حدود وضفاف الواقعية

419

حدود وضفاف الواقعية

خلق سبل وطرائق فنية مبتكرة

 مؤيد جواد الطلال

اليوم، ونحن نقترب من نهاية العقد الثاني في الألفية الثالثة، ليس عيباً أن نتعلم من كُتّاب كِبار وقفوا عند هذه القضية، مثل الكاتب الأمريكي ( فيتز جيرالد ) كاتب رواية (( غاتسبي العظيم )) حين يرشد ابنته ويحاول أن يعبر عن قضية وحدة الشكل والمضمون، أو التكامل بين الفكرة ووسائل/ سبل التعبير عنها، حين كتب لها الآتي: ” لو شعرتِ بأن لديك ما تقولينه، وإنّ ما تريدين قوله لم يقله أحد قبلك، فإنك لن تهدئي مالم تجدي وسيلة ما للتعبير. وستكون وسيلة لم يجدها أحد من قبل. وعندها فإن الشيء الذي تريدين قوله والطريقة التي ستقولين بها ذلك سيمتزجان ويصبحان جزءاً لا يتجزأ، وكأنهما نبتا في رأسك في الوقت نفسه …. إن كل ما عاشه المرء وفكر فيه، يلد من تلقاء ذاته أسلوباً جديداً. عندما يتحدث الناس عن الأسلوب، فإنهم عادة يدهشون قليلاً لجدته، ويخيل إليهم أن الحديث يجري عن الأسلوب فقط. هذا بينما هم في الحقيقة يتحدثون عن محاولةٍ للتعبير عن فكرة جديدة بالقوة التي تنعكس معها، في كل شيء، أصالة الهدف بشكل حازم. ” (( 1 ))

          إذن، لابد من وجود شيء يريد المبدع أن يقوله، شرارة في الفكر والروح تُلهِب موهبته ومخيلته الفذة. أمر خارق يحتاج إلى وسيلة فنية مبدعة .. مضمون متقدم وجديد يريد التعبير عنه بما يوازي ويساوي الهدف السامي الذي يقتضيه الخلق الإبداعي.

          من هنا تقوم العمليات الروحية والعقلية ( الهندسية )، في داخل المشغل الروحي للإنسان المبدع، لبناء العمارة الخالدة التي يُراد أن تُشيّد وتعبر عن عملية انتقال حيوي / ديناميكي من ما هو ذاتي وفردي إلى ما هو اجتماعي؛ ومما هو وطني وقومي إلى ما هو إنساني شامل .. حيث يمتح العبقري من لواعج روحه بوصفه معيناً لا ينضب  ورائداً، قائداً، يتنبأ بما هو خالد وأبدي في الكون وطبيعة الإنسان الروحية ليقدم للبشرية والروح الإنسانية النبيلة كل ما هو خير وجميل ومتحضر.

          هذا هو بالضبط ما يميز (( الأعلام )) الذين يمكن عدهم من (( بُناة العالم ))، سواء في عالم الفكر والفلسفة أو الإبداعات الأدبية والفنية؛ وكذلك القيادة السياسية المحنكة الهادفة لخير شعوبها والبشرية عامة !

براعة الفنان

          من هذا المنطلق فإنه يمكننا القول إنّ التطابق مع الواقع ومع الطبيعة، أو محاكاتها بدقة متناهية، ليس هو بالضرورة علامة من علامات براعة الفنان حتى وإن كنا في عصر لم تُكتشف فيه (( الكاميرا )) بعد، والتي ستجعل من الأعمال الفوتوغرافية أمراً عاديّاً فيصبح التركيز عندئذ على زاوية الرؤية، أو جمالية وذكاء اللقطة بالدرجة الأساسية، وليس على التطابق مع الواقع والتعبير عنه بدقة فائقة؛ بل على الرؤية الفنية والقدرة على الالتقاط أو ما يمكن تسميته مجازاً إعادة خلق وتشكيل الواقع من جديد، أو بصورة فنية ذكية.

          إعادة خلق وتشكيل الواقع من جديد هي المهمة الأساسية للفنان المبدع، لحساسيته العالية المرهفة، لخياله المحلّق، لاستثنائيته وتميزه، لاستثماره كل مخزونات صور الوجود والعالم وإعادة هضمها وتمثلها وتقديمها بصور وصيغ وأساليب جديدة .. ولعل هذا الأمر كان وما يزال من أهم إشكاليات الفنون المعاصرة من بداية عصر النهضة وحتى الســـــاعة !

