جوهرة السيدية – ثامر مراد

362

جوهرة السيدية – ثامر مراد

ارتدتْ أحلى ملابسها الداكنة وعدّلت من وضعها وهي تنظر الى المرآة تخاطب ذاتها بصوتٍ هامس ” سأذهب بعد قليل الى السيدية لأكحل عيناي برؤية حفيدتي الغالية – الجوهرة الصغيرة – لم أرها منذ أن غابت عن البيت مع والدتها التي فضلت الانفصال عن ولدي العزيز .

أعرف أنني سأكون ضيفة غير مرغوب فيها وربما سأسمع كلمات لا تليق بسني ولا حالتي النفسية التي أعيشها في الزمن الحاضر… سأتحمل كل شيء من أجل رؤية حفيدتي …لقد أصبحت في سنتها الثانية .. آه كم أنا تواقة لمشاهدتها ولو لعدة دقائق فقط .” كنتُ أستمع الى كلماتها الحزينة الهامسة كأنها نسمات هواء تهب في يومٍ ليس له وجود . مسكينة تلك المخلوقة الرائعة ..

كم عانت وتحمّلت من أجل الجميع . قاتلتْ ضد قسوة الحياة أحد عشر عاماً أثناء فترة غيابي عن البيت – خلف حدود الوطن الجميل . قاتلت ليلاً ونهاراً لتجعل ولدها يدخل كلية الطب رغم قساوة المعيشة بكل تفاصيلها. فرحت أكثر حينما تزوج ولدها من طبيبة جميلة تنحدر من طائفة أخرى في زمن كانت فيه البلاد تواجه أقسى هجمة شرسة اسمها – الطائفية – وتحقق الزواج وجاءت جوهرة جميلة اسمها – أزل – لكنها ذهبت للعيش مع أمها في السيدية بعد أن تحقق الانفصال بين أمها وأبيها . قبل أن تخرج شريكة حياتي من البيت نظرتْ ناحيتي وكأنها تسألني عن رايي في زيارتها تلك .

لم أنبس ببنت شفة لكنني ابتسمتُ لها بألم كأنني أحدثها بكل ما يجيش في روحي من ألم لا ينتهي . ” اذهبي لكنكِ ستعودين مكسورة الخاطر ..” همستُ بتلك العبارة دون أن تسمعني.

عادت بعد ساعتين تجر قدميها كأنها عادت من معركة خاسرة . دون أن أوجه لها أي كلام راحت تسرد مأساتها بألم ” حينما طرقتُ باب أهلها خرج والدها المريض الكبير السن . كان وجهه أصفر شاحب كأنه ينتظر ساعات موته .طلبتُ منه أن أرى حفيدتي . رحب بي جداً وأخبرني بأنه سيرافقني الى بيت والدة – أزل- فقد كان بيتها ملاصقاً لبيتهم . حينما شاهدتني صرخت ” ماذا تريدين؟” تلعثمتُ قليلاً لكنني تماسكتُ روحي وخاطبتها بأنني جلبتُ لها – زيت وسكر الحصة التموينية – وأرغب بمشاهدة حفيدتي لعدة دقائق ..صرخت بوجهي ” لن تريها أبداً ” . طلب منها والدها أن تجعلني أشاهدها لكنها لم تقبل . عدتُ الى الوراء مكسورة الخاطر …تواريت عن الأنظار بسرعة البرق . استقليتُ أول سيارة أجرة …لأهرب من كلماتها التي لا ترحم .

 وأنا داخل السيارة أطلقت لدموعي العنان وقلت مع نفسي – حسبنا الله ونعم الوكيل – مهما طال الزمن لن أفقد الأمل في مشاهدة – حفيدتي ….جوهرة السيدية ” .

بقيتُ صامتاً كأن الطير على رأسي ..لم أعلق بأي شيء لأنني كنتُ أعرف سلفاً أنها كانت ذاهبة الى أٌقسى بشر على وجه الأرض.. لا يهم … مما طال الزمن ومهما منعتنا من رؤيتها ستبقى تحمل اسمي حتى في شهادة وفاتها – ازل مراد ثامر .

ملاحظة ” ستكون هذه الحادثة مشروع لرواية طويلة عنوانها – جوهرة السيدية – سأفجر فيها كل ما دار بين المخلوقات البشرية التي عاشت في فترة من فترات الزمن المظلم .

مشاركة