جيلنا .. وأحلام غير منتهية الصلاحية- فاطمة وكيلي

517

فاطمة وكيلي

ما‭ ‬أن‭ ‬أنهيت‭ ‬قراءة‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬غير‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية‭.. ‬في‭ ‬وصف‭ ‬حالنا‮»‬‭ ‬حتى‭ ‬أحسست‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الحرقة‭ ‬والألم،‭ ‬خاصة‭ ‬وأن‭ ‬السياق‭ ‬العالمي‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬الكوروني‭ ‬الحزين‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬قسوة‭ ‬الأشياء‭ ‬والمحكيات‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬هي‭ ‬مقالات‭ ‬ممتدة‭ ‬على‭ ‬حوالي‭ ‬24‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الصحافي‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬الصديق‭ ‬المبدع‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬من‭ ‬أسبوعية‭ ‬‮«‬الزمن‮»‬‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬كتابات‭ ‬أقلام‭ ‬وازنة‭ ‬كمحمد‭ ‬سبيلا‭ ‬وبنسالم‭ ‬حميش‭ ‬ومحمد‭ ‬ضريف‭ ‬وفاتحة‭ ‬الطايب‭ ‬وغيرهم،‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الصحيفة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬جسدت‭ ‬طموحات‭ ‬مرحلة‭ ‬زاخرة،‭ ‬ف»الأخبار‭ ‬المغربية‮»‬‭ ‬و»الأسبوعية‭ ‬الجديدة‮»‬‭ ‬ف»المشعل‮»‬‭.. ‬حتى‭ ‬ضربه‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬الصحافة‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬منابر‭ ‬عديدة‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬المغرب،‭ ‬معظمها‭ ‬كان‭ ‬افتتاحيات‭ ‬أو‭ ‬مقالات‭ ‬تحليلية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬حاسمة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬المغربي،‭ ‬مرحلة‭ ‬حارقة‭ ‬ومفصلية‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬قرن‭ ‬وميلاد‭ ‬آخر‭ ‬بأوجاع‭ ‬مخاضه‭ ‬وأحلامه‭ ‬وخيباته‭ ‬وبقوة‭ ‬الأمل‭ ‬الذي‭ ‬حرر‭ ‬الطاقات‭ ‬المغربية‭ ‬والأخيلة‭ ‬وسط‭ ‬النخب‭ ‬وبينهم‭ ‬الصحافيين،‭ ‬ومع‭ ‬نهاية‭ ‬عهد‭ ‬قديم‭ ‬وميلاد‭ ‬عهد‭ ‬جديد،‭ ‬بقلقه‭ ‬وأمله،‭ ‬بسواده‭ ‬وبياضه،‭ ‬بأساطيره‭ ‬ومحكياته،‭ ‬بحقائقه‭ ‬وأكاذيبه‭ ‬أيضا‭.. ‬

