جيفري‭ ‬إبستين‭ ‬في‭ ‬العراق

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

قال‭ ‬لي‭ ‬انّ‭ ‬كارثة‭ ‬ستحدث‭ ‬لو‭ ‬جرى‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬أسماء‭ ‬مسؤولين‭ ‬وسياسيين‭ ‬عراقيين‭ ‬في‭ ‬ملفات‭ ‬فضائح‭ ‬جيفري‭ ‬ابستين‭.‬

الرجل‭ ‬يعيش‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاماً‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬أوربي،‭ ‬ويشهد‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬استقالة‭ ‬وزير‭ ‬فيه‭ ‬إذا‭ ‬لحقت‭ ‬بسمعته‭ ‬أبسط‭ ‬شائبة،‭ ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يطلبوا‭ ‬منه‭ ‬الاستقالة،‭ ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬نظرة‭ ‬الرجل‭ ‬للكوكب‭ ‬العراقي‭ ‬الخاص‭ ‬من‭ ‬منظار‭ ‬غريب‭ ‬مقحم،‭ ‬ليست‭ ‬لها‭ ‬علاقة‭ ‬بالنوع‭ ‬السياسي‮»‬‭ ‬النادر‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬العراقية‭ ‬ويحكم‭ ‬الملايين‭ ‬فوقها‭ ‬ويلعب‭ ‬بالمليارات‭ ‬شمالاً‭ ‬وجنوباً‭.‬

لا‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬مواصفات‭ ‬التقاليد‭ ‬السياسية‭ ‬العالمية‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يطبق‭ ‬في‭ ‬البلد،‭ ‬فالعراق‭ ‬اليوم‭ ‬خارج‭ ‬المنظومة‭ ‬المعتادة،‭ ‬انه‭ ‬جملة‭ ‬اعتراضية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬نص‭ ‬غير‭ ‬مكتمل،‭ ‬والغريب‭ ‬انّ‭ ‬الجملة‭ ‬الاعتراضية‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعترض‭ ‬عليها‭ ‬وباتت‭ ‬تنسجم‭ ‬مع‭ ‬السياق،‭ ‬فالسياسيون‭ ‬المُعاقبون‭ ‬بعقوبات‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬الامريكية‭ ‬يعتلون‭ ‬أعلى‭ ‬المناصب،‭ ‬والسياسيون‭ ‬الموصومون‭ ‬بعقوبات‭ ‬الإرهاب‭ ‬الامريكية‭ ‬كانوا‭ ‬ومازالوا‭ ‬يتمتعون‭ ‬بالحفاوة‭ ‬اين‭ ‬ما‭ ‬حضروا،‭ ‬وتتغنى‭ ‬بعض‭ ‬الأحزاب‭ ‬بأسمائهم‭ ‬وذكرياتهم‭ ‬ومنجزاتهم‭. ‬والذين‭ ‬يعلنون‭ ‬جهاراً‭ ‬الولاء‭ ‬لدول‭ ‬أخرى‭ ‬يقودون‭ ‬مفاصل‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الداخلي‭ ‬ويسوقون‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬الخيانة‭ ‬الوطنية‭ ‬الشرعية‮»‬‭. ‬وسارقو‭ ‬البنوك‭ ‬أو‭ ‬مؤسسو‭ ‬البنوك‭ ‬الوهمية‭ ‬والمتمتعون‭ ‬بالامتيازات‭ ‬الضاربة‭ ‬عرض‭ ‬الدستور‭ ‬والقوانين‭ ‬يمارسون‭ ‬أدوار‭ ‬التمثيل‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬المواسم‭ ‬الانتخابية‭ ‬وينالون‭ ‬التكريم‭ ‬تلو‭ ‬التكريم‭ ‬بإعادة‭ ‬انتخابهم‭.‬

أمّا‭ ‬السرقات‭ ‬الكبرى‭ ‬والموظفون‭ ‬الفضائيون‭ ‬وأولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يقبضون‭ ‬نهاية‭ ‬كل‭ ‬شهر‭ ‬خمسة‭ ‬او‭ ‬أربعة‭ ‬او‭ ‬ثلاثة‭ ‬رواتب‭ ‬رسمية‭ ‬ومشرعنة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬صفحات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬اللفظي‭ ‬والتعبوي‭ ‬لكل‭ ‬طاقم‭ ‬يعتلي‭ ‬منصة‭ ‬الحكم،‭ ‬اذ‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬مستلزمات‭ ‬الصعود‭ ‬على‭ ‬الخشبة‭ ‬ان‭ ‬يؤدي‭ ‬تلك‭ ‬الوصلة‭ ‬المملة‭ ‬ثم‭ ‬يتوارى‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬الملفات‭ ‬الثقيلة‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬ان‭ ‬يجد‭ ‬أحداً‭ ‬يحاسبه‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬وتعهد‭ ‬به‭. ‬كل‭ ‬العهود‭ ‬تذهب‭ ‬بولة‭ ‬في‭ ‬شط‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المعيار‭ ‬النهائي‭ ‬لممارسي‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭.‬

فماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضيف‭ ‬جيفري‭ ‬ابستين‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحريك‭ ‬عود‭ ‬ثقاب‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬المتراكب‭ ‬والراكب،‭ ‬والمرتكب،‭ ‬والمركوب،‭ ‬والمرتبك‭.‬

قد‭ ‬يبدو‭ ‬جيفري‭ ‬ابستين‭ ‬أهون‭ ‬مصائبنا‭ ‬لو‭ ‬اكتشفوا‭ ‬ان‭ ‬له‭ ‬ملفا‭ ‬عراقيا،‭ ‬فقد‭ ‬سبقه‭ ‬مَن‭ ‬يعيش‭ ‬بيننا‭ ‬وتعايشنا‭ ‬معه‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬التوافقات‭ ‬تارة‭ ‬والدستور‭ ‬تارة‭ ‬أخرى‭ ‬والضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬تارة‭ ‬ثالثة،‭ ‬وهم‭ ‬قائمة‭ ‬طويلة‭ ‬ربّما‭ ‬تبدأ‭ ‬بجيفري‭ ‬أبو‭ ‬فلان‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬بجيفرية‭ ‬أم‭ ‬فلتان‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬سيحدث‭ ‬مطلقاً‭ ‬على‭ ‬كوكبنا‭ ‬العراقي‭ ‬المنعزل،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اكتشفوا‭ ‬انّ‭ ‬جيفري‭ ‬ابستين‭ ‬لم‭ ‬ينتحر،‭ ‬وتسلل‭ ‬خلسة‭ ‬واختبأ‭ ‬تحت‭ ‬حماية‭ ‬جناح‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬الاجنحة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تطير‭ ‬إلا‭ ‬كما‭ ‬تطير‭ ‬الأفيال‭.‬

‭ ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية