حدائق البصرة التي لا تُرى قصائد محشوة بالحب المحاصر

300

حدائق البصرة التي لا تُرى قصائد محشوة بالحب المحاصر
الشعر يتلبس غبار الشارع وحرارة الصيحات
ياسين طه حافظ
زيارتي الأخيرة لبصرة الأدب أرتني المدينة بواقعها المحشوّ بالأعاجيب وبالحب المحاصر ونداءات الاستغاثة الميتات على الوجوه وعلى الأبواب والأرصفة، تلك الارصفة التي نتأ طابوقها وحجارها يستغيث.
وارتني في البصرة شباباً وكهولاً يعملون وقّادين في ورش الشعر والكتابة، يصهرون أفكاراً وعواطف ومتاعب يومية ليكتبوا في ظل الحداثة قصائد.
أتابع قدْر ما يتيسّر لي كتابات أصدقائي في البصرة، مشغل اللغة الأكبر، كما في أي مدينة في البلاد العطشى بين نهرين. ابحث في المحاولات الجريئة لاقتحام الغاب، ابحث عما يبشر، عما يفرح، عما يجعلني أصيح عظيم هذا منك يا صديقي
هذه المرة قرأت مجاميع من هداياهم، رطباً بصرياً نزل تواً وما يزال يحمل تحت اهابه دفء الشمس. قرأت لكريم جيخور وقرأت لعبدالسادة البصري وقرأت لايمان الفحام المحشوّة بالياقوت ، حسب وصفها ورضاي عن هذا الوصف، وقرأت لابي عراق، علي، الشغيل وافر الطاقة، وقرأت لبلقيس المحترمة الخجول وقرأت لصبيح عمر هادئاً مثل عاشق لا يجرؤ، ولعلي الإمارة الذي اعرفه من قبل. هي رزمة كتب للأشعار، لحماسات الانجاز والسعي المخلص للأفضل. فرحي بهم أصدقاء يواصلون الفعل، مصرين على ان يزرعوا السباخ،التي مات فيها الزنج، بانتصارات أشعارٍ وقصائد.
فرحي بالاجتهاد البكر هناك، يوازي احترامي للكتابات الجديدة التي نقرؤها مترجمة او التي أكملت من زمنٍ سنوات النضج. فرحٌ هنا وفرحٌ هناك.
بعد هذا، أرى مفيداً ان أقول بما يستوقفني، بما يمنحني رضا خاصاً وسعادة شخصية فأنا لا أقول هنا أحكاماً، ولكنها مباهج. انا لي اهتماماتي التي ابحث عنها ، ومن هذه، قصائد الشاعر، الذي فلتت منه اشارة ضوئية والذي تفرّد بأجوائه وحاول ان يحدد له حقلاً زرعُهُ مختلف. مفرح هو كلما ابتعد عن التكرار وللمستقبل بعد ذلك رأي.
وجدت بعضاً من هذا فيما يقترحه الغياب قصائد هذا الديوان تحمل غبار الشارع وعرق الناس وحرارة الصيحات فيها مثل قوله رائحة الخانات وعطن الحنطة وهو أرانا والده المتوفى حين كان يحمل في الشارع سطلي لبن ياللقطات الحية مثل أطلق فوق النفايات روحه المرحة وقوله للعماريين وجوه تلبط فيها الأسماك.. هذه حيوية مهمة في القصيدة تمنيت ان يكون الديوان خزانة لهذه الصدمات، لهذ الخامات الحميمة. لكنه يضيع في الزحام ويأخذه الموج… هذا انتباه حيّ مطلوب في الادب ومطلوب التصاق الكتابة بالحياة التي تمشي على الأرض.
وبلقيس خالد، المحترمة النائية بنفسها عن الصخب. تودع أشجانها وانتباهاتها بأطباق صغيرة من زجاج شفاف، هي تستعين بالهايكو وتبحث عن قربى بدارميات الجنوب. كل المحاولات تُحْتَرم فلنحاول أي تجريب. المهم ان نتطلع الى الحقيقة الشعرية والدلالات الأبعد مما لا نريد الانقطاع عن انتظاره.