حين‭ ‬نقرأها‭ ‬اليوم‭ ‬نحس‭ ‬بذات‭ ‬الوجع‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬كاتبها‭ ‬لحظة‭ ‬ميلادها،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحافية‭ ‬خاصة‭ ‬الافتتاحيات‭ ‬هي‭ ‬بنت‭ ‬زمنها،‭ ‬والخلود‭ ‬ليس‭ ‬أحد‭ ‬خصائصها‭ ‬والموت‭ ‬ألذ‭ ‬مرافقيها،‭ ‬لأنها‭ ‬مرتهنة‭ ‬بما‭ ‬تعبر‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬كتبت‭ ‬فيها،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تهتم‭ ‬بما‭ ‬شغل‭ ‬جلجامش‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬عشبة‭ ‬الخلود،‭ ‬إنها‭ ‬ابنة‭ ‬اليومي‭ ‬والعابر‭ ‬والمار‭ ‬في‭ ‬الزمن،‭ ‬فكيف‭ ‬لمقال‭ ‬صحافي‭ ‬يترصد‭ ‬حالة‭ ‬عابرة‭ ‬أو‭ ‬حدثا‭ ‬عرضيا‭ ‬أو‭ ‬سلوكا‭ ‬سياسيا‭ ‬أن‭ ‬يخلد‭ ‬في‭ ‬الزمن؟‭ ‬والصحافة‭ ‬عرضية،‭ ‬زائلة،‭ ‬كتاباتها‭ ‬بضاعة‭ ‬سريعة‭ ‬التلف‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬للتخزين؟‭ ‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يستبد‭ ‬بنا‭ ‬ونحن‭ ‬نعيد‭ ‬قراءة‭ ‬مقالات‭ ‬الصحافي‭ ‬والكاتب‭ ‬المغربي‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬مجتمعة‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬غير‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬أن‭ ‬قرأنا‭ ‬معظمها‭ ‬أو‭ ‬بعضا‭ ‬منها‭ ‬متفرقا،‭ ‬على‭ ‬مساحة‭ ‬زمنية‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬أين‭ ‬تنتهي‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحافية‭ ‬وأين‭ ‬يبدأ‭ ‬التاريخ؟‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬الحدث‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الواقعة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المرصودة‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬عنها‭ ‬وتدوينها،‭ ‬أي‭ ‬تقييدها،‭ ‬لأن‭ ‬الكتابة‭ ‬قيد‭ ‬والذاكرة‭ ‬مجرد‭ ‬قنص؟‭ ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬اللغة‭ ‬الإمساك‭ ‬بحرقة‭ ‬الوقائع‭ ‬والأحداث‭ ‬الجارية‭ ‬دون‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬التصرف‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬حضرة‭ ‬الكلمات؟‭ ‬كيف‭ ‬لمقال‭ ‬كُتب‭ ‬عام‭ ‬1996‭ ‬أن‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬بدمه‭ ‬ولحمه‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭ ‬بكثير‭ ‬كما‭ ‬أتوقع‭.. ‬كأن‭ ‬الحبر‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬زال‭ ‬طريا‭ ‬لم‭ ‬يجف‭ ‬بعد،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬الأحداث‭ ‬التي‭ ‬يترصدها‭ ‬لا‭ ‬زالت‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬بيننا‭ ‬كأن‭ ‬الواقع‭ ‬ما‭ ‬تغير‭ ‬بالشكل‭ ‬الفجائي‭ ‬الانقلابي؟

يبدو‭ ‬الكاتب‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬مستشعرا‭ ‬للغز‭ ‬الأسئلة‭ ‬المطروحة‭ ‬أعلاه،‭ ‬لذلك‭ ‬أورد‭ ‬في‭ ‬تقديمه‭ ‬للكتاب‭: ‬‮«‬حين‭ ‬كنت‭ ‬أخط‭ ‬هذه‭ ‬الكتابات‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أفكر‭ ‬يوما‭ ‬في‭ ‬إصدارها‭ ‬مجتمعة‭ ‬في‭ ‬كتاب،‭ ‬كانت‭ ‬وليدة‭ ‬اللحظة‭ ‬السياسية‭ ‬والصحافية‭ ‬التي‭ ‬أملت‭ ‬كتابتها،‭ ‬فالمقال‭ ‬الافتتاحي‭ ‬هو‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬من‭ ‬قضية‭ ‬ومحاولة‭ ‬فهم‭ ‬حدث‭ ‬أو‭ ‬واقعة،‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يهمه‭ ‬الخلود،‭ ‬لأنه‭ ‬مشروط‭ ‬براهن‭ ‬كتابته،‭ ‬لكن‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يبقى‭ ‬صامدا،‭ ‬هل‭ ‬لأن‭ ‬الواقع‭ ‬لم‭ ‬يتغير‭ ‬كثيرا،‭ ‬أم‭ ‬لأن‭ ‬عمق‭ ‬الكتابة‭ ‬بكل‭ ‬الوجع‭ ‬المصاحب‭ ‬لها‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬الميكانيزمات‭ ‬المحركة‭ ‬للأحداث‭ ‬والوقائع؟‮»‬‭.. ‬

