جنة ليست للنسيان – د. أحمد جارالله ياسين

405

زمان جديد

ليست أنقاض الموصل القديمة مجرد اكوام من الحجر ..لبيوت ومبان تهدمت ..إنما هي قصص لحياة كاملة كانت هناك ..لأجيال متلاحقة ..لعوائل انقرضت بأكملها أو تبقى نصفها ..أو فرد منها .. قصص ..لأصوات رجال ونساء.. وضحكات اطفال مدللين عند أمهات حلمن لسنوات بمجيئهم ..وانتظرن أن يكبروا ..ليكونوا سندا لآباء متعبين ..في أعمال ومهن شاقة ..

لكن الحلم تيبس تحت الأنقاض ..

وخرجت الأمهات ..لوحدهن شبه فاقدات للعقل من هول المصيبة من دون حمودي المدلل ..

الآن صدى ضحكات حمودي ..يتردد بين الجدران المهدومة ..لا أحد يسمعه سوى أمه ..التي لا يصدقها رجال الإنقاذ ..

الموصل القديمة حياة كاملة ..ضاعت وتلاشت ..رائحة (النواشف) من المطابخ الموصلية الرمضانية التي تعبق بها جص الجدران .. عرق جبين باعة النخالة وهم يجرون عربات أيامهم الثقيلة ..وباعة العتيق .. دخان الحمامات في ليالي الخميس ..صوت جدة تنادي في الصباح على يونس الحفيد الذي أرسلته لشراء كيس من الصمون الحار فتأخر لانشغاله بلعبة ( المزاريع ) ..دفاتر مدرسية لصبي تخرج توا من الابتدائية ..أمشاط من خشب لعجائز عاصرن الملكية ..وأنين الجد يوسف الموصلي الذي ظل يحلم بالحج ..من دون أمل ..بعد أن غطّاه عصف القذائف ..

الموصل القديمةحبال غسيل مقطعة ..وأسلاك كهرباء لا أصحاب لها ..وأجراس باب بلا صوت ..وألعاب بلاستيكية من دون يدين وقمصان بالة منقطة بدم ..ممتزجة بوحل الشتاء

جوامع لم تبق منها سوى نصف منائر كأنها سكائر محترقة ..وهلال منحنٍ على قبة نسجتها ثقوب الشظايافأصابها الجدري ..

دكاكين فارغة بلا رفوف وقوائم ديون ..أبواب شبه محطمة بلا جدران ..شبابيك بلا عيون من زجاج ..وذكرى خطها مراهق على الجص ..ذكرى سمير مع عاصم عام 1990….أصدقاء للابد ..

لكن الشظايا فرقت الاثنين ..رحل سمير وهو يحاول الهرب نحو الحرية بعيدا عن بطش القتلة .. بينما ظل عاصم وحيدا ..ملتزما بالصمت والسكائر ..يجر الحسرات في خيمة النازحين

الموصل القديمة شمس صيف لاهب ..وظلال أشجار التوت ..ومطر مفاجيء.. وحقائب بلا مسافرين .. ومزاريب باكية ..ولهجة موصلية لامثيل لها ..في الدنيا ….الآن تناثرت بين مدن أخرى ..ضاعت القاف المميزة ..وكادت تتلاشى ( وي ) و (كوي ) و( قتولك وقتللي ) و( أُمْبُغُر ) و( وش صاغ ما صاغ ) ..

الموصل القديمة ..هي الهوية .. هي التي تجد فيها الاسماء (الهوية) … مثل يونس ..يوسف ..محمد ..سرسم ..هناء ….وسعاد.. شكرية ..يازي ..عبوسي ..داود ..توما ..سامية ..جبرية ..كتبية ..عدنان ..عبدالجبار ..ياسين ..علاوي.. علوش .. نوروز .. مها .. ذنون .. يحيى ..شهرزاد ..متّي ..حمه ..حميد ..محي .. الموصل القديمة ..ازقة ضيقة ..لا نظير لها ..حتى في شرايين القلب  وأبواب جوز من خشب الاربعينيات .. وجاون جريش ..ومراوح (اندولا) ..وتلفزيونات (ميتسوبيشي) اليابانية الستينية التي ظلت العائلة محافظة عليها ..للذكرى ..وراديو (فليبس) أبو الخيط .

وصور بالأسود والابيض ..لشهداء السحل في ثورة الشواف ..

ويشامغ منقطة بالسواد لجد جلبها من باب السراي في مولد النبيوعطرها بماء ورد  الموصل القديمة ..بصل أخضر نبت في اصيص صغير على ستائر البيت ..وشدّة بقدونس منقوعة في سطل لبن قديم ..وسكاكين معدنية من سوق البالة .وشدة ثوم معلقة في إيوان البيت ..وأكياس طحين فارغة محشورة خلف ( الكاونتر ) الذي أصاب الصدأ حافاته وذاكرته ..ومنفضات بيض بهيئة ساعات من هدايا الحج في السبعينيات ..و(طاسة ستيل) مجمدة في (افريزر) بابه شبه عاطل عن الكلام ..

الموصل القديمة زيارات بيت العم في العيد ..و(بوسة) على جبين الجدة الناعم ..وبخور لزيارة القبور بعد صلاة العيد ..وشمع مكسور في درج (الصندلية )..وزقزقة مراجيح ..وعنبة وصمون على باب سينما بابل في باب الجديد ..وأب يفتح الباب لقنّ الطيور ..فتنطلق حرة ..في السطح الشرقي ..

الموصل القديمة ..طائرات ورقية ..و(شرابت طايبة الشروب ) على لسان الباعة من الأطفال .. وعصافير تنتظر فتات خبز في زاوية المحلة .. التي صارت ترابا .. الموصل القديمةجنةليست للنسيان ..أبدا .

مشاركة