جيش يحتل ذاكرة قائد معركة الخفجي ياسين فليّح المعيني – أحمد عبد المجيد

جيش يحتل ذاكرة قائد معركة الخفجي ياسين فليّح المعيني – أحمد عبد المجيد

مرجع في حروب العراق المعاصر وقصة مقاتل أمضى نصف قرن في المؤسسة العسكرية

في جلسة اللقاء، التي جمعتني بالفريق الركن ياسين فليح المعيني معاون رئيس اركان الجيش الأسبق للعمليات ، قائد معركة الخفجي الشهيرة، وعدني بالاطلاع على (شيء مختلف) كان بصدد انجازه، من وحي تجربته العسكرية الطويلة في الجيش العراقي ، ولانه مولع بمطالعة امهات الوقائع الحربية ويتحلى بثقافة واسعة تشمل قطاعات مدنية ومعرفية، فقد انجز وعده . وبعد نحو اربعة اسابيع على تلك الجلسة وصلتني بالبريد السريع نسخة من كتابه الجديد (جيش في الذاكرة – المرجع في حروب العراق المعاصر)، وهو سفر فريد يتناول قصة حياة مقاتل – هو المعيني ذاته – مع عمليات وحركات وبطولات الجيش العراقي، بدءاً من انضمامه الى الكلية العسكرية عام 1965 وانتهاء بحل القوات المسلحة على يد بول بريمر في نيسان 2003.

واكتشفت ولع المعيني بالتاريخ، لحظة الشروع بمطالعة الكتاب الذي يقع في 728 صفحة من القطع الكبير، ليس لان عقله أسير محطات الماضي، كما يحدث للبعض، بمن فيهم مفكرون وسياسيون ومصلحون ، بل للحيوية التي يتصف بها تفكيره وايمانه بأن الذي (يقرأ التاريخ لا يدخل اليأس الى قلبه أبداً).

ولاشك في ان شخصية، كالمعيني مسلحة بالعلم والارادة الوطنية، تحتاج، وقد واجهت شتى المعاضل والتحديات ، ولاسيما خلال حروب عربية وعراقية خاضها ، قائداً ميدانياً ومخططاً استراتيجياً ، الى الزاد الذي ينأى بقلبه عن اليأس والخوف والتردد . وقد أمسك بخيط هذا الزاد الباهر، الذي يسمونه التاريخ، بمعنى استخلاص العبر والدروس منه، وعدم السماح للقنوط واليأس الى التسلل الى قلبه، (فلا حزن يستمر ولا فرح يدوم)، على حد قول المفكر المصري مصطفى محمود.

ديوان العرب

لقد استخدم المعيني وسيلتين في تعزيز سردياته الممتدة نحو نصف قرن من الزمان، الأولى ديوان العرب (الشعر). وقد اجتهد في التقاط أجمل ما قيل وابدع ما ذكر لكبار شعراء العربية ، ما اضاف لمسة ادبية تفتقر اليها عادة، المؤلفات ذات العناية بالحرب والسلاح، وتنقلها الى عالم من البلاغة والبهاء.

أما الوسيلة الثانية التي استخدمها المعيني في بناء كتابه، بناء واقعياً غير تقليدي ، فاعتماده المتقن على الوثيقة ومن بينها الصور الفوتوغرافية . حتى اني غبطته على قدرته الاحتفاظ بهذه الثروة من الصور التي توثق مسيرته ، في محطات مختلفة، فضلاً عن الاعتراف بعامل الصدفة الذي وفر اليه بعضها ، من لقاءات مع أفراد من معيته في الجيش، سواء خلال التمركز في الاردن لتحرير فلسطين 1967 – 1971 أو خلال حرب تشرين 1973 وما تلاها.

لقد حول المعيني في هذا السفر ، الذي سيكون برسم المعاهد والمراكز البحثية العسكرية العالمية ، السرد الجامد الى خطاب حي يستحضره القارئ وكأنه رواية سينمائية أو نص ابداعي يحفل بالمكونات الرؤيوية اللازمة، التي دأب العطاء الفكري للروائيين استنهاضه في نتاجهم.

ولأن المعيني يتحلى بشغف بحثي اكاديمي خلاق، فانه لم يستسلم للقوالب الجامدة أو الثوابت التي أكل عليها الدهر وشرب، بل كافح، عبر الاعتماد على مصادره الخاصة ومراجعه المكتبية ، من اجل استخلاص الدروس واستنباط الحقائق، التي غالباً ما تتيه في حالات مماثلة أخرى، تحت غمامة العواصف الترابية الناجمة عن سنابك الخيل في المعارك التقليدية القديمة، أو سرفات الدبابات في المعارك الحديثة ذات المتطلبات الميدانية والتعبوية المبتكرة . وفي هذا السفر حرص المعيني على كشف الفرص الضائعة ، اذ لا تخلو معركة او تجربة قتالية من فرص مهدورة تسللت نتيجة الاهمال أو عدم التحسب او الغفلة، ولاسيما ما يتعلق بعدم تقدير الموقف وتجاهل رجحان كفة الخصم أو توافر عوامل تفوق كامنة لديه . وكل ذلك تم رصده في كل من معركة الخفجي وحروب الاستنزاف الاقتصادية والأمنية ، وفي حرب غزو العراق خلال صفحات معارك أم قصر والبصرة والناصرية والنجف وواسط ، وفي مطار بغداد الدولي ، المعركة التي اكتنفها الغموض وظل بعض خفاياها مجهولاً حتى الآن . فقد قدم الفريق المعيني (نزيف وجوده الدائم)، لبلوغ الغاية العلمية من اصدار سفر مهم ككتابه ، الذي انجز معظم فصوله الثمانية عشرة، فضلاً عن مقدمته الطويلة في دمشق عام 2010.

