جهاد‭ ‬القاضي‭ ‬الصالح- د.نزار محمود

يلعب‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬دور‭ ‬القاضي‭ ‬في‭ ‬اقرار‭ ‬الحكم‭ ‬العادل‭. ‬فالإمام‭ ‬قاض،‭ ‬والوزير‭ ‬قاض،‭ ‬والقاضي‭ ‬قاض،‭ ‬وهكذا‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬قرار‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭.‬

هذا‭ ‬السلوك‭ ‬القويم‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬العين‭ ‬على‭ ‬القضاة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتأرجح‭ ‬فيه‭ ‬منظومات‭ ‬القيم‭ ‬الأخلاقية‭ ‬ومنها‭ ‬قيم‭ ‬العدل‭ ‬والعدالة،‭ ‬وتجد‭ ‬نفسها‭ ‬تحت‭ ‬ضغوط‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وثقافية‭.‬

ابتداءاً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬القاضي‭ ‬هو‭ ‬إنسان،‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬مجتمعه‭ ‬الذي‭ ‬ينشأ‭ ‬ويعمل‭ ‬فيه‭. ‬بيد‭ ‬ان‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬انكار‭ ‬شخصه‭ ‬وخصوصياته‭ ‬الذاتية‭ ‬والمهنية‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬للحفاظ‭ ‬عليها‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تعترض‭ ‬سفينة‭ ‬قراراته‭ ‬من‭ ‬عواصف‭ ‬وزوابع،‭ ‬فتبقى‭ ‬سواري‭ ‬البعض‭ ‬وأشرعة‭ ‬سفنهم‭ ‬نظيفة‭ ‬مقاومة‭ ‬صامدة‭.‬

ما‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة‭ ‬والعجب‭ ‬ان‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬القضاة‭ ‬لم‭ ‬يكتفو‭ ‬بالرضا‭ ‬في‭ ‬رشى‭ ‬رواتبهم‭ ‬ومخصصاتهم‭ ‬ومزاياهم‭ ‬المالية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬والتي‭ ‬يفهم‭ ‬منها‭ ‬أنها‭ ‬لكي‭ ‬تقيهم‭ ‬من‭ ‬الميل‭ ‬والانحرافات،‭ ‬لكنها‭ ‬زادت‭ ‬من‭ ‬شهيتهم‭ ‬لقبول‭ “‬البخشيش‭” ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬من‭ ‬أوامر‭ ‬اعتقالات‭ ‬أو‭ ‬افراجات‭ ‬أو‭ ‬أحكام‭!‬

ومن‭ ‬المضحك‭ ‬ان‭ ‬نسمع‭ ‬بأن‭ ‬القاضي‭ ‬الفلاني‭ ‬لا‭ ‬يرد‭ ‬السلام‭ ‬على‭ ‬متهم‭ ‬ولا‭ ‬يقبل‭ ‬حتى‭ ‬بشربة‭ ‬ماء،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬عصير‭ ‬أو‭ ‬قهوة‭ ‬أو‭ ‬شاي،‭ ‬خشية‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬حكمه،‭ ‬أو‭ ‬اتهامه‭ ‬بقبول‭ ‬رشوة‭!!‬

تعال‭ ‬وأنظر‭ ‬وشاهد‭ ‬نزاهة‭ ‬القاضي‭ ‬وهو‭ ‬مشدود‭ ‬الوجه‭ ‬حاد‭ ‬النظرات‭ ‬وهو‭ ‬يتلو‭ ‬حكم‭ ‬محكمة‭ ‬بحق‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوة،‭ ‬ولا‭ ‬مال‭ ‬ولا‭ ‬بنون،‭ ‬فيتلقى‭ ‬قسوة‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬يحكم‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬افلاطون‭ ‬الفاضلة‭!‬

من‭ ‬النكات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬المواطن‭ ‬العراقي‭ ‬منذ‭ ‬بعض‭ ‬السنين‭ ‬ان‭ ‬تروج‭ ‬كتلة‭ ‬سياسية‭ ‬لنفسها‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭: ‬كتلة‭ ‬دولة‭ ‬القانون‭! ‬بالله‭ ‬عليك‭ ‬يا‭ ‬من‭ ‬تحمل‭ ‬هذه‭ ‬اليافطة‭ ‬وترفرف‭ ‬بها‭: ‬هل‭ ‬سألت‭ ‬نفسك‭ ‬عن‭ ‬عشرات‭ ‬المليارات‭ ‬من‭ ‬الدولارات‭ ‬التي‭ ‬تملكها،‭ ‬والأكثر‭ ‬ألماً‭ ‬تحت‭ ‬سمع‭ ‬وبصر‭ ‬عشرات‭ ‬القضاة‭ ‬الذين‭ ‬يحيطون‭ ‬بك‭!‬

الله‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬عونك‭ ‬اخي‭ ‬القاضي‭ ‬الصالح‭ ‬في‭ ‬مجتمعك‭ ‬الطالح‭ ‬الذي‭ ‬تعيش‭ ‬فيه‭ ‬غريباً،‭ ‬فطوبى‭ ‬للغرباء‭!‬

الموصل،‭ ‬11‭.‬06‭.‬2025