جنون – نصوص – منهل الهاشمي

جنون – نصوص – منهل الهاشمي

 حدث ذلك في ظهيرة قائظة من منتصف تموز , والشمس فيه كانت ترمي بشواظ حممها البركانية على الناس متسللة من مساماتهم الى عمق خلاياهم العصبية لتحيلهم الى كائنات نارية !!.

  عائديَن كانا من مدرستهما الثانوية لإستلام نتيجتيهما , وقد غرقا في بحر الحزن واليأس والإحباط والضياع لرسوبهما في السادس العلمي للسنة الثالثة على التوالي , فضاعت بذلك نهائيا فرصتهما الاخيرة بحلم اكمال الدراسة… وضاع معها مستقبلهما كهشيم ذرتهُ الرياح. لوحدهما يسيران في الطريق الزراعي الريفي الذي يبعد ما يقارب الثلاثة كيلو مترات عن قريتهم , وقد إغتسلا بعرقهما الذي ما كاد احدهما يمسحه بِكُم قميصه الايمن حتى يغرق فيه ثانيةً.

ـ تباً لهذا الطريق اللعين.. ما اوحشه !!… كلما مشينا فيه خطوة.. استطال عشراً.

  قالها محمود قانطاً متأففاً وبحنق في نفسه , وهو يرنو بعينيه صوب الافق البعيد. في مقتبل الشباب هو , ذي الحادي والعشرين ربيعاً, اسمر, اجعد الشعر, نحيل القوام .. طويلهُ. دون سابق إنذار واتاه خاطر أن يلهو مع صاحبه راضي الذي يصغره بعام لكنه يزامله في صفه وفي رَحلته, أشدُّ منه سُمرةً ونحولاً هو, بيد انه يقصره في الطول , كي يشغل نفسه عن طول الطريق المزعج والمقرف , وعن الافكار السوداوية التسلطية الكئيبة وحالة الإحباط والفشل والسأم والضياع والعبث التي تتملكه. ما إنْ قدحت الفكرة في ذهنه حتى إبتسم مع نفسه إبتسامة صفراء. بمنتهى الحذر والهدوء تقدم من خلف راضي الذي كان يسبقه ومن دون أن يشعر به. حالما وصل اليه وإذا به يهوي بكتبه على رأس صاحبه بكل قوته ويأسه وإحباحه , فأطاحت به الضربة المهولة الى الارض بعيداً. لحظات من الصمت والسكون القاتل خيّمت على راضي. التفت اليه الاخير وهو في حالة ذهول كبير من وقع الصدمة. والحق إنَّ الذي اغاضه واشعل نيران غضبه المستعرة ما كانت قوة الضربة وشدتها ـ رغم ثقلها ـ بقدر ما اغاضه واستفزه الهلع والصدمة الناتجين عن تلك المفاجأة غير المتوقعة بالمرة. حدّجه راضي بعينين تقدحان شرراً وغضباً , في حين أنَّ محمود كان بلا ادنى مبالاة غارقاً في الضحك عليه بملء فمه !!.

ـ إنتظر ايها الحقير إنْ كنت رجلاً.

  بقلب يعتصره الألم والإنفعال قالها راضي والحقد وحب الانتقام قد تملّكاه. وما إنْ قام من مكانه حتى كان محمود قد سبقه راكضاً بسرعة شديدة ملتفتاً اليه بين الفينة والاخرى هازئاً منه, الامر الذي ضاعف من ضيقه وعصبيته وإستفزازه. فطارده بكل ما اوتي من قوة وسرعة. كان من المستبعد اللحاق به لفرق المسافة الشاسعة بينهما , بيد أنَّ نتيجةً لدافع الالم والغضب , وإحساسه الغائر باليأس والضياع وجرح الكرامة , ولروحية الثأر الفطرية المتجذرة في شخصيته الريفية القروية , سرعان ما لحق به , وما أنْ وصله حتى ارتمى عليه بكل قوته. وقع الاثنان بقوة ارتجت من تحتهما الارض. إنهال راضي الذي كان يمتطي صدر صاحبه بلكمات هستيرية مجنونة على وجهه لتُطفي بركان الغضب والالم والحزن الذي يمور في داخله , غير آبهٍ لصرخات محمود المستنجدة المتوسلة والمستعطفة :

ـ آخ… آخ… كفى يا راضي ارجوك… ارجوك…  مابك… أَجننت ؟!!.

