حرامية الماضي ومرتشو الحاضر – معتصم السنوي

حرامية الماضي ومرتشو الحاضر –  معتصم السنوي

بالعودة إلى إحصائيات أيام زمان المتعلقة (بحرامية ومرتشين في بغداد نجدهم لا يتجاوزن أصابع اليدين، ومشخصون من قبل السلطة الأمنية، وتحت المراقبة الدائمة.! فأي سرقة كانت تحدث في الشوارع أو في أحد البيوت سرعان ما يتم كشف السارق بنفس اليوم الذي تمت فيه السرقة، لما كان يمتاز به ضباط مكافحة الجريمة من خبرة مهنية وإخلاص في أداء الواجب، حيث يتم تشخيص هوية السارق ومواصفاته من خلال المعلومات التي يدلي بها صاحب الشكوى.. فتسمع الضابط يطلب من أحد أفراد الشرطة إحضار المتهم (فلان)..! وبالفعل بعد أقل من ساعة يتم القاء القبض على المتهم ومعاينته من قبل المشتكي وتصديق أقواله تتخذ الإجراءات القانونية بحقه من دون (مراوغة أو تلاعب بأوارق (القضية)..! وأذكر بهذه المناسبة حادثة وقعت لي عام 1957 في بغداد (وقرب منطقة الحيدرخانة) إذ تحايل عليَّ شخص بمبلغ خمسة دنانير وهرب، وقررت الذهاب لأقرب مركز شرطة، وبعد إخبار الضابط المختص بالموضوع طلب أستقدام المتهم (فلان) وبالفعل كان هو الشخص المتحايل ومن ثمَّ إحالته إلى القضاء بتهمة (التحايل).. والحادثة الثانية تتعلق (بالرشوة) فقد حكى لي صديق يعمل موظفاً في متصرفية بغداد عام 1950 والتي كان يترأسها (عبد الجبار فهمي)، وكانت مكانته وأهمية (المتصرفية) في ذلك الزمان لا تقل عن أهمية وزارتي الداخلية والدفاع، ويصدف أن أحد (الفراشين) وهو من قدماء مستخدمو المتصرفية دفع له (مقاول) مكلف بمشروع تابع للمتصرفية (درهماً) لجلب أضبارة العمل إليه وهي جزء من واجبه، ومداعباً الفراش (أبو عبد الله) (روح أكُل كباية السراي) حيث كان موقع المتصرفية آنذاك مقابل بناية (القشلة) وقرب مدخل سوق السراي..! ومن سوء حظ (أبو عبد الله) إن وشى أحدهم المسؤول إدارة المتصرفية (برشوة) المقاول للفراش (أبو عبد الله) وقد قامت المتصرفية بطابقيها (الأول والثاني) ولم تقعد لتصبح جريمة اليوم التي لا تغتفر لكونها تشوه سمعة (المتصرفية) ابتداءاً من رئيسها إلى أصغر موظف فيها، ليصل (الخبر) إلى متصرف لواء بغداد (عبد الجبار فهمي)، ولولا تدخل أصحاب المروءة والمعروف من موظفي المحافظة وشخصيات محترمة مقربة من المتصرف لكان (أبو عبد الله) مصيره الفصل وإحالته للتحقيق..! وفي عراق اليوم (الفساد والرشوة) قد أخذا أسلوباً وطرقاً (عنكبوتية) متشابكة، يصعب على (الجني الأزرق) وأحدث المكتشفات العملية المتعلقة بالجريمة المنظمة أن يكتشفها أو يحدَّ من انتشارها أو الوقوف ضدها فهي كالنار في الهشيم تحرق كل من يحاول التقرب منها، وقد ولدت وانتشرت هذه (الظاهرة) منذ الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق بعد احتلاله (الكويت) عام1991 وتدني الحياة المعيشية ليصبح راتب الموظف الحكومي لا يكفي لشراء (طبقة بيض)..! وتنتعش (قوارض) الرشوة وتتمدد آفة الفساد في التكوين والتغلغل إلى مصادر المال والكسب غير المشروع..! يدعي المسؤولين الفاسدون أن الرشاوى لم تؤثر على سلوكياتهم فهي بالنسبة لهم وببساطة (هبات) تقدم عن نية حسنة. ومع ذلك، يعتقد البعض، أن (الهدايا) في الحقيقة هي من متطلبات (الخدمة الجيدة) صعوداً ونزولاً في الهرم الحكومي، وحتى هؤلاء الذين يدفعون مقابل شيء (يحق) لهم الحصول عليه بالمجان، يؤمنون بأن السياسيين وبعض القضاة ينحازون ضدهم إذا لم يتم تبادل (النقود) أو  الحظوات معهم..! وعلى الرغم من الرشا (الفردية) تبدو وكأنها تحسن من فرص الفعالية والإنصاف، إلا أن (الفساد المنهجي) نادراً ما يفعل ذلك، ففي الدول (القمعية) حيث جميع السياسات تعتبر ضارة بالناس ما عدا (النخب المحظية)، يعد الفساد (ستراتيجية البقاء) ولكن ولكن تحمل مثل هذه الممارسة السماح لاستمرارية نظام غير قانوني وغير فعال، عندما تصبح فضائح الفساد مؤشراً على النضوج السياسي المتنامي للبلد، فهي تبين بأن المواطنين قد بدأوا يدركون (الفرق)  بين المجالات العامة والخاصة ويشتكون حين يتم تجاوز الحدود بينهما، وقلق المواطنين من الرشاوى التي تدفع بدل (الحظوات) تشير إلى أن الناس يدركون أعراف الصفقات المنصفة والإدارة الكفوءة وإنهم قد بدأوا يطالبون بحكومة تخدم أهداف الصالح العام، وقد يكون للفساد جذوره في الحضارة والتاريخ، ولكنه يبقى مع ذلك مشكلة اقتصادية وسياسية، فهو المسؤول عن العجز وعدم الإنصاف في توزيع (المكاسب العامة) وتكاليفها، وهو أحد الأعراض التي تشير أن النظام السياسي يعمل باهتمام قليل لمصالح الجماهير العريضة، كما يشير إلى أن بنية الحكومة لا توجه المصالح الخاصة بشكل فعال، كما أن الشرعية السياسية قد تتعرض للتقويض إذا سمحت بالحصول على مكاسب شخصية (غير مناسبة) على مصالح الآخرين وعادة ما يكون  هؤلاء من (الجياع) الذين يشكلون الأكثرية ومن ضحايا الفساد..! وواحدة من أكثر القضايا إرباكاً للإصلاحيين هي (تحديد) متى يملك  السياسيون من أصحاب المناصب والبيروقراطيين حافزاً للتغيير، قد يساعد (الضغط) الخارجي في ذلك، ولكن ثبات التغيير قد لا يكون ممكناً ما لم يتم تعويض هؤلاء الناس يعارضون الإصلاح أو تهميشهم. وأفضل حالة للإصلاح هي تلك التي يستطيع فيها أي تغيير سياسي إيجاد مستفيدين جدد يؤدون استمرارية الإصلاح.