يلتقط‭ ‬المرحوم‭ ‬صاحب‭ ‬قصة‭ ‬‮«‬الفاركونيط‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬معطف‭ ‬‮«‬غوغل‮»‬‭ ‬الروسي‭ ‬التي‭ ‬أتى‭ ‬منها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المبدعين،‭ ‬وأخال‭ ‬أن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬أحدهم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الصحافة‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقره‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬مفتتح‭ ‬كتابه،‭ ‬يلتقط‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬السحيمي‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬بطريقته‭ ‬الماكرة‭ ‬في‭ ‬شهادة‭ ‬حول‭ ‬كتابات‭ ‬كوكاس‭ ‬الصحافية‭ ‬بنباهة‭ ‬حين‭ ‬يقول‭:‬‮»‬لا‭ ‬أدري‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬معجم‭ ‬تستقي‭ ‬كلماتك‭ ‬المرحة‭ ‬وهذه‭ ‬التعابير‭ ‬التي‭ ‬ترشح‭ ‬بحيوية‭ ‬نادرة،‭ ‬حتى‭ ‬وهي‭ ‬ترصد‭ ‬أحزاننا‭ ‬وسقطاتنا‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬رشاقتها‭ ‬وحبورها‭ ‬الأدبي،‭ ‬ظللت‭ ‬أداوم‭ ‬على‭ ‬تتبع‭ ‬كتاباتك‭ ‬كحبات‭ ‬الدواء‭ ‬اللازم‭ ‬لتوازني‭ ‬الوجودي،‭ ‬وها‭ ‬أنا‭ ‬أصبحت‭ ‬مدمنا‭ ‬على‭ ‬كلماتك‭ ‬الأنيقة‭.. ‬لو‭ ‬تدرك‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حد‭ ‬أصبحت‭ ‬دائي‭ ‬الضروري‭ ‬للاستمرار‭ ‬في‭ ‬التفاؤل‮»‬‭. ‬نحن‭ ‬أمام‭ ‬كتابة‭ ‬صحافية‭ ‬متعددة‭ ‬الأبعاد،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬فرادتها‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الكاتب‭ ‬يحفر‭ ‬له‭ ‬أسلوبا‭ ‬خاصا‭ ‬في‭ ‬الافتتاحية‭ ‬والمقال‭ ‬التحليلي‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كبار‭ ‬الكتاب‭ ‬الصحافيين‭ ‬المغاربة،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬أمام‭ ‬نص‭ ‬سياسي‭ ‬به‭ ‬وقائع‭ ‬وأخبار‭ ‬وأحداث‭ ‬جارية،‭ ‬وفيه‭ ‬تحليل‭ ‬صحافي‭ ‬برؤية‭ ‬سياسية‭ ‬متفردة‭ ‬وذات‭ ‬عمق‭ ‬ويرتكز‭ ‬إلى‭ ‬خلفية‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬غبار‭ ‬عليها‭ ‬باحتراف‭ ‬مهني‭ ‬مشهود‭ ‬لصاحبه‭ ‬به،‭ ‬وأمام‭ ‬نص‭ ‬تاريخي‭ ‬مليء‭ ‬بأحداث‭ ‬كبرى‭ ‬العديد‭ ‬منا‭ ‬كانوا‭ ‬شهودا‭ ‬عليها،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تمد‭ ‬الأجيال‭ ‬الحاضرة‭ ‬والقادمة‭ ‬بمعطيات‭ ‬عن‭ ‬مرحلة‭ ‬تاريخية‭ ‬ملتهبة‭ ‬خلال‭ ‬عقدين‭ ‬ونصب‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬المغربي‭ ‬المعاصر،‭ ‬وقائع‭ ‬مكثفة‭ ‬عاش‭ ‬الإعلامي‭ ‬كوكاس‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬أو‭ ‬كان‭ ‬شاهدا‭ ‬عليها‭ ‬يلتقط‭ ‬من‭ ‬العابر‭ ‬واللحظي‭ ‬ما‭ ‬يؤثث‭ ‬به‭ ‬المسودة‭ ‬الأولى‭ ‬للتاريخ،‭ ‬كما‭ ‬يقال‭ ‬عادة‭ ‬عن‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحافية‭ ‬الصادقة‭.. ‬ونحن‭ ‬أيضا‭ ‬أمام‭ ‬نص‭ ‬أدبي‭ ‬يحتفي‭ ‬باللغة‭ ‬وغواية‭ ‬انزياحاتها،‭ ‬لأن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬صائد‭ ‬كلمات‭ ‬وباحث‭ ‬جيد‭ ‬عن‭ ‬العبارات‭ ‬الأنيقة‭ ‬التي‭ ‬يكسو‭ ‬بها‭ ‬جيد‭ ‬الأحداث‭ ‬والأفكار‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬التعبير‭ ‬عنها‭.. ‬إننا‭ ‬أمام‭ ‬توليفة‭ ‬جميلة‭ ‬تجمع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬السياسي‭ ‬ورصد‭ ‬الوقائع‭ ‬ومتابعة‭ ‬الأخبار‭ ‬وكشف‭ ‬خلفيات‭ ‬السلوك‭ ‬السياسي‭ ‬والثقافي‭ ‬لمختلف‭ ‬الفاعلين‭ ‬أو‭ ‬الظواهر‭ ‬المعالجة،‭ ‬هذا‭ ‬المنحى‭ ‬أجمعت‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬الشهادات‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬غير‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية‮»‬،‭ ‬تقول‭ ‬الباحثة‭ ‬زهرة‭ ‬العسلي‭: ‬‮«‬كوكاس‭ ‬مشاكس‭ ‬دوما،‭ ‬كتاباته‭ ‬الصحافية‭ ‬تُقيم‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬فخاخ‭ ‬الخطر،‭ ‬إذ‭ ‬ظل‭ ‬ينتصر‭ ‬لقيم‭ ‬الحرية‭ ‬والديمقراطية‭.. ‬زاوج‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬الصحافية‭ ‬بين‭ ‬المتعة‭ ‬والفائدة‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬إنقاذ‭ ‬اللغة‭ ‬الصحافية‭ ‬من‭ ‬بلادة‭ ‬اليومي‭ ‬وسطوة‭ ‬العابر،‭ ‬حيث‭ ‬منحها‭ ‬قدرا‭ ‬غير‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬الإبداعي‭.. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬يهرب‭ ‬أحلامه‭ ‬ومشاريعه‭ ‬الأدبية‭ ‬دوما‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬القراء‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ابتلعته‭ ‬دروب‭ ‬الصحافة‭.. ‬فقدنا‭ ‬في‭ ‬كوكاس‭ ‬غزارة‭ ‬إنتاج‭ ‬أدبي‭ ‬جميل،‭ ‬لكنه‭ ‬عوضنا‭ ‬بكتابة‭ ‬صحافية‭ ‬مبدعة‭ ‬حقا‭.. ‬ويسير‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬المنحى‭ ‬الراحل‭ ‬عبد‭ ‬الجبار‭ ‬السحيمي‭ ‬والروائي‭ ‬عبد‭ ‬القادر‭ ‬الشاوي‭ ‬ومحمد‭ ‬الساسي‭ ‬الذي‭ ‬قال‭: ‬‮«‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كوكاس‭ ‬مبدع‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صحافيا‭ ‬وظل‭ ‬يمارس‭ ‬الكتابة‭ ‬الصحافية‭ ‬بنفس‭ ‬إبداعي‭.. ‬إنه‭ ‬قلم‭ ‬جيد،‭ ‬صحافي‭ ‬ذكي،‭ ‬مرح،‭ ‬سديد،‭ ‬لمّاح،‭ ‬منصت‭ ‬ومتتبع‭ ‬جيد‭ ‬لما‭ ‬يحدث،‭ ‬وملم‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية،‭ ‬حاضر‭ ‬باستمرار‭ ‬بكتاباته‭.. ‬وتحليلاته‭ ‬الصحافية‭ ‬العميقة‭ ‬ظلت‭ ‬سندا‭ ‬للسياسيين‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬مجريات‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭.. ‬عندما‭ ‬تقرأ‭ ‬كتابات‭ ‬الأستاذ‭ ‬كوكاس‭ ‬الصحافية‭ ‬تحس‭ ‬أنها‭ ‬تجمع‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الإشراق‭ ‬الإبداعي‭ ‬والمتابعة‭ ‬الدقيقة‭ ‬للأخبار‭ ‬وتحليل‭ ‬الوقائع‮»‬‭. ‬

