حبر ودم (13) – حسن النواب

242

كلام صريح

أدباء‭ ‬معتقلون

مشهد‭ ‬داخلي؛‭ ‬المكان‭ ‬قاعة‭ ‬محكمة‭ ‬خاصَّة؛‭ ‬الوقت‭ ‬ظهراً؛‭ ‬تتحرَّك‭ ‬الكاميرا‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬ثلاث‭ ‬قضاة‭ ‬بوجوه‭ ‬متجهِّمة‭ ‬وصارمة؛‭ ‬‏ثُمَّ‭ ‬تنتقل‭ ‬الكاميرا‭ ‬إلى‭ ‬رجلٍ‭ ‬نحيف‭ ‬يقف‭ ‬في‭ ‬داخل‭ ‬القفص‭ ‬وبملابس‭ ‬ممزَّقة؛‭ ‬يسألهُ‭ ‬القاضي‭ ‬بسخرية:

‭ ‬أنت‭ ‬أديب‭ ‬لو‭ ‬تاجر‭ ‬سلاح؟

‭ ‬أديب‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي

‭ ‬لعد‭ ‬شنو‭ ‬قضية‭ ‬المسدَّس؟

‭ ‬يا‭ ‬مسدَّس‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي؟

‭ ‬المسدَّس‭ ‬اللي‭ ‬بعته‭ ‬على‭ ‬مجرم؛‭ ‬حتَّه‭ ‬يكتل‭ ‬الرفيق‭ ‬الحزبي

‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي؛‭ ‬آني‭ ‬بحياتي‭ ‬ما‭ ‬لازم‭ ‬مسدَّس‭ ‬بأيدي

‭ ‬لا‭ ‬تكذب؛‭ ‬أنتو‭ ‬أدباء‭ ‬مدينة‭ ‬صدّام‭ ‬كلكم‭ ‬مشكوك‭ ‬بولائكم‭ ‬للحزب‭ ‬والقائد

‭ ‬يتداول‭ ‬القاضي‭ ‬مع‭ ‬مستشاريه‭ ‬للحظات‭ ‬ثُمًّ‭ ‬يهتف:

‭ ‬قرار‭ ‬الحكم؛‭ ‬قرَّرت‭ ‬المحكمة‭ ‬الخاصَّة‭ ‬على‭ ‬المجرم‭ ‬حميد‭ ‬جاسم‭ ‬المختار‭ ‬بالحبس‭ ‬لمدة‭..‬

تنتقل‭ ‬الكاميرا‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬حميد‭ ‬المختار‭ ‬الذي‭ ‬تظهر‭ ‬على‭ ‬ملامحه‭ ‬ابتسامة‭ ‬ذابلة‭…‬

قطع

مشهد‭ ‬داخلي،‭ ‬الوقت‭ ‬مساءً،‭ ‬المكان‭ ‬غرفة‭ ‬في‭ ‬المخابرات‭ ‬العامة؛‭ ‬يظهر‭ ‬رجل‭ ‬بشعر‭ ‬أشيب‭ ‬واقفاً‭ ‬بيدين‭ ‬موثوقتين‭ ‬أمام‭ ‬المحقِّق‭ ‬الذي‭ ‬يجلس‭ ‬خلف‭ ‬مكتبه؛‭ ‬يُدخِّن‭ ‬بارتياح‭ ‬وهو‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلته:

‭ ‬أنته‭ ‬بعثي؟

‭ ‬لا‭ ‬سيدي

‭ ‬ليش‭ ‬ما‭ ‬صرتْ‭ ‬بعثي؟

‭ ‬سيدي؛‭ ‬أنا‭ ‬كرّستْ‭ ‬حياتي‭ ‬للأدب

‭ ‬آني‭ ‬مستغرب‭ ‬شلونْ‭ ‬خلَّوك‭ ‬مسؤول‭ ‬الصفحة‭ ‬الثقافية‭ ‬بجريدة‭ ‬الجمهورية‭ ‬وأنته‭ ‬مو‭ ‬بعثي؟

ينفث‭ ‬المحقِّق‭ ‬دخان‭ ‬سيجارته‭ ‬بوجه‭ ‬الرجل‭ ‬الأشيب‭ ‬ويسألهُ:

