جماليّات النصّ القصصي

354

جماليّات النصّ القصصي

 القصير في مجموعة  مسدّس صغير

الجلسة الدامية إنموذجاً

 خضير اللامي

“إنَّ مولد القاريء يكون رهنْا بموتِ المؤلف .. رولان بارت .”

يستهل السارد حنون مجيد ، بإهداء المجموعة القصصية هذه : الى روح

اسعد اللامي ويثني بإهداء آخر ؛ إلى محمود الظاهر في حياته ..

منذ السطر الأول للقصة الأولى أعلاه ؛ لا بل ؛من الفقرة الأولى ، تهّيأت لي ،أو بالأحرى ، جذبني النص هذا أن اكتب نصي عن هذه القصة القصيرة، تحديداً..

لن اتحدث بالطبع ، عن سيرة ذاتية ، عن حياة المؤلف محمود الظاهر مرة في بغداد ومرة في البصرة ، إنما اتناوله او اتناول هذا النص من الجانب الفني وبالذات الجمالي منه. وما يدفعنا الى هذا هو جمالية العلاقة بين السارد حنون مجيد والقاص محمود الظاهر في أواخر سنينه ومكابداته بعد وفاة زوجه فاستطاع مجيد أن يتحدث عنه بعيدا عن القص الواقعي انما حوّل هذه الشخصية ومن خلال تعبيراته عنها بوصفها شخصية روائية مبهرة.

وعند قراءتي ، لهذه القصة رأيت أنْ أعيد قراءةتها نقديا لجاذبيتها ، وجماليتها الإبداعية ، ولما فيها من إسلوب أخّاذ طاغ ، يجذب متلقيها للقراءة ، دون فكاك ، فما كان مني إلاّ أن افعل ذلك ، وصولا الى الغور فيما وراء النص هذا ؛ واجتراح نصي إياي ، وكان هذا ما يطغي بجمالية سرده، يدفعنا لمتابعته حتى السطر الاخير . ذلك أن حنون مجيد ، يزود القاريء بمخيال لغته واسلوبه وجمالية النص هذا بخاصة .

فضلا عن ذلك ، ان جمالية ومقدرة نص الوصف هذا ؛ او السرد بالاحرى ، يرقى الى تحريك أو انسياب مشاعر داخلية او ذاتية لدى المتلقي لما لهذا الجمال الأخاذ من أسلوب يعّمق إحساساتنا الخبيئة ! فضلا عن ذلك يرقى مجيد الى تحريك مشاعر داخلية لمتلقي هذا النص ، ويضفي أحياناً ، على الأشياء من نبات ومن حيوان، سمات الانسان مثل ” مضى القطار بينما خلّف بين أذنيه أذيال أصدائه المتلاشية كان قد سحب من تحت عينيه آخر عجلاته القصيرات الثقال” كما في الرمز لقصة كروزو الحزين !

فهذه المجموعة القصصية لا ابالغ اذا قلت ، هي لوحات جمالية بأساليبها ومفرداتها اللغوية وطرائق تعبيرها ؛ تبعث في داخل المتلقي متعة فريدة، ليس في هذه القصص حسب ، بل في معظم ما قدمه من قصص أو روايات ، فإنه ومن خلال تجربته في هذا الحقل الابداعي، يسحب بهدوء المتلقي الى ما يريد ان يطرحه او ما يسرده من لمسات ابداعية لغة وتناولا وتقنية ، حتى يمكن ان يكون المتلقي شريكا في تمتعه في النص القصصي القصير مثالنا هذا.

  في القصة القصيرة الاولى موضوع دراستنا: نكتشف من خلل قراءتنا لهذه القصة العذبة ثمة عامل موضوعي او عوامل مشتركة مع غيرها من قصص المجموعة وهذا يعني ان القاص حنون اقترب تماما من وحدة الموضوع للنص الفني لهذه القصص القصيرة ..

وهنا ، فإنني رايت أن أطعّم مقالي هذا إنْ صح التعبير ، في هذه الجمل والعبارات خاصة ما تتضمنه من جمال أخّاذ وجاذب ، ونادرا ما قرأته ومن خلال متابعتي حنون مجيد بوصفه صديق عمر .

ويضفي السارد حنون مجيد لمسات جمالية عذبة وأخّاذة ؛ لغة وإسلوبا وتقنية فهوهنا ، يقص سردا متواصلا ، كما لو أنه رجل حكمة ، قد اجتاز عاديات السنين وما تحمله من وقائع واحداث وفواجع ومن افراح واتراح . “وأنا أفكر بأنّ موته قد يحلّ قريباً، ؛ انتظرته قبل أن أعلم أن موعداً آخر سيربطني به ،لنمشي معاً على كورنيش شط العرب، نجلس ،هنالك  ونحتسي  القهوة  ، وسيكون آخر ما نفكر فيه، كيفية النفاذ إلى خفايا الصوب الآخر، بعد أن تتحول المرئيات هنالك إلى أشباح تغلفها عتمة المساء” .وجميع قصص هذه المجموعة القصصية القصيرة ، ذات محاميل أخّاذة ، قد تتباين إحداهنّ عن طريقة التناول اوالاسلوب ، بيد أنها تُعد ذات ثيمات جمالية فائقة . اجاد القاص والروائي حنون مجيد عرضها بجمالية ابداعية ، وقد تكون نادرة ، اذا لم ابالغ اذا قلت انه يأخذنا الى عوالم قصصه هذه كما ساحر، التي هي اذا لم نبالغ ايضا ، لوحات فنية مؤطرة بعطر فني اسلوبا ومضمونا ، لا يملك المتلقي الا ان يقف امامها قدر ما يستقي من جمالها الأخاذ صعودا إلى أعالي روحية نستشف منها عطرا سماويا تحملها مفردات لغته العذبة هذه ..

وهنا ، فهو مجيد يقص علينا سردا ذا طعم عذب، عن محمود الظاهر وكما جاءت اهداء له من المؤلف وكما تتالى السرد القصصي عنه ، وبإسلوب يليق بهذه الشخصية الفذة . ويبدو ان السارد يعد الظاهر ظاهرة ادبية لها مكانتها في الحياة الادبية بخاصة بعد وفاة زوجه مما اضطرته الاقامة في احد الفنادق الصغيرة المتواضعة في بغداد .

“أول مرة أنظر إليه مأخوذاً بهذه الهيئة التي زادته جمالاً وكبرياء؛ جسده الضعيف المصقول ببذلته الكحلية، عيناه الصغيرتان المؤتلقتان مثل عيني طفل، ساقه اليمنى على اليسرى، نظرته الغاربة المترفعة، صمته الأخاذ، دخانه الكثيف المتواصل بأنفاس بطيئة متباعدة، ثباته المكين على جلسة واحدة، وكنت أجد فيه شخصاً آخر ينطوي على شيء ثمين، ليس عليك لكي تعرفه أكثر، إلّا أن تزيح القشرة الخفيفة من الغبار التي ركدت عليه”.

انني اقرأ هذه القصة، واتذكر كيف يضفي ارنست همنغواي جمالية على قصص وروايات الحرب وما تحمله من شخصيات عرفناه طيلة فترة قراءاتنا لارنست همنغواي ..

وفيض جمالية النص لا يطغي تماما على ثيمة استمرار السرد القصصي ، بل ، إنهما متوازنان في جميع قصص هذه المجموعة ؛ قد يحدث فيهما غلبة النص على جمالية الاسلوب او العكس صحيح ، بيد إنهما يتوازيان مع استمرار السرد القصصي هذا .

مشاركة