إن‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬أحلام‭ ‬غير‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية‮»‬‭ ‬يبدو‭ ‬مطابقا‭ ‬لما‭ ‬تعبر‭ ‬عنه‭ ‬المقالات‭ ‬الصحافية‭ ‬التي‭ ‬يتضمنها،‭ ‬أحلام‭ ‬أجيال‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬والانعتاق‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭ ‬ورؤية‭ ‬مغرب‭ ‬يتقدم‭ ‬ومواطنوه‭ ‬ينعمون‭ ‬بالعيش‭ ‬المشترك‭ ‬تحت‭ ‬فيء‭ ‬شجرته‭ ‬الوارفة‭ ‬الظلال‭.. ‬مختلفون،‭ ‬متنوعون،‭ ‬أحرار‭ ‬وبناة‭ ‬لوطنهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المساواة‭ ‬والحرية‭ ‬والكرامة‭ ‬والعدالة‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬التنمية‭.. ‬إنها‭ ‬ستظل‭ ‬أحلاما‭ ‬غير‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية،‭ ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬تحقق‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬ولكن‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الانفتاح‭ ‬السياسي‭ ‬يزداد‭ ‬الضغط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لتعزيز‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الحقوق‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬يطمح‭ ‬أبناؤه‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬الديمقراطية‭ ‬فيه‭ ‬مجرد‭ ‬أمل‭ ‬نغازله‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬مثل‭ ‬سراب‭ ‬الصحاري‭. 

مشاركة