حرامي بين عهدين .. هل للصوص قيم ديمقراطية؟ –  حسين الذكر

209

حرامي بين عهدين .. هل للصوص قيم ديمقراطية؟ –  حسين الذكر

اضحك كثيرا كلما تذكرت ان احد زملاء المهنة قد اختطفته عصابات الشوارع أيام الانفلات والحرب الطائفية ، وقد كان يمشي منتصبا متشيكا يحمل حقيبة ممتلئة بشكل مغــــر ويسيل لعاب اللصوص اليها . بعد الاختطاف – وكان يا ما اسهله في العراق قبل سنوات – .. فتشوه فلم يجدوا بجيبه الا الف دينار يعني اقل من دولار ، ثم فتحوا حقيبته فلم يجدوا سوى صحف قديمة وبعض الكتب الاقدم .. ففيما فكروا بطريقة انزال العقاب فيه ، التفت رئيس العصابة سائلا :- اين نقودك ؟

فقال :- لا امتلك الا قلما وكتبا وصحفا، وهذا الالف دينار هو مجرد اجرة وصولي الى بيتي بالباص . فالتفت رئيس العصابة الى أصحابه وقال لهم .. ضعوا في جيبه خمسين الف دينار مساعدة منا .. واطلقوا سراحه واوصلوه الى أية منطقة يريد .. أيام الحصار التسعيني الظالم ، الذي استهدف الفقراء وترك السلطة واعوانها ترتع باموال الشعب ..

انتشرت السرقات واللصوصية بشكل مرعب وطبيعي ينسجم مع حجم الحاجة والعوز آنذاك .. وقد نقلت قصتين ذواتي مغزى، الأولى ان احدهم سرق كيس  طحين من جيرانه وتبين فيما بعد ان الكيس فيه مبلغ من المال مخبأ بطريقة توهيمية .. فاضطر معها اللص ان يعيد المال بعد عدة ايام برميه داخل بيت المسروق مع ورقة كتب فيها : (لست لصا .. لكن أطفالي جياع .. اضطررت لسرقة ما يسد رمقهم .. وهذا المال رجع اليك .. مع الاعتذار وطلب الاستغفار ) .. في عز الظهيرة صعدت باص الكيا في طريقي الى بيتي وكان الجو حارا جدا ومتعبا حد الهستريا ، وقد امتعض السائق حينما جمع الأجرة ولم تكن لديه (فكة) يعيد باقي العملة الأكبر لاحد الركاب ، فانفجر بوجهه بصورة غير طبيعية ، سيما حينما قال له .. هدئ من روعك وكن بخير .. فقال : (من اين يأتي الخير ، اعمل باجر يومي سائق بهذه السيارة ، وكل يوم لنا مشكلة مع النقابة والمرور وجهات أخرى أصبحت كانها شريك معنا في العمل ، اذ لا يمر يوم الا وندفع .. بوصولات رسمية او دونها … وما زاد هيجاني وتعبي ، ان راتب الرعاية لابنتي المريضة مع بقية المستمسكات الثبوتية الرسمية قد سرقت ..

وكم كنت انتظر ان يسرق اللص الراتب الزهيد (150) الف دينار . ويرمي المستمسكات باي مكان اخر لتعاد الي .. لكن يبدو ان لصوص هذا الوقت بلا ذمة ولا ضمير ولا دين ولا خشية من محاسبة او سلطان – وما زال الحديث للمواطن المنهوك المسروق – والاسوأ من هذا ليس لوعة ما سرقوا مني، بل ان مراجعتي للدوائر لغرض اخراج بديل عن المستمسكات والوثائق المسروقة ، دمرني وكرهني بنفسي وعيالي ووطني الذي عشت ستة عقود فيه … قدمت له الكثير من الدم والعرق والجهد والخوف والمال دون ان استطيع اثبات مواطنتي وعراقيتي فيه …

 وما زلت وسابقى ومن امثالي من الفقراء نستجدي بباب الدوائر الحكومية ورقابنا بيد الموظفين يتلاعبون بنا وبمقدراتنا وحياتنا كما شاؤا .. كل يوم لنا حكاية وطلب ندور كالحمير في زريبة الأمير …. )..

مشاركة