حب وتخاطر – حسين حمود

548

قصتان قصيرتان

حب وتخاطر – حسين حمود

في نهار يومٍ ثلجي شديد البرودة إلتقتْ به مصادفةً أمام أحد محال التسوق. لا تعرفه ولم تره من قبل أبداً، توقفا أمام بعضهما للحظة فالتقتْ عيناهما لبرهة, ثم إستمرت في طريقها. لكنه إلتفت إليها مرةً, ثم إلتفت ثانيةً, إلا إنها لم تلتفت.ركض خلفها, لكنها كانت قد إستقلّت الحافلة. إستمر راكضاً خلف الحافلة. أحست به وهو يركض فنظرت من خلال الزجاج وإبتسمت حتى إنفراج شفتيها. أحسّت بمرح وسرور كبيرين. ثم عادت الى روعها فغطت شفتيها بحافة الكتاب الذي كانت تحمله, ورمشت عيناها.

في المساء جاء الى الكنيسة التي كانت موجودةً فيها, وهمّ بالدخول إليها. كانت تقف أمام المرآة في إحدى الغرف وبيديها شمعتان تحركهما الى الجانبين, وهي ترتّل شيئاً ما, كمن يطلب مُراداً. وفجأة أحسّت بشيئ ما, وكأنها سمعتْ همساً قادماً من جهة اليمين فالتفتتْ وهزت رأسها الى الجانبين, ثم وضعت الشمعتين على المنضدة الواقعة أمام المرآة. ثم عاودت النظر في المرآة, ففتحت فمها بدهشة غريبة, إذ لاحظت صورته المعتمة فيها, فالتفتت الى الخلف ببطء لتراه حقيقة راسخة خلف النافذة, وبصورة خاطفة أدارت وجهها وخفضت جسمها في حركة واحدة دونما سبب معروف.

في صباح اليوم التالي, وهي في الحافلة أيضاً, شاهدته مرة أخرى وهو في قمة الفرح والسعادة, يسير ويتقافز وسط مجموعة من الشبان من نفس سنّه, ويرفع لها يده اليمنى في إشارة واضحة لها. كان يحيط بالشبان عدد من العسكريين وهم يقودونهم نحو مكان ما. تفاجأت ثم إبتسمت, وبعدها نهضت من كرسيها واتجهت نحو الباب.

نزلت من الحافلة وسارت في طريق موازية للطريق التي كانت تسير عليها المجموعة. حرك كلتا يديه بما يشبه المسير العسكري, موحياً اليها بانه يساق الان الى الخدمة العسكرية, وهو في غاية السعادة, حيث يحتفي شباب روسيا بذلك اليوم, ويسمونه يوم الرجولة, إذ يتحول الفتى الى رجل, معتمدا على نفسه, وقد تجاوز الثامنة عشرة. شاركته سعادته بكل جوارحها وهي تركض على الطريق الثلجي الموازي وتتزحلق عند منحدراته, وهما يتبادلان نظرات ودودة ويبتسمان لبعضهما من تلك المسافة. توقف وخلع غطاء رأسه الأسود فرماه لها من فوق الجسر الصغير الذي عبر عليه الشبان, فالتقطته بسرور وتوقفت ليستمر هو في رحلته.

في البيت ألبست دميتها – الدب الصغير – غطاء الرأس وبدأت بمداعبته, فتارة تلاعب أنفه واخرى تقرب شفتيها من فمه وثالثة تحضنه.

مرت الأيام والشهور . كانت سنوات ثلاث يفترض أن يكمل خلالها الخدمة العسكرية, لكنه لم يعد, وهي تنتظر. وذات يوم تقربت ببطء شديد من جدار غرفتها, وهي تنظر الى الجدار, حتى توقفت وقد غمرها حزن شديد فرفعت يدها بهدوء ثم وضعت اصبعها على شفتها السفلى وهي تُمعن النظر, فتراءت لها صورته الشخصية وفي أعلاها شريط أسود وضِع بصورة مائلة. خلال دقائق معدودة تلاشت ملامح الصورة تدريجياً, حتى أصبحت بلا ملامح, لكنها عادت الى الوضوح بصورة تدريجية أيضاً, فعاد وجهه المشرق وإبتسامته الرقيقة.

في اليوم التالي ذهبت راكضة الى المكان الذي إفترقا عنده, ثم إقتربت من سياج المركز الذي تم سوقه إليه. عبرت من فوق السياج وتقدمت نحو السياج الداخلي, فتوقفت عنده , إذ لاحظت ان المكان مهجور تماماً. إحتضنت قضبان السياج والألم يعتصر قلبها ثم اجهشت بالبكاء.

مرت خمس سنوات منذ لحظة اللقاء وهي بالانتظار. وذات ليلة أمسكت دبها الصغير وهو بغطاء الرأس الأسود واضطجعت على أريكتها وداعبته, فقرصت أنفه وكأنما تسأله : وماذا بعد؟ فأحسّت بأنه أجابها, فمسّدت خديه ثم أخذته في حضنها وتشبثت بغطاء رأسه بشدةٍ وحنان يدفعانها نحو التمسك به.

ظهر فتاها في بيته وهو يتمعن بصورتها المعلقة على جدار غرفته : جميلة, فاتنة مبتسمة, تتدلى ضفيرتها الشقراء على صدرها. تذكر وقوفها في الحافلة ونظراتها وإبتسامتها العذبة له. وتذكر وداعها له.

خرج مساءً وذهب ماشياً الى الطريق الذي تسلكه حافلتها, تحيط به الأضواء الذهبية ومن تحته الثلج الناصع البياض, حتى اقترب من الجسر الذي يؤدي الى بيتها. وهناك كانت الحافلة التي تجلس فيها لوحدها تعبر الجسر نفسه وفي اللحظة نفسها التي وصل فيها. وفجأة أحسّت بهمسٍ ما, قادمٍ من جهة اليمين أيضاً, فالتفتت في تكرارٍ غريبٍ لما حدث قبل خمس سنوات. نهضت وترجلت من الحافلة ومشت على رصيف الجسر. ما هي إلا خطوات حتى وجدته واقفاً تحت الثلج المتساقط بغزارة. إلتفت إليها وهو مندهش لوجودها, فتقدم نحوها. إبتسم الاثنان وهما يقتربان نحو بعض.

توقفا أمام بعضهما برهة تحت الثلج المتساقط , ثم إرتمت في أحضانه, وكان اللقاء الذي لم يُخطط له أحد, بل حققه تبادل الخواطر بين روحيهما. كانت روحها تحسّ به عن بعد قبل أن تراه, ووجهها يلتفت يميناً كلما إقترب, فتجده أمامها.

{ القصة مستوحاة من فلم روسي قصير صامت

مشاركة