حديث في الحضارة والفلسفة (1)

682

حديث في الحضارة والفلسفة (1)
مطلوب حماية الفكر
“إذا كان ثمة أي مبدأ في الدستور يستحق بصورة أكثر إلزاماً
تعليق أهمية عليه أكثر من غيره فهو مبدأ حرية الفكر ـ ليس
حرية الفكر لمن يتفقون معنا ولكن حرية الفكر الذي نبغضه”
القاضي الأمريكي أوليفر وندل هولمز
في عدم اكتراث واضح بطبيعة التحولات الراهنة في عالمنا العربي، وفي تجاهل شبه كامل لما تشف به هذه التحولات من زحف غربي مُنظم ومدروس نحو جوهر الحضارة الاسلامية، تمضي مجتمعاتنا شديدة ضيق الأفق وشديدة الافتتان نحو مصيرها المحتوم بدمٍ بارد، كعملاق سائر، أصم لا يسمع، أعمي لا يري!
الغربيون ولا شك استفادوا من جهود العلامة الفرنسي أرنست رينان، ووصفه الإسلام بأنه مفتوح كله علي الحاضر، وهو ما تُعول عليه قوي الإسلام السياسي كثيراً، وأن النبي محمد بعيد كل البعد حتي عن مجرد التظاهر بالقداسة، مقارنة بالديانتين اليهودية والمسيحية، فلا أسرار ولا كهنوت ولا بركات تُقدم!
لن يبقي الإسلام علي قيد الحياة في المستقبل، ولسوف يتلاشي برمته تحت تأثير المد الحضاري الغربي. مثل هذه التنبؤات الرينانية، يجتهد الغربيون اليوم لترجمتها علي أرض الواقع، عبر ما نشهده من قصف “ناعم” للامتداد الدنيوي للأصل الديني للإسلام! فكون الإسلام مفتوحا كله علي الحاضر، يسمح لقداسة الأصل الديني بالتسرب إلي كافة جوانب الحضارة الإسلامية، ومن ثم يجعلها مُغلقة ومُشفرة علي النقد والتطوير، خروجاً علي ناموس الحياة، وهو ما سوف يظل بكل تأكيد يُغري باستبدال حضارة أخري ـ غالباً حضارة الغرب ـ بها!
ثمن غالٍ تدفعه مجتمعاتنا، لتنازلها عن الحق في امتلاك “صفوة فاضلة”!
فمن يصدق أن يمر مرور الكرام تغلغل مُبتكرات غربية (من قبيل: “الاحتراف الثوري”، “حرب اللاعنف أو اللاعنف البراكماتي”، “الديمقراطية النامية أو غير الليبرالية”، “التحكم الما بعد حداثي”، ..الخ) في نفوس ورودنا الثائرة.. من يصدق أن يمر مرور الكرام نزول قوي الاسلام السياسي علي حكم الأمر الواقع! فالدولة التي يبنيها الاسلاميون الآن هي “دولة ـ وطن” علي الطريقة الغربية، والتعددية الحزبية التي يعترفون بها، ما هي إلا الديمقراطية (وليست الشوري أو البيعة)، والمجتمع المدني الذي ينتشر في مجتمعاتنا لا ينطبق عليه تحديد المجتمع المدني الإسلامي! لم يبق إذن سوي المرأة والمسائل الأخلاقية!
من يصدق أن مثل هذا التشبع “اللامُدرك” بالأفكار والممارسات الغربية، والذي يلتحف القيم المحافظة والمناهضة لهيمنة الغرب، يحدث علي مرأي ومسمع من مفكرينا وساستنا، دون أن يُحرك لديهم ساكناً، وكأن علي رؤوسهم الطير!!
كنت أتصور أن يمر مفكرونا ـ وهم كُثرُ ـ بما مر به مفكرو العالم، خاصة الغربي، في أعقاب انهيار المعسكر الشرقي وانتهاء الحرب الباردة، حين اخذوا علي عاتقهم إيجاد طرق جديدة يعرفون ـ هم وشعوبهم واسعة الأفق ـ بها العالم، في غياب معالم واضحة تقسم العالم إلي شرق وغرب أو شمال وجنوب!
