حتى يطّلع الشعب – هدى سعد عبادي الفريجي

447

حتى يطّلع الشعب – هدى سعد عبادي الفريجي

لا أعرف لماذا تنثالُ على ذهني _ و أنا الآن باحثة دكتوراه في مجال القانون الجنائي – قوانين الغش التي تتعلق بالجانب العلمي الذي هو غير بعيد عمّا يجري في بلدي العراق، أو أن أشك فيما إنطوى عليه فكري حتى ألتمسُ لنفسي عذراً، أو أنْ أسطّرَ مقالة لم أبيّن فيها الا عجزي بما أريده، و أدركُ أنّ الإبداعَ في أي مجال موهبةٌ من الله تعالى يمنحها حيث ما يشاء. ولكنْ هل أستطيع أنْ أقول: إنّ هذه المسحة التأملية التي تغلّفُ عقلي المؤمن بالمعرفة الحقةِ، هي نفحة من طموحي، أو هي أثر من آثارِ الانكسار الروحي منذ أن اعتدنا مصاحبة الأغلبية من حملة الشهادات التي لا تُعْرَفُ مصادرها و لا موضوعاتها، فضلاً عن المقارنة التي لاتزال آهاتها عالقة في ذهني. و أظن أنّ الأمر لا يتعلق بمصادفة، و إنما كان ذلك مبيناً عَلى معطيات وحقائق لا تقبل الجدل.

وهذه الشهادات الفضائية- إِنْ صحت التسمية – و أنا موقنة بصحتها، هي سبب من الأسباب التي جعلتني أنطوي على نوع خاص من الإيمان، بأنْ لا يختلف إثنان على القيمة السوقية التي أهّلت صاحبها أنْ يمنحَ الشهادة العليا التي لم يهدأ أوارها على المستويين الفكري و العلمي رفضاً لا قبولاً، عندما تكون ماثلةً للعيان، أو عندما تنحاز لعقلِ الحقيقة و فضيلةِ العلم و التي تعكس جميعها محنةَ العلمِ و مصادرة مجهودات أهله؛ إما بالإهمال من قبل السلطة أو بإسباغ الهيمنة العلمية والفكرية على مناحي الحياة، حتى تكاد تفضي بِي حالة لا أستطيع عليها صبراً و لا أطيق تفسيراً- كما يقال – لكثرة حملة الشهادات العليا من المسؤولين العراقيين على كافة مستوياتهم، فأروي غلتي بكشف المستور، إمّا هباء، و إمّا لا يتيح لي إجبارياً. والمرء كثيراً ما تهيجه الذكرى و يعاوده الحنين إلى ماضيه الجميل و ترد إلى ذهنه صورة الشباب المشرقة، فيدعو لتلك الأيام العذاب، مأخوذاً بها، ناطقاً بحسرة على شبابه، و كأني به يردد ما قاله الشاعر عبيد بن الأبرص:

