جمالية الإنعكاس السحري

502

جمالية الإنعكاس السحري

الشاعرة الأرجنتينية اليخاندرا بيثارنيك  وقصيدة لوحة كلي

كما في ذهنية الشَاعر في المخيال الذي يختزنهُ قبل البدء، كذلك هي الذهنية ذاتها عند الفنان أيضاً ، لكن التحسس يًبان من خلال التوظيف “التسطير على الورقة، والرسم على اللوحة، فهما في المشاعر بالتساوي. فالشاعر يستبطن ثم تُسْود السطور أمامهُ، والفنان يرسم بخطوط ومنعطفات ذات أشكال. الإنعكاس الذي يظهر ما في الفِطرة من لحظوية أو إيحائية قد تكون مباغتة بوقعتها، كلاهما يستمدان من الطبيعة روحها – بؤسها – تسطيراً \ تشكيلاً  ، تشكيلاً على لوحة ما = تسطيراً على ورقة ما ، فالمعادل الموضوعي مهما كان مغايراً ، لكن يجمعهما “الذهني \ البصري” ، كم من لوحةِ لو تمعنا بها مليًاً لوجدناها أصلاً؛  قصيدة، وعلى سبيل المِثال لا الحصر، قصيدة “فان كوخ” التي وظفها الشاعر السوَري”أورخان ميسر”، ربما للتشابه الحاصل في مسيرة حياتهما، وإلا كيف يأتي هذا التطابق والتقارب في التضمين؟ أعرف بأن الفقر والتمرد والمشاكسة قد جمعتهما، غير محض صدفة؛ بالتطابق والمماثلة الحياتية.

 إذً يبدو من أن الشاعر تأثر بحياة الفنان العبثية وكتب قصيدتةُ حصرياً؛ إذً  اللوحة = القصيدة، فقصيدة “لوحة كلي” هي الإحساس بالمشاعر وربما أراها هي “الكريستال” العاكس الذي يتلألأ  من كل الجوانب، والمرئي بصمت، لكن ربما يتساءل أحدنا القول: كيف وظفت الشاعرة تلك اللوحة في قصيدتها، وما هو الرابط بذلك. يمكن إجابتي تكمُن في تحليلي هو أن حياة “البوهيمية” التي عاشهما الشاعرة اليخاندرا والفنان التشكيلي بول كلي، فالشاعرة تأثرت بهِ،  هو الرابط بينهما من حالات القلق والإنكسار الحياتي والتشرد، إضافةً للشَطحات الفلسفية والسًريالية المتخمة، والأكثر حياة الردَة الإنعكاسية عن اللاوعي:

حينَ يشتعلُ قصرُ الليل

بحسنهِ

ستنبضُ المرآةُ

حتى تصدح ملامحنا

مثلَ الأوثانِ.

ــ هُنا ظهر الانعكاس الذي أسلفنا في تشخيصهِ مُنذُ الاستهلال، فهو استظهار الجمال التصويري، والتقاط الساقط من الانعكاس في الاستمكان التوظيفي، فالرسم التشكيلي ، فكانت اللوحة \ القصيدة، تمتزجان في رؤيوية مُبانة في الجمادات الثلاثة التي زجتها الشاعرة، ورسمها الفنان ” القصر، المرآة، الأوثان “فهذهِ الجمادات – الأشياء اختارتها كي تعكس الصمت بإضاءة في القصيدة \ اللوحة – الإضاءة والإنارة في القصر ، والمرآة في الانعكاس، والأوثان في النور المُشع حولها .

 فـ لوحة كلي على إعتقادي هي لوحة “الكريستال” التي رسمها الفنان، فكانت بأفكارهِ التعبيرية، والتجريدية، والسريالية في فنهِ التشكيلي، وفق منهجية المدرسة التشكيلية آنذاك، والشاعرة بذات المنهجية وقد أفاضت أو أضافت الفلسفة كـ ركن مهم للمتلقي في الاستنباط المعرفي من تحليلهِ، آخذاً الابتعاد عن الواقع جزماً رغم اعتمادهما على البساطة الآسرة في التعبير عن حالتهما:

خفقةُ الفجر على الزهورِ

تَتْركني ثملةً بالعدمِ

وبالنورِ اللَيلكي،

سَكرى بالرسوخِ واليقين.

يمكن أن نحيل مفردة “خفقة” إلى غطاء كامل لجسد هذا المقطع، كي تسودهُ العتمة ويضيء من داخل هذا التعتيم ولو قليلاً، لندرك ما للمفردة المُشعة من دلالة محورية ترتكز عليها في استمرارية  الانسياب والتوهج ، حينها نعرف بأنها المُحرك الرئيسي لمتن النَص، والتي زجها في المستهل بدءاً، لما لها من دراية التفاعل لما بعدها، وما يعتري المتن من انسكاب عبقي في تزيين ملامح النَص؛ بعدها … ولولاها لما كانت الجملة ” الفجر على الزهور ” والتي لا تعني شيئاً إذ نتحسسها ناقصة التعبير وليس لها منطقاً في أُسس النحو العام. فالفاعل القرائي \ المتلقي/القارئ ، قد تكون الصورة التي يراها مشوشة أو عديمة الفهم أو ملمس تصويري مُضلل “مغوش”، لا بل يلاحظ بأنها بؤرة ومحور التكوين والخلق لو كانت موجودة. إن المدلولات التي أفرزتها من التوظيف ذهنياً كـ شعر ، رسماً بصرياً كـ لوحة ، وهناك ظهر جلياً انعكاس \ النَور ومنهُ – الفجر على الزهور – الليلك، كما في الرسوخ الواضح سكراً للأشياء:

أراك َتنأى عن أسمائي

 التي

تغزلُ من الصمتِ،

 أشياء.

رغم صمت القصيدة واللوحة معاً من  خلال قراءتهما الأولى، لم أستنتج قطعاً مما قرأتُ ، لكن نظرة وتفحص ثانيةً، رأيتهما واضحتا المعالم وكُشفت كرؤية الفجر، لكن من غير السهولة التعاطي معهُ إلا بمفتاح يواءمهُ في التشكيل والتأطير والرسم بكلمات تليق بمناورتها إياهُ، فعسى وجدتني أن أعثر على هذا المفتاح كي يدور بالمغلق ، ويكشف خفايا في هذا المستغلق ، ربما هُناك مفردة تُعكس قدرهما ، وعما يدور في نفسية وخلجات “الشاعرة والفنان” معاً، فكانت  مفردة “أراكِ”  الفاصلة \ القطعية – التي تغزل – الموظف أصلاً كـ إطار وتراتيبية للمتن + إطار اللوحة، الضاجان بالصمت الأكثر هدوءاً، كما في الشعاع الساقط على سطحٍ صقيل، ويراودني قول أوكتافيو باث في مقدمة ديوانها “شجرة ديانا” يقول: “مثل طقس إجتزاء سحري للشعاع الأصلي” هكذا رأيتُ متعاطياتها الحياتية الزاخرة بالغموض والتوهان والحياة المُنكسرة، لكنها لا تهتم بل وظفتها لأجل إستمراية الحياة = إستمرارية الشعر.

مشاركة