ولعل المؤلف استوعب حقيقة كون كتاب، من هذا الطراز يقع في بعض المآخذ لاسباب عدة، في مقدمتها انه اعتمد على ذاكرته في استحضار وقائع مضت على وقوعها عقود طويلة ، وانه كابد خلال سنوات تشرده خارج الوطن بعد العام 2003 لكن نزوع المعيني الى التدوين وشغفه باليوميات ، ساعده على تدارك الوقوع في شرك النسيان اولاً، وآفة التكرار والتداخل في الوقائع ثانياً. وقد رأينا ونحن نطالع الكتاب دقة المؤلف في سرد معظمها والتعريف بالاسماء حتى بالنسبة لابسط المراتب الذين رافقوه في مسؤولياته، منذ توليه آمرية رعيل دبابات ثم آمرية سرية دبابات، وهو الاختصاص الدقيق للصنف الذي تخرج فيه من كلية الاركان برتبة نقيب ركن عام 1973. وللدلالة على هذه الدقة في حفظ الاسماء والوقائع، إستل من بين مطالب الفصلين الأول والثاني، كل من : اسماء رؤساء الاركان منذ العام 1920 ومعاوني رؤساء الاركان للعمليات للمدة ذاتها ، وكذلك اسماء الذين شاركوه دورات الصنف المدرع وكتيبة الدبابات وتوقف عند حماد شهاب وعبد الرحمن محمد عارف فضلاً عن امراء الدورات كالرائد منير الخالدي والعقيد عبد الرزاق النجفي، وعلى الجبهة حسن النقيب والعريف عبد الكريم شلال ، الذي سرد المعيني لي في الجلسة إياها رواية عنه بتمكنه من اصابة وإسقاط طائرة اسرائيلية من نوع سكاي هوك، بالقرب من قرية رحاب . أما الطيار الاسرائيلي، فقد قتله احد رعاة الاغنام الاردنيين في المنطقة، وقد لجأ الى القوات العراقية فاكرمته. كما يذكر بخاخ بنيان نائب الضابط (صاحب النخوة العراقية الاصيل وشخصيته المؤثرة لخبرته الطويلة في السرية)، الذي ظل يتردد على المعيني ويزوره كصديق لغاية 2003. ومثلما فعل في الفصل الأول ، فان المؤلف حرص على تدوير اسلوب التوثيق ، اعتماداً على ملكته في الحفظ وذاكرته المتقدة، في الفصل الثاني ، وقد حفل بالاسماء والعناوين والذكريات المفعمة بالصدق والاشادة وروعة التضحية . ومما أورده بشأن تدريبات الجيش العراقي في الاردن ، زيارة قام صدام حسين، الذي كان نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ، الى مكان تمرين وحدة عسكرية يقودها الرائد الركن سليم شاكر الامامي ، وينتهي الفريق المعيني في هذا الجزء الى خلاصتين ميدانيتين، الاولى ان ( تثبيت اوجه النقص لديك أمانة، أما ان تؤدي العمل بما يتيسر لديك فتلك هي المهارة ، وبقدر ما يكون الآمر او القائد أمينا فانه يجب ان يكون ماهراً)، الثانية ان مباعدة مباني المعسكرات عن بعضها ضرورة  (لتلافي الضربات النووية الاسرائيلية المحتملة اعتماداً على مبدأ الانتشار).

ومن طريف المصادفات التي اوردها المعيني، تذكار صورة اهداها الى نائب الضابط المتقاعد شلال منخي واصطحبها الأخير معه عام 1997 حيث كان قائداً للفيلق الثالث بالبصرة ، فيما منخي رئيس عشيرة بناحية الفهود بعد أن كان نائب عريف رام دبابة في الاردن . يقول المعيني ص 48) كنت آمراً لرعيله ويحتفظ منذ العام 1968 بصورتي التي اهديتها اليه وانا برتبة ملازم).

ان ايراد هذه الوقائع ، التي قد تبدو بسيطة، لكنها تنطوي على بعد انساني ذي أهمية في الدروس المستنبطة من خطط التعامل مع الجنود ، فتلك واحدة من سمات المحبة والوفاء التي يتميز بها ابناء الشعب العراقي ومنتسبو القوات المسلحة كمصنع للابطال.