‭ ‬تعرف‭ ‬ليش‭ ‬أنته‭ ‬هنا؟

‭ ‬لا‭ ‬والله‭ ‬سيدي

‭ ‬الأفضل‭ ‬أنْ‭ ‬تعترفْ

‭ ‬أعترف‭ ‬على‭ ‬شنو‭ ‬سيدي؟

‭ ‬منو‭ ‬من‭ ‬الأدباء‭ ‬اللي‭ ‬تشك‭ ‬بولائهم‭ ‬للسيد‭ ‬الرئيس‭ ‬الله‭ ‬يحفظه؟

‭ ‬يبقى‭ ‬الرجل‭ ‬الأشيب‭ ‬صامتاً‭ ‬فيواصل‭ ‬المحقِّق‭ ‬كلامه‭..‬

‭ ‬لازم‭ ‬الضيافة‭ ‬عجبتك‭ ‬هنا؟

‭ ‬ضيافة‭ ‬محترمة‭ ‬سيدي

‭ ‬حضرتك‭ ‬تستهزئ؟

‭ ‬أبداً‭ ‬سيدي

‭ ‬شوف‭ ‬عبد‭ ‬الزهرة‭ ‬زكي؛‭ ‬انته‭ ‬مراح‭ ‬تشوف‭ ‬الضوه‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تعترف؟‭ ‬حرس‭ ‬تعال‭ ‬رجْعَه‭ ‬للقبو‭.. ‬

قطع

مشهد‭ ‬داخلي؛‭ ‬الوقت‭ ‬ظهراً؛‭ ‬المكان‭ ‬قاعة‭ ‬محكمة،‭ ‬تتحرك‭ ‬الكاميرا‭ ‬على‭ ‬رجل‭ ‬بملابس‭ ‬رثَّة،‭ ‬يقف‭ ‬قلقاً‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬أمام‭ ‬أحد‭ ‬القضاة‭ ‬الذي‭ ‬يسألهُ‭ ‬غاضباً:

‭ ‬‏‭ ‬التقرير‭ ‬المكتوب‭ ‬ضدَّك‭ ‬مو‭ ‬بصالحك‭ ‬مطلقاً

‭ ‬ممكن‭ ‬أعرف‭ ‬ما‭ ‬مكتوب‭ ‬بالتقرير‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي؟

‭ ‬تعرف‭ ‬انته‭ ‬لسانك‭ ‬طويل؛‭ ‬حضرة‭ ‬جنابك‭ ‬الكسيف‭ ‬متعرف‭ ‬شنو‭ ‬جريمتك؟

‭(‬بقية‭ ‬المقال‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬الزمان‭)‬

‭ ‬لا‭ ‬والله‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي

‭ ‬إيوائك‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬المعارضة

‭ ‬مستحيل‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي

‭ ‬لا‭ ‬تنكر؛‭ ‬أنته‭ ‬مستضيف‭ ‬في‭ ‬بيتك‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬جماعة‭ ‬الوفاق‭ ‬الوطني

‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬استضيف‭ ‬في‭ ‬بيتي‭ ‬سيادة‭ ‬القاضي

‭ ‬أسكت؛‭ ‬واسمع‭ ‬قرار‭ ‬الحكم‭.. ‬حكمت‭ ‬المحكمة‭ ‬الخاصَّة‭ ‬على‭ ‬المجرم‭ ‬شوقي‭ ‬كريم‭ ‬حسن‭ ‬بالسجن‭ ‬لمدة‭.. ‬تنتقل‭ ‬الكاميرا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬شوقي‭ ‬الذي‭ ‬اعتراهُ‭ ‬الإجهاد‭ ‬وغزاهُ‭ ‬الألم‭..‬