كنت أتصور أن يقود مفكرونا شعوبهم نحو المستقبل بقبضة مفتوحة وليست مضمومة! خاصة وأن وجهتنا الجديدة تفوح منها رائحة “مألوفة”، تتشابه للأسف الشديد مع تلك الرائحة التي شممناها من قبل، عند تهجيرنا إلي “دولة العسكر”!
غير أن ما يحصل هو لجوء مفكرينا “الخونة ـ فكرياً ـ” للي عنق الحقائق والوقائع، لاجبارها علي الاتساق مع مرجعيات “تقليدية” “شديدة الهرم”!
أنظر مثلاً إلي دراويش الآباء المؤسسين لدولة العسكر(1945-2001)، تجد أن السقوط المُهين لدولة هي غرس يد زعمائهم، لم يدفعهم حتي للتفكير، مجرد التفكير، في إمكانية وجود هشاشة وعشوائية في الأسس التي بني هؤلاء الزعماء عليها دولتهم، بعد رحيل الأوروبيين. بل إن العكس هو الذي حصل!
فكلمات الآباء المؤسسين لا تزال نصوصاً مُقدسة، تُتلي في خشوع! وأفكارهم لا تزال نبع الهام ثوري لا ينضب! وعبقريتهم لا تزال أماراتها تكمن في: 1- خلطهم المُربك بين الإصلاح والبناء وبين القمع والارهاب. 2- رفعهم لواء التحرر من الاستعمار الأوروبي التقليدي، علي مرأي ومسمع من شعوبهم، لضمان البقاء في السلطة في الوقت الذي تتجه كافة الأوضاع داخل بلادهم نحو الاستقرار المُشبع بالخراب. 3- تأقلمهم إلي حد ما مع كل “ربح” يجنيه المنافس، من خلال عدم اعتباره علي أنه “خسارة” لهم. 4- امتلاكهم القدرة علي اتخاذ قرارات حاسمة في المواقف الحرجة، تحقق لهم ولمنافسيهم، بعض المكاسب والمغانم، دون أن يدعوا المجال لقطعان أوطانهم خلفهم أن تراها علي حقيقتها!
لقد سمعت وقرأت كثيراً عن سنوات ما قبل دولة العسكر في وطني مصر، ولشد ما سرني معرفة أن أمثال: عبد الرحمن بدوي وإدوارد سعيد وطه حسين وأحمد لطفي السيد، مشوا يوماً فوق ثري بلادي، وجالت بصدورهم أحلامنا!
ورأيتني أسأل: لماذا عقمت حرائرنا في ظل “دولة العسكر”، فلم تلدن أحراراً يطمئن الضمير لفضلهم، ويُرجع الخلود صدي أعمالهم! لم تلدن سوي شخصيات خُفاشية، يجرح نور الحقيقة عيونها ويملك التواء الذكاء عليها أمرها. ظن العسكر علي ما يبدو بنزعاتهم البونابرتية ـ نسبة إلي عقدة السلطة عند الزعماء ـ، أن تجفيف منابع الفكر الحر يحصنهم ودولتهم! وما علموا أنهم يوردون ثقافتهم، بل وحضارتهم أيضاً، نبع الفناء! فما قيمة المجتمعات إن هي خلت من أصحاب النفوس الحرة واستشري فيها الخوف وغابت عنها الفضيلة؟
الوضع في بلادي أخطر مما تصورته يوماً وكتبت عنه! وما أراه حولي محض جعجعة ثورية بلا طحن! فلا نقد ولا دور نشر ولا دوريات .. لاشيء!
الربيع العربي ـ وقد كان قبل مجيئه هو الأمل ـ ينزلق علي عقول وقلوب الناس في بلادي دون أن يترك أثراً يُذكر! فالناس تتبع من يحمل جوال الخبز وجرة الماء! فقيرهم وغنيهم في هذا سواء! وهو ما يبعث علي الإحباط!
حازم خيري – القاهرة
/2/2012 Issue 4124 – Date 17- Azzaman International Newspape
جريدة »الزمان« الدولية – العدد 4124 – التاريخ 17/2/2012
AZPPPL