فضل العراق

وأيضاً، فان المعيني حرص على تأكيد فضل العراق على اشقائه الذين درسوا في الكلية العسكرية العراقية، فقال (كان العديد من الطلبة من مختلف الدول العربية يدرسون على نفقة العراق من البحرين والكويت واليمن وارتيريا والسودان وفلسطين وعمان والجزائر والصومال)، مثلما حرص على تأكيد حقيقة أخرى ذات اسقاط على الوضع الراهن، مفادها ان الكلية وفصائل الجيش من بعدها، تضم طلاباً ومقاتلين من مختلف المحافظات والمدن ، لافرق بينهم في اداء الخدمة الوطنية عبر مؤسسة الجيش. ويخلص الى القول ان (المهنة العسكرية الوطنية العراقية ستتيح للعسكريين شرف وعزة النضوج الوطني، وحينما يتركون هذه المهنة، فانهم سيعيشون المستقبل وسط مزيج من الذكريات العسكرية العراقية الشامخة). ولابد ان اسجل الى الفريق المعيني انضباطه العالي وتعلقه بالدرس الاكاديمي والدأب الميداني، الذي تجسد ليس في سلوكه اليومي المعتاد حسب، بل وفي نشاطه الذي ينطوي على تحديات من وقع المفاجأة ، ومما سرده لي في الجلسة ، ان الرئيس الراحل صدام حسين ، اعلن عن مسابقة بين قادة الجيش ، في توثيق تجاربهم وحدد لها جوائز مالية كبيرة، وسمح لكل قائد بالاستعانة بأحد الكتاب الصحفيين أو الادباء للمساعدة في صياغة التجارب، بلغة صحيحة فصيحة قابلة للانتقال الى الاجيال . وخاض المعيني السباق بمعية كاتب صحفي (نسي اسمه)، وفاز بقيمة الجائزة خمسة ملايين دينار . ومن جميل المصادفات ان صديقنا الروائي والكاتب الصحفي عبد الستار البيضاني ، كان قد حدثني عن هذه المسابقة ، وغالباً ما يتباهى بخطف جائزتها (دون ان يذكر اسم القائد العسكري الذي صاغ له تجربته الميدانية).

وقبل ان انهي .. رأيت من المناسب حث ضباط الجيش العراقي المستمرين بالخدمة، على الاستفادة من تجربة عراقي بطل، سبقهم في المعترك، دفاعاً عن البلاد والعباد، كما ادعوهم الى استلهام تجربة المعيني التي سطرها في كتاب (جيش في الذاكرة) ، فهم على وفق جميع المعايير، يحتفظون بـ(نزف وجودي دائم)، يتطلب نقل اشراقاته ودروسه المســـــــتنبطة الى صغار الضباط والآمرين. ذلك ان الفرص الضائعة جديرة بالدراسة والتحليل والمراجعـــــــة. وقد أجاد المعيني في تلخيصها لمن بعده، عبر هذا الســــــفر الخالد الذي يحكي قصة مقاتل (1965 – 2003) ما زال يواصــــــل العطاء في أروقة الدرس الاكاديمي والفـكري، بعد ان اضــــــطرته الظـــــروف الى ترك المهنة التـــــي أحبها واخلــص لتاريــخها وكتب سطور صفــــــحاتها بمداد من دم.

تعقيب من الفريق الركن صلاح عبود

الى رئيس  تحرير جريدة الزمان المحترم

نشرت جريدتكم الغراء بالعدد 7570 في الاول من أيار، حديثاً عن معركة الخفجي أفتقر للدقة، أوكد ذلك  لأنني من قاد المعركة عندما كنت قائدا للفيلق الثالث وعرضت المعركة بأدق التفاصيل من خلال  تأليفي لكتاب ام المعارك حرب الخليج عام 1991. عندما  كنت اشغل منصب قائد الفيلق الثالث المسؤول عن الدفاع عن الكويت بعد احتلالها من قبل الحرس الجمهوري واستلامه لها والدفاع بعد 20 يوماً من احتلالها والى الانسحاب منها. الكتاب من 361 صفحة تم طبعه ونشره في الاردن وتم بيع اعداد كبيرة من الكتاب في شارع المتنبي في بغداد. في الكتاب كل المعارك التي خضناها في الكويت. وعن الخفجي فهناك تفاصيل عن الخطة التي وضعتها لتنفيذ امر القيادة العامة. وقد اخبرت السيد الرئيس رحمه الله يوم 27 كانون ثاني أني ساقدم ميناء الخفجي هدية لسيادته يوم 30 كانون الثاني وهذا ماقدمت به التـفاصيل في الكتاب اذا كان هناك من يستطيع ايصال نسخة منه سارسلها لتطلعوا على الحــــقيقة في تلـــــك الحرب مع التقدير.

(طبق الأصل)

الفريق الركن

صلاح عبود محمود