حبيب العمر وشبح كورونا

445

 

 

 

قصة قصيرة

حبيب العمر وشبح كورونا

سهام فيوري

بينما هي منهمكة في عملها وتتنقل بين المرضى المصابين بمرض كورونا ، واذا بها تلمحه بين الراقدين، هناك على سرير ليس ببعيد عنها  ، كان يتنفس بصعوبة وعدد من الأطباء حوله .. يحاولون اجراء اللازم له ، سمعت من يقول (لقد  أتوا به للتوّ ) رجل في الخمسين من عمره ، اصيب  بالوباء اللعين ، فهي لم تنتبه له قبل هذا الوقت.لكن التفاتة حانت منها جعلتها ترتد قليلا ،فشيء من تلك الملامح تعرفها ، احست بألم في صدرها .وشعور غريب دعاها الى ان تقترب من سريره .ومع اول نظرة أصابها الهلع، هو حبيبها الذي انفصلت عنه من اكثر من خمس وعشرين سنة ، لانها لاتنجب اطفالا، واختارت ان تبتعد عنه، فيما هو استسلم للأمر الواقع فتزوج وأصبحت لديه اسرة.. وسافرت هي الى بلد اخر تحمل حبه في قلبها..، لكنها الان امامه.. تنظر إليه وهي صامتة لكنه لم يعرفها لانها ترتدي الكمامة وغطاء الرأس الخاص بالكوادر الطبية  .

يا الله .. هو حبيبها ،حبيب عمرها وشبابها، الذي لم تفكر ان تتزوج غيره ، انه امامها مريض يعاني من خبث كورونا، انه وحيد ها هنا مسجى امامها .اقتربت منه ، بحثت عن سؤال تسأله له فلم تجد غير ان تقول له  بصوت مرتجف (.. هل انت وحدك ؟) ، اجابها بهزة من رأسه أي نعم.قالت لا يهم ..انا طبيبتك المختصة وسأهتم بك ، فيما كانت تصرخ في دواخلها (سأبقى معك ولن اتركك ،انا موجودة هنا وساتفرغ لك) ، عالجت كلماتها بكلمات اخرى قالتها له (لكن عليك ان تساعدني وتسمع تعليماتي) كأنها تطلب منه ان يستذكر النبرات التي يسمعها ، ما كان عليه ان يسمع شيئا لان شغله الشاغل حالته الصحية التي جعلت منه مسجى على السرير بين اجهزة التنفس ، لكنه شعر بكفها وهي تربت على كتفه ، اطمئن وشعر بشيء من الراحة .وانتابه احساس غريب. لم يعرف كنهه ، فهذه اللمسات اراحته، غاب عنه ان رعايتها خاصة به لانه يرى الجميع من الكوادر الطبية مهتمين به وبغيره ،فوضعه الصحي لا يسمح له بالنظر الى حالة استثنائية، تركته وتحولت الى مريض اخر ، لكنها سرعان ما وجدت   حبيبها يختنق، ركضت اليه لتسعفه بالأوكسجين..وجاء الطبيب الآخر  ، جرت محاولات لاسعافه ، كانت متعبة لكنها ما كانت على استعداد ان تتركه ، سمعت الطبيب يقول لها (دكتورة .. يمكنك أن ترتاحي وانا اتابع حالته) ..، إجابته (حسنا دكتور انت ابقى معه وانا سأذهب لأعثر له على متبرع لان هذا المريض يحتاج إلى بلازما من مريض كورونا متعافي.. وانا اعرف مريضا تعافى ويمكن أن نحصل منه على البلازما) . غادرت الغرفة وهي تحترق من داخلها ،واخذت تتمتم مع نفسها والدموع تملأ عينيها (لن ادعه يموت فهو حبيب عمري صحيح انهم حرموني منه  .لكن يكفيني ان اراه بخير حتى لو كان ليس معي) ، بينما هي تسير بدأت تحدث نفسها.._مالها خطواتي أصبحت ثقيلة) ، دخلت الردهة الثانية في المستشفى ووقفت حائرة وسألت إحدى الممرضات هل لديك رقم المريض الذي تعافى قبل يومين اريده ان يتبرع البلازما لمريض في الردهة الأخرى لانه تعبان ) اجابتها الممرضة بالايجاب واعطتها عنوان بيته، كتبته على قصاصة ورقية ، وما هي الا لحظات حتى خلعت الملابس الطبية وغادرت المستشفى مسرعة بسيارتها.. وعند وصولها إلى بيت المتعافي ومقابلتها له حتى كان يعلن لها امتنانه لانه تشافى بفضل رعايتها، واذ كانت تقول له (استغفر الله..الشفاء من عنده إنما نحن سبب..) طلبت منه ان يأتي معها لان هناك مريضا يحتاج ان تتبرع له بالبلازما لان فصيلة دمهما متشابهة ، ولم يجد الشاب المتعافي الا ان يكون رهن اشارتها ، وبالفعل جاءا إلى المستشفى .وحال وصولها عند الردهة ، وجدت ان مجموعة جديدة من المصابين قد وصلت المستشفى ، كان ارتباكها وقلقها انسياها ارتداء الملابس الواقية ، بل انها نسيت انه من الممكن أن تتعرض للإصابة فعقلها مشغول بتوصيل المتبرع وفعلا وصلت وتم اجراء اللازم بحقن حبيبها المصاب بالبلازما ، وحين انتبهت الى نفسها وجدت ان اعراض الوباء قد اصابتها ، وسرعان مااحاطوها زملاؤها بالرعاية مستغربين منها السهو في ارتداء ما يقيها من الوباء ، لكن حبيبها تعافى ، استرد عافيته بشكل يسمح له بالمغادرة ، ولانه كان يسمع عن اهتمام خاص من طبيبته  فقد طلب ان يشكرها قبل ان يغادر ، فكان الجواب انها تعرضت  للإصابة بكورونا بالتلامس..وهي في حالة خطرة .تألم جدا وطلب ان يراها ويشكرها واعتبر ذلك امرا ضروريا ، دلوه على مكانها ، دخل عليها وهي مسجاة على السرير وقناع جهاز الأوكسجين يغطي وجهها،وعندما رأته مقبلا عليها رفعت جهاز الأوكسجين ، تقدم منها بخطوات وئيدة ، كانت تبتسم له ، اصيب بصدمة وهو يراها، عرفها على الفور ، يا الله .. انها حبيبته قبل اكثر من خمسة وعشرين عاما ، اية مصادفة هذه، وقف امامها والدموع في عينيه ، لم يجد كلاما يقوله لها غير تلك الدموع ، لكنه قال لها معاتبا…

اين كنت لماذا اختفيت ..انتظرتك لنعيش معا بعد أن أقنعت اهلي بانني لا استطيع ان اعيش من دونك ،لم أكن اريد الاولاد، اردتك انت فقط) ، إجابته والدموع في عينيها..(المهم انك بخير ) قالت له (مناعتي ضعيفة لاني اشكو من صعف بالقلب..حبك أضعف قلبي..لانهم حرموني منك. ، لم اتزوج وعشت على ذكراك )، طلبت  منه يقترب منها، همست له انها سعيدة ان تموت ووجهه اخر وجه تراه ، كان يقول لها (لا .. لن ترحلي سوف اعمل المستحيل لكي تعيشي.سابحث لك عن متبرع..) اشارت له ان لا فائدة.. لانها تعرف وضعها الصحي ، .طلبت منه أن يحضنها.. وحين حضنها همست في أذنه (احبك..) اسدلت ستار عينيها وهي تبتسم بين احضانه .

مشاركة