جناحا الديمقراطية .. الحرية والنظام – منقذ داغر

البيض المسلوق في ديمقراطية الصندوق (ثالثاَ)

جناحا الديمقراطية .. الحرية والنظام – منقذ داغر

في الحلقة السابقة قلت ان الديموقراطية الغربية كانت نتاجاً لتفاعل تاريخي ناضج لبعدين اساسيين هما البعد المؤسسي(اي الدولة) والبعد الوظيفي(ثقافة المجتمع) .ففيما يخص البعد الاول(الدولة) في الغرب،فقد مر نشوء وتطور الدول بمراحل تاريخية مختلفة وطويلة تم الانتقال فيها بين نظريات الحق الالهي،والسلطة التقليدية،والسلطة الدينية حتى جاءت الثورة الفرنسية مصحوبةً بكثير من التطورات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية لتثبّت سلطة الشعب عبر العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. وخلال هذه الفترات شهدت الدول انماطا مختلفة من المؤسسات السياسية الحاكمة سواء عبر سلطة مركزية قوية و/أو ضعيفة،او عبر سلطات محلية قوية و/او ضعيفة. وخلال تلك المراحل التاريخية وبخاصة بعد نشوء الرأسمالية التجارية  في فينيسيا ومدن التجارة المشهورة في القرنين الرابع والخامس عشر،ثم طبقة البورجوازية الصناعية خلال الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كانت هناك منافسة شديدة مع الدولة في الغرب بحيث انها لم تستطع احتكار السلطة لوحدها بسبب وجود طبقات اقتصادية واجتماعية مؤثرة في الشأن العام.

أما على صعيد البعد الثقافي فأن المقصود هنا هو الثقافة Culture بمعناها العام وليس الضيق، اي بشقها المادي كالتكنواوجيا والعمارة وبعض الفنون،او شقها غير المادي كالدين والفلسفة والعادات والقيم…الخ.

لقد كان هناك بأستمرار حراك فكري وسياسي واجتماعي واقتصادي في اوربا وأمريكا يجبر الدولة على التفاعل معه لتطوير انماط متكيفة من الحكم المناسب لتلك المجتمعات.ولعل الثورة الفرنسية،وتغير شكل العلاقة بين الكنيسة والدولة، وتطور فلسفة الدولة والحكم عبر كتابات بيكون، وهوبز، ومونتسكيو، وروسو، وهيوم، وتوكفيل وسواهم من المفكرين والفلاسفة،فضلا عن تطورات عصر التنوير اجتماعيا وتطورات الثورة الصناعية اقتصاديا، كانت جميعها- أضافة الى تطورات اخرى-لا يسع المجال لذكرها هنا- تتفاعل مع البيئة السياسية لتخلق انماط واشكال حكم مختلفة ومتباينة في اتجاهاتها،حتى وأن تبنت المفاهيم الاساسية للديموقراطية في النهاية.

بمعنى ان ظروف نشأة وتطور نظام الحكم في الغرب ببعديه المؤسسي والثقافي ساعد على الحد من تغول الدولة واحتكارها للسلطة من جهة وعلى تفاعلها واستجابتها للثقافة المحلية من جهة أخرى. هذا التطور المتوازي للبعدين البنيوي والوظيفي هيّأ الارضية المناسبة لتطبيق الديموقراطية الغربية سواء بشكلها الليبرالي كما هو الحال في أمريكا ،أو بشكلها الاجتماعي،كما هو الحال في اوربا.وقد نجحت الديموقراطية هناك كنظام حكم لانها استطاعت نتيجة هذا التطور الاصيل والطبيعي ان توازن بين بعدَي الحرية والنظام كما أراد لها مصمموها.خلاصة الامر ان الديموقراطية كانت نتاجاً طبيعياً وأصيلاً(اي ليس مستورداً) مر عبر مراحل زمنية طويلة لم تفرضه الدول،بل فُرض عليها من شعوبها ونخبها.

هنا تحضرني أجابة توماس فرانكلين في العام 1787 عندما سأله شخص عن نوع الحكومة التي قررها المؤتمر الدستوري الامريكي،فأجابه : “جمهورية، إذا كنتم تستطيعون أن تحافظوا عليها”. وكأن فرانكلين يريد ايصال رسالة ثابتة هي ان  بإمكان النخب والدول تصميم أفضل نظام للحكم في العالم، لكن نجاحه في النهاية سيعود للناس.

ان نظم الحكم-ومنها الديموقراطية- مثل اي نظام او اختراع مادي،لا يمكن ان تكون مفيدة مهما بُذل في تصميمها من عزم وتكنولوجيا وعلم، ما لم يقتنع المستفيد النهائي(الشعوب) بها ويكون مستعداً معنوياً ومادياً لتطبيقها كما تم تصميمها وليس كما تشتهيه النخب الحاكمة. لقد تعمدتُ وكتابة الجملة الاخيرة بخطٍ غامق،ووضع خط تحتها لانها تلخص باعتقادي ازمتنا مع الديموقراطية والتي تتلخص في ثلاث أسئلة ينبغي الاجابة عليها قبل أتهام الديموقراطية بأنها فاشلة: هل نحن مقتنعين بالديموقراطية؟ هل نحن مستعدين للديموقراطية؟ وهل نحن فعلاً مطبقين للديموقراطية؟ في الحلقات القادمة سأحاول الأجابة على كل هذه التساؤلات.

مشاركة