السرد». وغالبا ما يحتاج الي منهج نقدي يركز علي تفسير النص بشكل
عام وربطه بزمن كتابته، وأيضا محاولاً فك العقد المتشابكة حول طبيعة النص «كجنس
ادبي» وعلاقتها بالكاتب وعلاقة بالموروث، والأسطورة، والوجود «اخر الفتاوي تلقاها تؤكد ان النقاء رجسّ يجرك لبساتين السماحة البغيضة، لذلك فجر صحون الحليب- ص 49» بالإضافة الي علاقات النص بطبيعة كاتبها النفسية، لاجل ان يركز علي علاقة المفسر بالنصّ في استقلال عن قصدية المرسل. كون الذات الساردة بعدت عن العنصر الاساس الذي يجعلها ساردة صورة متكاملة، فالعلاقة متكونة من الدال والمدلول، والتركيب يعني علاقة الكلمات ببعضها، والتبادل يعني التشابه والاختلاف بين شيئين.. كلّ يستنتج الشفرة وهي التي تحدد الدالة الأدبية.. «يستبدل فواكه بستانه الطرية بفواكه المومسات التالفة لا لشيء إلا لأنه كان مولع بمقايضات المختلفين- ص81». فوظيفة التحديد المفرط تتوخي الوضوح، كوظيفة التحديد الاقل تتوخي الغموض.. فذا كان منهج «هيجل» في مثاليته وموضوعيته تناقش كون الفكرة هي الروح وهي ذاتها جوهر العالم، وعلي ان الواقع بظواهره ونشاطاته واشيائه تجسيد لهذا الجوهر وتعبير عنه.. اي ان الوعي سابق علي الوجود والواقع تجسيد للفكر ومظهر له، فان اغلب نصوص الأرض قاطبة، تتخذ المنهج الموضوعي القائم علي جدل «اساس العالم يخضع في
تطوره لحركة جدلية لصراع داخلي يدفعه الي الحركة والتغيير بالانتقال الي نقيضه»،
فالنصوص التي حملها كتاب «حربيات».. هي نصوص استثنائية لها كيان بشكل اعتراض واحتجاج ورفض.. اعتراض في طرح المضمون واحتجاج علي الاستلاب ورفض للشكل السردي، فاغلبها نصوص جاءت مشحونة بلغة تشير الي انها تحتاج الي قارئ متفاعل بزمن، وثقافتة كاتبها.. حيث يؤكد «فولفانغ آيزر» التفاعل بين النص والقارئ.. «تكون شفرة ما محددة بإفراط حينما تكون معلوماتها السردية الساخرة،
والتاويلية والرمزية واضحة جدا ومشفرة بإفراط وتعود الي ما وراء نطاق الحاجة الي
المعلومات، وعندئذ، وبمعني معين يكون القارئ مشفرا بافراط ايضا ويظهر في النص
“متكلفاً” احيانا مثل شخصية خارجية كما في الحالة التي نوجه الكلام فيها الي شخص بصورة مباشرة [2]).. لقد اختزل النص مساحة رائعة من القول وكان بالرغم من بعض هنات العجالة ان يعطينا شحنة من الكلام الذي بقي يتفجر في الذهن، ويتعاطف مع الهمّ العراقي الكبير. لقد استطاع مشتاق عبدالهادي، ان يحقق نصاً جميلا يدلّ علي
كاتبه، ويدل علي زمنه ومساحة ارضه.. «كان يراقب بحزن رتيب سماء تمطر ضوءاً حال وصوله الارض ينطفئ ليتحول الي عتمة مطبقة- ص91».. طوبي لنص يستمر القول بعد قراءته فيثير جدلا، واستحسانا بمحبة.

[1] مجموع المقاطع في مجمل الكتاب 144
مقطعاً.
[2]فولفانغ ايزر التفاعل بين النص
والقارئ.. دار الكتاب الجديد المتحدة ط 2007م- ص147

/2/2012 Issue 4119 – Date 11- Azzaman International Newspape

جريدة «الزمان» الدولية – العدد 4119 – التاريخ 11/2/2012

AZP09
















مشاركة