 وقد درجت (المرجعية) الدينية في كربلاء المقدسة من خلال خطب أيام (الجمع) التذكير بخطورة (الفساد) وآخرها دعوة الشيخ عبد المهدي الكربلائي وبتاريخ 14 تشرين الثاني 2014 لوضع حد لهذه (الظاهرة) التي أصبحت واضحة من أنها أهم الأسباب التي أدت إلى إنهيار المؤسسة الأمنية وسيطرة داعش على بعض  مدن البلاد، هو الفساد المالي والإداري المستشري وتأثير السياسات الخاطئة في المدة الأخيرة..! ولابدّ من تحرك (عاجل) لتدارك ذلك..! (داعياً) قادة الكتل والفرقاء السياسيين إلى التعاون الجاد من أجل إصلاح واقع الأداء بمؤسسات الحكومة والدولة..!

 واستجابة للدعوات المرجعية، شكل رئيس الوزراء حيدر العبادي لجاناً (لكشف ملفات الفساد) واجتثاث العناصر الفاسدة وهيكلية النظام المالي والإداري لإعادة الهيبة لمؤسسات الدولة، وقد بدأ (العبادي) بالفعل بحملة لاجتثاث العناصر الفاسدة التي تحوم حولها شبهات الفساد من مؤسسات الدولة وهو عازم وضمن الإصلاحات التي ينوي القيام بها لبناء دولة المؤسسات والقضاء على الفساد الإداري والمالي في دوائر الدولة على إقالة (العناصر الفاسدة) وفتح تحقيق معهم، وأن لجاناً ستكلف من قبله لكشف التجاوزات والشبهات في التجاوز على المال العام..! ومؤكداً إن (الفساد الوجه الثاني للإرهاب) وأن بعض من هؤلاء الفاسدين هم من يمولون الإرهاب..! وصفوة القول: فضائح الفساد التي تشعلها بعض الصحف المستقلة، والقنوات الفضائية المحلية والعالمية، ساعدت على (تحريك) الإصلاح في عدد من الأنظمة السياسية، كما أن الأزمات الاقتصادية التي يلقي باللوم فيها على السياسات الحكومية (الهزيلة) يمكن أن تسهل حدوث التغيير، ويمكن للفضائح والأزمات أن تضع الفساد على الأجندة الحكومية، ولكنها لا توجه الإصلاحات (دائماً) نحو اتجاهات مفيدة، يلقى هذا الأمر الضوء على أزمة ما بانطلاق دعم قوى للتغيير، يتوجب على السياسيون أن يتحركوا بسرعة وغالباً بدون تخطيط كافٍ أو فضائح خبراء على النقيض من ذلك، يفتقر الإصلاح إلى الدعم السياسي خلال فترات الهدوء والاستقرار التي يمكن تطبيقه بعقلانية..! وباعتقادي لن تفلح الإدعاءات الفردية في فرض إصلاح حقيقي، فقط التغييرات البنيوية في (حوافز الفساد الأساسية) التي تدخل في أعمال الحكومة يمكن أن تؤدي إلى تحقيق تغيير مقبول..! وللإفادة من تجارب وخبرة الأجهزة الأمنية المستخدمة في مكافحة الجريمة المنظمة (لأيام زمان) ومنها تعليق يافطات بصور (النشالين وأصحاب السوابق في الإجرام)، لتأخذ الناس حذرها وحيطتها خاصة وأن العراق ضرب رقماً قياسياًَ في الجرائم المنظمة ليدخل موسوعة (غينس) للأرقام القياسية من أوسع أبوابها ويتصدر دولاً كانت يوماً بؤراً للإجرام في العالم..

! وحبذا لو استخدمت الطريقة ذاتها الآن بمؤسسات الحكومة وعلى مختلف تخصصاتها بتعليق يافطات تحذيرية في مداخـــــــلها يُكتب عليها (أحذروا المرتشين والفاسدين) ولا تســمح لأحد أن يدخل يده في (جيبك أو محفظتك) ليأخذ منها ما يشاء من دون أن يعرق جبينه أو يهتز ضميره وهو يتجاوز على حق غيره ويخالف القواعد الوظيفية المكلف بها رسمياً..! (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)  ]التوبة: 105] والعــاقبة للمتقين.

مشاركة