وانا لا أبيح سراً إذا قلت إن قراءتي لديوان كريم ربما يحدّق الجميع ، ارتني كريماً في الشعر أصفى، أكثر أناقة وأجمل من صورته عندي قبل ان أقرأه اليوم. هذا يعني ان انطباعاتنا عن الناس ليست عادلة دائماً اننا لا نراهم دائماً بوضوح. هو ديوان مُنَظّم بعناية. بقي ان أقول الإحساسات الصغيرة، محدودة المساحة والأفق، لا تصنع شاعراً كبيراً.
فكروا ايها الأصدقاء بموضوع اكبر، بمساحة أوسع. الانتباهات الجمالية والإحساسات الصغيرة تدخل في نسيج العمل الكبير والحياة حولكم هائلة المساحات والأفكار.
مجموعة صديقي علي الإمارة لزوميات الخمسميل تحيلني الى ما كتب من قبل فأشعر برغبتي ان اظل هناك. لقد كان الامارة يمتلك طاقةً تجريبية أطلّتْ في ديوانه السابق واختفت. لا اعتراض على كتابة القريض في زمن الحداثة، ولكننا صرنا لا نستسيغُهُ لِقِدَمهِ. أفترضُ ان الإمكانات التعبيرية والقرب لأجواء الحداثة وحماسات الحركة الشعرية، تهب الشاعر شعراً معاصراً أكثر مما يمنحه الوقار وروح المحافظة. لكني هنا أشيد بتقنية لم تُسْتَثْمر. اعني صفحات النثر تقديماً واختتاماً. شعراء كبار يمهدون الأجواء للمقاطع الغنائية ويتحدثون من بعد عن دائرتها. فعل مثل ذلك ميووش البولوني الأصل، صاحب نوبل، الأمريكي من بعد في ديوانه شروق الشمس .
هذه الكتابات السردية تتولى مهمة التوجيه والكشف. بداية ذكية للإمارة لن يكون لها شأن اذا لم تكتمل عذراً، مجموعتك الاولى متقدمة كثيراً على هذه. بقي ان اقول له ولنفسي ولجميع الاصدقاء نحن اما ان ننتمي للفن والانسانية والفكر الحر او ننتمي للسوق حيث لكل بضاعة ثمن اما الرجرجة في الوسط فهي تلَفٌ تدريجي للنفس وللفكر والابداع. ليس لنا الا ان نختار لا ادب محترماً بلا قيم انسانية محترمة وهذا قول نهائي لا مساومة فيه
في هكذا دائماً يلْمَحُ عبدالسادة البصري بصيصاً من نور يأتيه هل يقدر أن يمسكه ، هذا أجمل ما كتب وأضاع. لقد انتبه لتلك السطور السردية التي تبناها الإمارة من قبل ولكنه قالها ببضعة سطور وتخلى عنها الكورنيش العشار الخمسميل الزبير ابو الخصيب التنومة الفاو القرنة ام قصر… رسم الخط جيداً، ولكن ماذا بعد ؟ لم يُكملْ، تركها عند الباب . هذا افق لا يُهمل ولكن يُسْتَثْمر
يصلني الآن كتاب كاظم اللايذ الشاعر الذي انتبهت له يوماً وتركت له، وانا لا اعرفه، تحية. هو بصري لا يريد مفارقة الماء وقد صار أجاجاً هو في قيظ العالم وبؤسه ينزل الى حضرة الماء . وفي حقل شعره الخصيب والمتْقَن، يظل مثل صاحبه بائع الصحف
واقف مثل صومعه
وهو فيها إمام
الرصانة مطلوبة ومحتفى بها. لكن مغامرات التجريب تبعث البهجة كما تفتح بوابة جديدة للحياة. وهذا الاب اللائذ بجدار قديم في أور الذي هو على نوير، شاعر يكتب قصيدة بمعمار قصيدة، يبدأ وينتهي ولا يسيح بين النقطتين بلا معنى. اظن ان عزلته اكثر مما يجب. حاجته للتقدم للحياة، للفعل ولاستكمال التجربة. هو يخاطب صديقه كريم
انت مثلي لا تجرؤ ان تعقد مع الشمس حلفاً أخيراً
انا افهم جيداً كم فادح هو ثمن الحلف مع الشمس واقدر جيداً ما يقول.