  إلا أنّه استمر بضرباته الموجعة المتلاحقة دون أية مبالاة او اصغاء لتوسلاته واستعطافاته صامَّاً اذنيه دونهما , وكأنه كان ينتظر مثل هذه اللحظة كي ينفّسَ فيها عن نفسه وعن وساوسه الملّحة المدمرة كوساوس صاحبه فيفرّغ فيه غضبه , واحساسه الدفين القاتل هو ايضا بالجزع والاحباط والحزن والضياع. سالَ الدم مدراراً وبغزارة من انف وفم محمود حتى غطى وجهه تماما ممتزجاً بعرقه. ادرك حينها الاخير انه وقع فريسة لهستيريا جنونية لشخص طاش صوابه واصابته لوثة في عقله. ما كاد راضي يرتفع بجسده قليلاً عنه حتى واتته فرصة ذهبية للانقضاض عليه. فركله بكل قواه على ذكوريته. من فوره وقع راضي عن صاحبه صارخاً صرخة مدوية متلوياً من شدة الالم , جاثيا على ركبتيه وهو يفرك تلك المنطقة بيديه وقد اوشك على التقيؤ. استغل محمود هذه اللحظة الخاطفة بسرعة وقد إنتقلت اليه عدوى جنون الانتقام كونه يحمل ذات روحية الثأر القروية المتأصلة فيه… وذات الاحساس باليأس والاحباط والضياع كصاحبه. سدد بقدمه ركلة هائلة على وجهه. تفجّر الدم كالميزاب من انف راضي على وجهه وملابسه مختلطا بعرقه كالآخر. ارتمى عليه محمود وقد فقد صوابه ايضاً ناويا الفتك به كما فعل هو معه. اشتبك الاثنان بالايادي والاجساد وراحا يتقلبان على الارض غارقَين في وحل الدم المعجون بالتراب والعرق , في محاولة مستميتة لكل منهما لإعتلاء جسد صاحبه للسيطرة عليه والتمكن منه. استمرا في ذلك لبرهة تحت سياط الشمس اللاسعة اللاهبة والمحرقة , وقد تجاوزت درجة الحرارة الستون مئوية… ومشاعر اليأس والاحباط والضياع والثأر والانتقام , بدت وكأنها جميعاً الوقود الذي يُغذّي نار جنونهما المستعر.. ويثيره.. ويؤججه. اخيراً سيطر راضي على نِدّهْ, جلس على صدره وقد اطبق بكلتي يديه على رقبته , في لحظة جنون امتزجت فيها كل تلك المشاعر والحالات والظروف معأً. لحظة اختلط فيها العقل بالجنون… الوعي باللاوعي… المنطق باللامنطق. دفعته أنْ يزيد من شدة الاطباق بوحشية على محمود الذي اخذت انفاسه اللاهثة المتقطعة تخرج منه بصعوبة شديدة , اما جسده القابع تحت ثقل غريمه فكان يرتعش كما الطير الذبيح , وقد عجز عن الكلام تماماً. ولكن… وإذ به يلحظ للمرة الاولى على مقربة منه منجلاً قديماً صدئاً مكسوراً. مدَّ يده المرتعشة نحوه… راضي يزيد من إطباقه على رقبته… يده تقترب من المنجل اكثر… الإطباق يزيد… يصل للمنجل.. يمسكه ويتشبّث به تشبث الغريق بقشة. وفي اللحظة الحاسمة الفاصلة ما بين الموت والحياة… الفناء والبقاء , التي كاد فيها أن يلفظ انفاسه الاخيرة , وكأنها صحوة موت , سدد محمود ضربة هائلة بالمنجل بدافع من حلاوة الروح , وبكل ما تبقى له من قوة على رأس راضي , فتفجر الدم منه كالشلال وقد اخذ يدور ويخور كالثور الذبيح , والمنجل لم يزل مزروعاً في رأسه. سقط ارضاً , استمر يتلوى يرفس بجنون لهنيهة حتى سكن دون ادنى حركة مُسلِماً الروح. في الوقت الذي كان فيه محمود يسعل بقوة ويستنشق الهواء بإستماتة بسبب الاختناق المميت الذي تعرض له. عمَّ الهدوء والسكون للحظات بعد إعصار الجنون هذا. اخذ الاخير يستعيد انفاسه ووعيه ببطء وصعوبة. كان صدره يعلو ويهبط بقوة , ولفرط ما كان قلبه يدق بعنف كاد يخلع صدره. بعد أن استعاد نَفَسَه الطبيعي حاول جاهدا الوقوف. وقفَ متهالكاً وهو ينظر بوجه ذاهل مشدوه الى جثة راضي الغارقة ببُركة من دماء وطين وعَرَق. دنا منها وقلبَ وجه صاحبه ناحيته متمعناً فيه ومتفرساً علَّ وعسى أن تكون لا تزال فيه الروح , إلا أنّه وجهه كان ازرقا جامدا متخشبا.. وصورة الفزع لم تزل منجمدة عليه.

  إعتدل محمود في وقفته وذهنه مذبذب بين الوعي واللاوعي.. اليقظة والهذيان.. الواقع والحلم.. الحقيقة والكابوس. نظر الى نفسه والدماء والتراب والعرق يغطيانه كليّا. مدَّ بصره نحو الطريق فوجد أنه لم يبقَ منه سوى كيلو مترين.. أية مفارقة قدرية !!.. لقد شغل نفسه عن الطريق وعن افكاره التسلطية المُلحّة ووساوسه القهرية المعذِبة كما اراد لكن ذلك قد كلفه غالياً, حياة صاحبه.. وكلفه مستقبله… إنْ لم سيكُنْ حياته هو الآخر !!.

  سارَ في طريقه بإتجاه القرية وهو نصف واعٍ مسلوب الارادة تماما, ماشياً بطريقة آلية كالمنوّم مغناطيسياً او كالروبوت, ذاهلاً.. ساهياً عمّا حوله, لا يعي ولا يجد تفسيراً واحداً منطقياً ومعقولاً يبرر كل ما جرى… وكيف… ولماذا ؟!!. بيدَ أنَّ الشعور الوحيد الذي تملّكه وكان متأكداً منه هو انهما كانا مُساقان بقوة غرائبية عجيبة.. غامضة ومبهمة لا يدري كنهها ومصدرها دفعتهما دفعاً لفعل ما فعلا… وبأنهما بديا فيه مسيّرين لا مخيّرين !!!. وبأنَّ هذا الهاجس كان يلّح.. ويلّح عليهما بشدة ويؤمرهما بذلك…  فما كان منهما سوى أَنْ نفّذا ما اراد !!!!.

  حدث ذلك في ظهيرة قائظة من منتصف تموز , والشمس فيه كانت ترمي بشواظ حممها البركانية على الناس…………………………..

{ كاتب وأكاديمي