          وإذا ما تحدثنا بلغة الأدب – وجانبه القصصي على وجه التحديد – فإن الكاتب العراقي (( ذو النون أيوب )) * (( 2 )) كان يجاهر بشدة واقعيته التي وصفها بأنها تفوق واقعية ( أميل زولا )، لكننا سنلمس ببساطة كم هو الفرق هائل وكبير بين هذه الرواية ورواية التكرلي         ( الرجع البعيد )، على الرغم من أنهما يستمدان مادتهما الأساس من الواقع العراقي ذاته ؟!

          إذن، من اهتمامات المبدع الواقعي الخلاق – والخصائص الجوهرية للمدرسة الواقعية – ليس النظر إلى الواقع بكل تناقضاته وإشكالاته الحياتية والفكرية على حدّ سواء، وليس مجرد الاستعارة من هذا الواقع وعكسه على نحو من الأنحاء أو محاكاته والتطابق معه فقط .. بل والعمل على خلق سبل وطرائق فنية مبتكرة وجديدة تحبب إلى نفس المتلقي عملية الحث على تغيير هذا الواقع نحو الأفضل، وذلك من خلال التمسك بالقيّم الإنسانية السامية لاسيما فضيلة الحب والثقة بمستقبل الإنسانية الوضاء، وما إلى ذلك من أمور معنوية إيجابية عالية تفضي في نهاية المطاف إلى خلق تراكمات كمية في مستوى الوعي والعاطفة الإنسانيين وتؤدي إلى تغير نوعي نحو الأحسن.

واقع متحرك

          هل تلغي واقعية القرن العشرين بشكلها العام، لاسيّما { الواقعية الاشتراكية } على وجه التحديد والخصوص، واقعية ( بلزاك ) والقرن التاسع عشر برمته ؟!

          ورد هذا السؤال في ذهني وأنا أقرأ الفصل الأول من كتاب ( بورسوف: الواقعية اليوم وأبداً )، خاصة حين ناقش الكاتب موقف (( روجيه جارودي )) من ( كافكا ) – كما ناقش الموقف المناقض لكافكا الذي كتبه الهنغاري ( خازي/ لايوش ميشتير خازي ) – فوجدت إن مثل هذا السؤال، والجدال حوله، أمر غير معقول وغير مفيد بتاتاً؛ إذ إن الواقع ذاته في تغيير وتبدل دائمين مثله مثل النهر الذي تجري فيه يومياً مياهاً جديدة، حتى وإن بقيّ يحتفظ باسمه القديم الذي أشتهر به منذ آلاف السنين.

          فإذا كان (( كافكا لا ينفي بلزاك )) كما انتهى إليه جارودي عندما كان ماركسياً، فإن   ( بورسوف ) يستاء من وضع ” ذاتية كافكا ” في مستوى العمق البلزاكي نفسه [ كما ورد في صفحة ( 27 ) من كتابه المذكور في الهامش رقم 1].

          وهكذا فإن الكاتب السوفييتي ( بورسوف ) يغمز من قناة ” ذاتية كافكا “. ولكن ألا يشعر قارئ القرن العشرين اليوم – خاصة في نهاية هذا القرن المحتدم – بعمق وقوة هذه الذاتية في ظل تعقد العلاقات الاجتماعية والإنتاجية في قرن تحاول فيه الرأسمالية المتوحشة السيطرة على العالم من جهة، وتهدد بحرب نووية لا تبقي ولا تذر من جهة ثانية، كما نجحت في تفكيك الاتحاد السوفييتي والسيطرة الأحادية على العالم ( سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية ) من جهة ثالثة ؟!

          كل باحث ماركسي، أو مجرد قارئ مُلّم بالمعلومات الأولية في المبادئ الماركسية، يعرف أهمية بلزاك وكل كُتّاب واقعية القرن التاسع عشر ( وخاصة العمالقة الروس ) في الكشف عن حقيقة الواقع أو موضوعة (( الالتزام بالتصوير الصادق للواقع )) .. الكشف عن عيوبه وإدانته؛ ولذلك يتحتم عليّ اليوم التساؤل: ألم يفعل ( كافكا ) الفعل الثوري والإنساني ذاته ضمن واقع متحرك، واقع جديد – وهو خارج من الحرب الكونية الأولى ومتجه نحو حرب عالمية ثانية – ولكن بأساليب فنية راقية التعبير والتكنيك وأبعد نظر من مجرد رؤية الواقع وتسليط الضوء عليه ؟! ألم يكن ( كافكا ) مليء بالغضب تجاه هذا العالم كما ورد في سطور    ( بورسوف / ص 89 ) ذاته رغم الآراء السلبية التي طرحها اتجاه أدب كافكا ؟!