قطع‭…‬

مشهد‭ ‬داخلي؛‭ ‬الوقت‭ ‬الضحى؛‭ ‬المكان‭ ‬معتقل‭ ‬الرضوانية؛‭ ‬تدور‭ ‬الكاميرا‭ ‬على‭ ‬قاعة‭ ‬واسعة‭ ‬‏مُكتظَّة‭ ‬بالمعتقلين‭ ‬الذين‭ ‬يظهرونَ‭ ‬بحالةٍ‭ ‬مأساوية؛‭ ‬تُفتح‭ ‬باب‭ ‬القاعة‭ ‬ويدفع‭ ‬أحد‭ ‬الحرَّاس‭ ‬برجلٍ‭ ‬‏مرعوبٍ‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬القاعة،‭ ‬فيسقط‭ ‬على‭ ‬المعتقلين‭ ‬الذين‭ ‬يحاولون‭ ‬أنْ‭ ‬يفسحوا‭ ‬له‭ ‬مكاناً‭ ‬‏للجلوس؛‭ ‬يبقى‭ ‬الرجل‭ ‬صامتاً‭ ‬للحظات؛‭ ‬يجوبُ‭ ‬بناظريه‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬القاعة؛‭ ‬ثُمَّ‭ ‬يقول‭ ‬بنبرة‭ ‬‏خائفة:

‭ ‬أخوان‭ ‬ما‭ ‬عدكم‭ ‬جكارة؟

يقدِّم‭ ‬أحد‭ ‬المعتقلين‭ ‬نصف‭ ‬سيجارة‭ ‬إلى‭ ‬الرجل،‭ ‬يُدَّخنها‭ ‬بنهم‭ ‬وبيد‭ ‬مرتعشة،‭ ‬وهنا‭ ‬يسألهُ‭ ‬‏معتقل‭ ‬آخر‭ ‬بهدوء:

‭ ‬أشوفك‭ ‬كِلِّش‭ ‬مرتبك؟

‭ ‬أوّل‭ ‬مرَّة‭ ‬بحياتي‭ ‬أدخل‭ ‬للمعتقل

‭ ‬جابوك‭ ‬لأنْ‭ ‬مشترك‭ ‬بالانتفاضة؟

‭ ‬لا

‭ ‬شنو‭ ‬جريمتك؟

‭ ‬ما‭ ‬أعرف

‭ ‬إنته‭ ‬اشتشتغل؟

‭ ‬صحفي

‭ ‬يا‭ ‬جماعة‭ ‬الأخ‭ ‬صحفي؛‭ ‬وما‭ ‬يعرف‭ ‬ليش‭ ‬جابوه‭ ‬لهنا؟

تُفتح‭ ‬باب‭ ‬القاعة‭ ‬ويدخل‭ ‬أحد‭ ‬الحراس‭ ‬وينادي‭ ‬بصوت‭ ‬مرتفع:

‭ ‬منو‭ ‬ضرغام‭ ‬هاشم؟

ينهض‭ ‬الرجل‭ ‬المرعوب‭ ‬قائلاً:

‭ ‬نعم

‭ ‬تعال‭ ‬بسرعة

يخرج‭ ‬ضرغام‭ ‬هاشم‭ ‬ويُغلق‭ ‬باب‭ ‬القاعة؛‭ ‬يدور‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬المعتقلين‭..‬‏

معتقل‭ ‬1:‭ ‬المسكين‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬سبب‭ ‬اعتقاله

معتقل‭ ‬2:‭ ‬حتَّه‭ ‬الصحفيين‭ ‬ما‭ ‬خلصوا‭ ‬‏

معتقل‭ ‬3:‭ ‬هذا‭ ‬الصحفي‭ ‬يشتغل‭ ‬بمجلة‭ ‬حراس‭ ‬الوطن

معتقل1:‭ ‬شلون‭ ‬عرفتْ‏

معتقل3:‭ ‬شايف‭ ‬صورته‭ ‬بالمجلة؛‭ ‬من‭ ‬جنت‭ ‬أقره‭ ‬مقالاته‭ ‬بجبهة‭ ‬الحرب

فجأةً‭ ‬يسمع‭ ‬المعتقلون‭ ‬رشقة‭ ‬رصاص‭ ‬وصرخة‭ ‬ضرغام‭ ‬هاشم؛‭ ‬فيلطم‭ ‬أحد‭ ‬المعتقلين‭ ‬براحة‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬جبينهِ‭ ‬مُتأسِّفاً‭ ‬ويهمسُ‭ ‬بخوف:

‭ ‬عدموه

قطع‭…‬‏‬

‭ ‬

‭ ‬

مشاركة