هلِ اللياليَ و الأيامُ راجعةٌ

أيام نحن و سلمى جيرةٌ خُلُطُ

والذكريات العذاب التي نُقشتْ على صفحة قلب أبي، و أي ذكريات هذه التي تكاد تقضي عليه أسفاً و هو يقارن بين الأمس و اليوم، و هذا كافٍ لبيانِ بواعثِ الانسان في أنه لم يفقد ذكرى أيامه الخوالي كلية فما زال يحيا ببقيةٍ منها، فهي صدى لما إنطوتْ عليه نفسه من تذكار ملأ جوانحها هذا الجهل المستشري في مجتمعنا اليوم، و هذا أمر غني عن البيان، و لا يحتاج لدليل أو برهان. إلتمستُ لنفسي عذراً، بعدما أطعتُ ضميري، فآثرتُ أنْ أقول: ما علاقة الذكرى بالعلم؟ سوؤال يلحّ عليّ وسط هذه الحالة الاستفهامية، لأقول: ما أجملَ اليوم الذي حظيتُ فيه بالنظر الى البوم صور أبي، بعد أن إستجاب استجابةً تلقائية الى ما أصابني من دهشة و بعدما راقبته في صمتٍ و حيرة، و هو يركّز نظراتهِ على صور قديمة باللونين الأبيض و الأسود، و هو لا يتوقف عن النظر إليها. واذكر بالعرفان ما زرعه ألبوم صور أبي في داخلي من إيمان لم يبرح من ذاكرتي، لأنه عبّر عما امتزج بالفؤاد من سؤال: ما علاقة الذكرى بالعلم؟ و أي ذكرى؟  ذكرى صور إمتلأ بها هذا الألبوم الذي حظيت فيه بالنظر لما فيه من صور تمتّع فيها نظري و لما فيها من معنىً و دلالة. معرض غريب في معروضاته، يقف أبي أمام بعض منها،أُقيم هذا المعرض نهاية التسعينات من القرن المنصرم بمناسبة يوم جامعة البصرة التي كانت فتية آنذاك، حت، أني لم أستطع أن أصف ما شملني من السرور و غمرني من التأمّل، لأنّ المرءَ مهما أُعطي بلاغة و وُهب فصاحة عاجزٌ عن التعبير عن فكرة هذا المعرض، رسائل ماجستير و أطروحات دكتوراه في كافة الاختصاصات، لأساتذة كليتي التربية و الآداب أو كما كانت تسمى بـ (هيئة الإنسانيات) آنذاك- عنوان الرسالة أو الأطروحة، اسم الكلية و الجامعة التي منحتها، الأستاذ المشرف، وسنة الحصول عليها. وقدّر لي أن أقرأ عناوين بعض منها مما ظهر في الصور: أطروحة بعنوان (أبو عبيدة: ناقدًا و لغوياً) للدكتور ناصر حلاوي- جامعة لندن. (الحياة و الموت في الشعر الجاهلي) للدكتور عبد اللطيف جياووك. و قد اتسمت بالشغف المعرفي حيال اختصاص كل واحد من هؤلاء و غيرهم. واستفزني الشوق الى الاطلاع على صور هذا الألبوم الذي أثار عواطفي، لذلك عرفتُ قيمة ما أنا قصدته في سوْالي بعدما تأملتُ المغزى من إقامة هذا المعرض الذي أراه فخراً على زمني. و الغريب في الأمر أنني لا أزال الى اليوم أنطوي على شعور غامض بأنّ هذا المعرض، إنَّما كان يتنبأ بما آلت اليه شهادات الكثيرين من المسؤولين الآن. و قد توسمنا في ذلك المعرض ضالتنا التي ننشدها و الغاية التي نسعى وراءها،  أو حضّ الأساتذة لطلابهم على أن يسلكوا سبيل الجدّ و الاجتهاد. وغاية رجائي، أن أخبر أبي بأني أدعو الى إقامة مثل هذا المعرض في جناح خاص من اجنحة معرض بغداد الدولي للكتاب ليتبين الزَبَدُ من المحض، رأيت إبتسامة واسعة تفترش وجهه قائلاً لي: ” مَن لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره”. لكني ظللت أسأل نفسي: كيف السبيل الى تحقيق ذلك ليطلع من آمن بهذه الشهادات دون أن يعي ماهيتها حتى لو كان موضوعها في (الدگة العشائرية) أو (التفريق بين السبح: سندلوساً كانت أم كهرباً) بعدما كثرت الآن إعلانات بيع السبح. وهذا الجناح يعرّي كثيراً ممن يكرّسون جهودهم لبناء حواجز تفصل بين الصدق و الكذب فيما نالوه من ألقاب علمية دنست العلم لكنها سرعان ما ذوت و هي بعد لم تبرح أيامها الأولى.  وأحقق رجاء من يتوجه إلى وزارة الثقافة و الاعلام بأعتبارها المسؤولة عن معارض الكتب، طالبة العون منها بعد الله على تحقيق حلمي في السنة القادمة، و يسعد قلبي، و أطمئن إلى أنّ أمنيتي بإقامة هذا المعرض قد تحققت، و يكون هذا الجناح مقاربة رائعة مدعوماً من قبل الوزارة ليكون دليلاً حياة ناطقاً و يعطي تصوراً صحيحاً في مواجهة الغش الذي ترتكبه عقول خاوية تافهة.  ولما كان الاعتراف بالجميل لهؤلاء مما يستحقونه رمزاً لحسنِ صنيعهم فحري بي أن أوجّه تحية صادقة لأبي لأَني كلما أزور معرضاً من معارض الكتب، أسترجع صور ألبومه، فتنبثق قفي ذهني زفرات أبي الحزينة المعطّرة بأنين الروح الانسانية التي كنت أشعر بها عنده، و حري بي أيضاً، أن أذكر ما مع عليه علماؤنا آنذاك بأنّ الاطلاع على مجهوداتهم الفكرية و العلمية، ما هو إلا خلاصة ما جنوه، و هم لم يقفوا عنده، إنما ازدادوا علماً و دراية.

مشاركة