          من هذا المفهوم الماركسي الأصيل لفهم الواقع بوصفه كوناً متحركاً وديناميكياً يعتمد قانون الديالكتيك والنفي – ونفي النفي – أنطلق في فهم ثوري حقيقي لتفهم الإبداعات الأدبية والفنية { بما فيها ابداعات كافكا }، والدعوة إلى توسيع (( ضفاف الواقعية )) إلى أبعد الحدود الممكنة، وأرى في المبادئ الماركسية شكلاً من أشكال ” رؤيا العالم “، ولكنها ليست هي العالم الثابت المتحجر !

          وكل المشكلة تتلخص في رغبة الهنغاري ( خازي )، والكثير من كتاب الحقبة السوفييتية، في أن تبقى الواقعية عند ضفافها، كما كتب في المجلة الهنغارية [ كريتيكا – 1964 – العدد التاسع ] وكما ورد في كتاب ( بورسوف ) المذكور أعلاه ( ص – 28 ). وبهذا نكون ضد خلق (( أشكال فنية جديدة )) مثل الطابع الكافكوي المميز. لكن أمرأ كهذا يسد الطريق على عملية جريان مياه جديدة في نهر الواقعية عامة، والواقعية الاشتراكية خاصة، التي يدافع عنها         ( بورسوف ) والذي يمجّد كتابات { بليخانوف } ودفاعه المستميت من أجل هذه الواقعية التي كان ينشأ في رحمها الأدب الاشتراكي، ومن ثم البروليتاري.

          وهكذا فإن طبيعة الرؤية لهذه الواقعية هي التي تحدد مفاهيم النقد الأدبي المعاصر؛ وفيما إذا كان هذا النقد مع المياه الجديدة في واقع متحرك – ومع توسيع ضفاف نهر الواقعية – أم العكس ؟!

          هل يمكن للإنسان المبدع الواقعي أن يقوم بتحوير الواقع الذي يصوره، كما كان يفعل دوستويفسكي لأغراض وأهداف أيديولوجية، مع بقائه واقعياً أصيلاُ ؟! أجاب ( بورسوف ) على هذا السؤال بنعم، وأكده في صفحة ( 69 ) من كتابه المذكور سابقا.

          من خلال هذه الملاحظة بالذات، السؤال والجواب، أشجب الغمز من قناة كافكا كما فعل ( بورسوف ) ذاته حين كتب: (( أما كافكا فإنه يقدم لنا عملية تحوّل الإنسان إلى حشرة كقضية حتمية، وهذا كل ما في الأمر – ص 138 ))، وأعتقد إنّ هذا ليس هو (( كل ما في الأمر )) بما توحي به قصة ” المسخ “، وكل أعمال كافكا، بقدر ما أعتقد أن موضوعة الحتمية مقحم في هذه الجملة؛ كما إن كافكا بجرأته الفنية العظيمة قد حوّل الإنسان إلى حشرة كسياق مطابق مع جزئية واقع ونظام اقتصادي رأسمالي حربي، وكوسيلة لإدانة هذا الواقع من غير أن يغادره .. ولعل هذه مهارة فنية تُحسب لصالح كافكا، من غير أن ننكر روحه التشاؤمية أو نصفق لها !

          هل كان على كافكا ، الذي يعيش في (براغ ) في الربع الأول من القرن العشرين حين كانت المدينة تحت هيمنة الرأسمالية المتوحشة – الرأسمالية التي كانت تعد العدة لحرب كونية ثانية – أن يكتب كما كتب رواد الواقعية الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي الذي كان يشهد بناء حياة جديدة وإنسان جديد في ذلك الثلث الربع من القرن العشرين، من أجل أن نعد كافكا كاتباً واقعياً رغم اعترافنا بأن المبدع هو ابن مجتمعه ومكانه وزمنه ؟!

المصادر والهوامش

1 – المصدر: [ كتاب بوريس بورسوف الواقعية اليوم وأبداً / منشورات وزارة الإعلام العراقية عام 1974 – سلسلة الكتب المترجمة رقم ( 19 ) ] .. وينقل بورسوف رسالة ( فيتز جيرالد ) لابنته عن مصدر ثبته في ص 117 من كتابه، والمصدر هو (( مسائل الأدب / 1966 / عدد 22 )).

2 – ذو النون أيوب: في الطبعة الثانية من رواية الدكتور إبراهيم: حياته وآثره ( صفحة 19 ) –  طبع شركة التجارة والطباعة في بغداد 1960م.

مشاركة