جولة تراخيص العقول – ياسر الوزني

جولة تراخيص العقول – ياسر الوزني

العقل من أعظم النعم يُميز به الإنسان بين الحق والباطل , الخيروالشر وبين النافع والضار,وكل شيءٍ إذا كَثُر رَخُصْ إلا العقل فإنه إذا كَثُرَغَلا . ولاشك أن كل ما يجري في الكون بقضاء الله وقدره لكن الله شاء أن يجعل بعض الأمور مرتبطة بمشيئة الإنسان التي هي تحت مشيئته جل جلاله (وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) وأخرى لا مشيئة له (الأنسان) فيها ولا إرادة كالمصائب مثلا,ومن هذا المفهوم قعّد العلماء قاعدة فقالوا (يُحتجُ بالقدر في المصائب ولا يُحتجُ به في المعايب ) والعقل وإن كان مكانه القلب لكنه دليل التائهين ومرشد الحائرين وغنى الفقراء وسلوة المحزونين ودليل الناصحين ومن مصادقيه أن مجلس الخدمة قررتعيين الأستاذ محمد رضا أبن العائلة البغدادية الثرية مُدرساً لمادة اللغة الأانكليزية على ملاك تربية محافظة كربلاء المقدسة,حدث هذا  في عام 1970 وكان على الأستاذ أن يشتري تذكرة سعرها  125 فلسا ًفقط حتى يسافريومياً الى كربلاء مُستقلاً باص مصلحة نقل الركاب ( باص الموظفين) .ولأن الرجل من عائلة تمتد بعض أصلابها خارج العراق فكانت له ثقافة  من نوع خاص..وعلى نفس الباص كانت تسافر معلمة تسكن أحدى المدن الريفية بين بغداد وكربلاء لتبدأ قصة حب بين الأستاذين بعد كثيرمن نظرات الأعجاب … قَرّرَأن  يختبرثقافتها فبادرها بسؤال عن مطربها المفضل, أجابته بقرويتها الطيبة أنها تحب داخل حسن(رحمه الله) وهنا صَعُبتْ عليه المسألة حيث موزارت وموسيقاه وبين موال أبو كاظم ( آ يويلي آ يويلي)..بذكاءها الفطري لاحَظتْ أنَ ردة فعله لم تكن إيجابيه فأرادت ان تسحب عقله من منطقة الضعف الى واحة المعرفة فسألته عن آخر رواية قرأها لكنها لم تدعه يكمل فأذهلته أنها معجبة برواية الكونتيسة دي سيجور وعنوانها (خواطر حمار)  التي تَحْكي مذكرات فلسفية وأخلاقية سردها بطل الرواية الحمار كديشون , ثم أكملت كلامها  : أن الرواية ربما تنسجم مع  الحكمة الصينية التي تقول «سنة واحدة ضرورية لكي تنمو بذرة، وعشر سنوات ضرورية لكي تنمو شجرة، ومائة سنة لكي ينمو الإنسان».وهنا سكت (أخونا ) محمد رضا وطلب منها الموافقة على الزواج ولم يزل باص المصلحة في طريقه الى كربلاء.

 أستبشرَالبعضُ أن عقولنا,ثرواتنا,طاقاتنا,شجاعتنا,شِيمُنا وثقافتنا سوف تستثمرلأعادة صناعةعراق جديد بأمتيازأمريكي بعد الأحتلال وسنكون (ok) وسوف نفرح حيث (no problem) لكن الواقع قال خلاف ذلك وبات الشعورالعام وكأن كل منا يُشّيعُ جَنازتَهُ ويَمشي خَلفها معَ  مُشيعيه .

يقوم العقل على إدارة وظائف جسم الإنسان الرئيسية ومن خلاله يبدع الإنسان وينطلق ليضع بصمته وهكذا أثبتت التجارب الإنسانية عبر الزمان والمكان أنه لا أستثمار أعظم ولا أقوى ولا أجدى من إستثمارالعقول وأنه الأعلى قيمةً وأكثرها أهمية لتحقيق النمو الاقتصادي الحقيقي والمستدام كما أثبتت أن الموارد البشرية هي المقياس الأساس لثروة الأمم فالإنسان هو الوسيلة وهو الغاية وأن  أستمرار النظر الى ثروات باطن الأرض هو من أخطر أنواع الأدمان بعد أن أستطاع العلم أستغلال الجو والهواء .

إن معايير الثراء لم تعد مغلقة على ظواهر بعينها بعد أن تغيرت مقاييس الغنى  وصار قاسمها المشترك هو«العقل» و«المعقول» فتلك هي اليابان هُزِمَتْ في الحرب العالمية الثانية، وفي أقل من خمسين عامًا أنتقَمتْ من العالم بالعلم والتقنية ذلك لأنها أهتمت  ببناء شخصية منضبطة، تُقدس الوقت، وتحترم النظام وتُبدع ضمن الفريق الواحد وتوفر الوظيفة المنتجة والتأمين في الخدمات الاجتماعية تلك الأخلاقيات يكتسبها الطالب الياباني  في  الحلقة الأولى من التعليم ولا يُعَلّمْ إلا كيف يكون أنسان وأن يشعر بالعيب المجتمعي فلا يرحم قانون الدولة غنيها أو فقيرها بل حتى وزيرها أو غفيرها .بخلاف اليابان خذ مثلاً نيجيريا وهي من أكثر الدول غنى بالثروات والمعادن ومن أكبر دول العالم المصدرة للبترول ..ما هو حالها؟ المواطن فيها مُشبعْ بالأحقاد العرقية ومُحَمَلْ بالصراعات ..بقي فيها الأغبياء يسألونك عن دينك ومذهبك ومن أي قبيلة أنت..؟ وبات فيها السحرة والدجالين و(القفاصة) يتبادلون الأسواق لقطع الأرزاق فشاعت الفوضى في المخلوقات فلا عقل ما دام اللامعقول هو السائد والمألوف..يقول الدكتورالعراقي فاروق القاسم في مقال بعنوان أستثمار العقول :لا تحدثني عن ثروة أي بلد وأهله مشحونين بالحقد والعنصرية والمناطقية والجهل والحروب .

دام العراق وأهله بخير

مشاركة