هاشم الزامل، هو أيضاً عمل على الموضوع يتكامل في تأوهات للو الانسان الاول . لقد أخذنا لمطولة عالمها بعيد غير مألوف لكننا نلامسه ونفهم معانيه.
وها انا أصل الى آخر الكتب تسلسلاً. انه أتعبني طينُك يا ربي هو عنوان مجموعة، او قصيدة، إيمان الفحام. أتعبني طينك يا ربي أي عتاب مهذّب للرب وأي حزن شريف هذا وكم موجع هذا الرثاء
اخرجوا الوشاح
به أدثر ليزا
اذا علمنا ان ليزا هي ام الشاعرة وهي بهذا الوشاح تغطيها امتاز هذا الديوان بتحرره من العنوانات الصغيرة فصار ملحمة ذاتية هادئة الموسيقى. الشعر الروسي الى عهد قريب، بلا عنوانات، جل القصائد فيه كانت كذلك. هو ديوان بسيط هذا، انيق وفي غاية التهذيب. لا بد من ان نتوقف امام
النهار يهدي قلائده للمساء
و الدخان يمشط شعري
وأصابعي تلتقط النيازك
هذا شعر، وشعر يريد طريقاً.. نحن نبحث عن شذرات الجديد في الكتابات وأي انتباهة اختلاف عن المألوف مبعث فرحٍ. سلاماً أيها الأصدقاء
اقول لبعض اصدقائنا. اما ان نمنح انفسنا كلها للفن او ننشغل بالدنيا وازبالها، الفن يريد روحك كلها له. كذلك، نحن اما ان نمنح انفسنا كلها للحبيبة ونتعبدها إلهة او نهبط الى السلوى. الحب يريدك كاملاً ونظيفاً ازيحوا القمامات عن طريق الجمال الابداع عمل جاد وليس ابداً لهواً. افتحوا الابواب باحترام لسيدات القصر
وبلقيس بنسوية عالية وبشعرية عالية ايضاً تقول
مثل مغنية قديمة
احضنك..وتطوّحنى يا عود
هي حقائق نسوية نبحث عنها في كتابات النساء الممنوعات عن البوح. وجَزِعةً هي، موجوعة، تلطم الواقع السيء بهذا الاحتجاج المؤثر
نهرٌ انا
كرهتُ عذوبتي
كم هو فاجع واقع المرأة في شرقنا العتيد والمعيب حدَّ ان يكره النهر فيه عذوبته والمرأة امتيازها اشعرتنا بلقيس بالخجل بوركت من سيدةٍ بليغة لو كل القصائد سيدتي بهذا الضوء
لا مجال، بعد هذه الاشارات العَجلة، لغض النظر عن الكتابات الجديدة. هي تحتاج الى نظرٍ متأنٍ وموضوعي، يخرج الدارس او الباحث منها بخطوط اساسية لما سيكون عليه أدب المستقبل.
اصدقائي النقاد والباحثون مدعوون لهذه المهام ذات الشأن المستقبلي. صعب عملهم، نعم. وسيجدون انفسهم في اكوام من القش، نعم. لكننا عادة نبحث عن الجواهر الضائعة وهذه ثمنها كبير، هي ثروتنا القادمة.
/5/2012 Issue 4190 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4190 التاريخ 3»5»2012
AZP09

مشاركة