جليل العطية: تضايقني قلة عناية الوزارة بالثقافة والمثقفين – سلام الشماع

280

حرائق العراق وتضاعف الفساد وزيادة المحاصصة تشغل الكاتب

جليل العطية: تضايقني قلة عناية الوزارة بالثقافة والمثقفين – سلام الشماع

{ أمينة المكتبة الوطنية في باريس قادته إلى غرفة صغيرة وقالت له هذه صومعة مصطفى جواد

{ ثلاث فتيات يصفقن للسياب في الباص وهو يستظهر قصيدة عينية لذي الرمة بإنشاد متقنُ

{ باريس تفتح أبواب مكتبتها للعطية على ألوف المخطوطات العربية الغافية بين رفوفها ومجموعها 8 آلاف مخطوط عربي

(جهين)، كان عموداً سياسياً ساخرا اشتهر به ويذكره أبناء الجيل الماضي، كما يذكره تاريخ الصحافة العراقية.

عاش في قلب أوربا منذ العام 1978 وإلى الآن، وانغمس في التراث وامتلك اسلوباً متميزاً في نفض الغبار عنه مزاوجاً بين المدرستين العربية والغربية.

إنه الدكتور جليل العطية الذي يشغله، الآن، أمران، كما أخبر (الزمان)، أولهما ما يدور في الوطن الجريح من حرائق وتضاعف الفساد وزيادة المحاصصة، وتضاؤل فرص تحسين الأوضاع الاجتماعية والصحية، وثانيهما عوائق السفر الذي طال من دون مسوغات حقيقية.

وجوه عراقية

آخر نشاطاته انهماكه بإعداد الجزء الثالث من موسوعته (هؤلاء أحببتهم) وعنوانه (وجوه عراقية رائدة)، وكان الجزء الأول قد صدر وعنوانه (عراقيون في القلب) الذي نال استحسان الباحثين والدارسين، والجزء الثاني يصدر قريباً وعنوانه (قمم عراقية)، وكل جزء يشتمل على تراجم نحو ثلاثين شخصية عراقية أدبية واجتماعية ممن عرفهم، فالموسوعة هي سجل أدبي عراقي للقرن العشرين. وآخر نشاطاته أنه فرغ من تحقيق ديوان ابن الظريف الآمدي المتوفى سنة 430هـ – 1049م.

تضايقه قلة العناية بالثقافة والمثقفين، فميزانية وزارة الثقافة لا تشمل إلا رواتب الموظفين وهذا يشمل دائرة الشؤون الثقافية المسؤولة عن القطاع الثقافي والمجلات الثقافية وهي لا تستطيع نشر أكثر من خمسين كتاباً سنوياً، وهذا رقم هزيل لا يليق باسم العراق بلد الحضارات، بلد الفراهيدي والجاحظ والأصمعي والجواهري، كما يرى، لهذا فهو يتمنى من الدولة أن تضاعف ميزانية وزارة الثقافة لكي تنشط في ميادين نشر الكتب الثقافية والمسرح والسينما والآثار.

يقول الدكتور جليل إبراهيم العطية: إن العراق يعيش في نفسه عالماً واسعاً كبيراً أوسع من المدن، التي يزورها، من حين إلى آخر، فهو يسكنه على الرغم من أنه يعيش في قلب أوربا منذُ نحو أربعة عقود من الزمن.

ويتابع أنه غادر العراق سنة 1978 وقبلها تولى مناصب عدة في الدولة العراقية، أهمها منصب المستشار الإعلامي في السفارة العراقية بالكويت بين عامي 1972 – 1977? وقد خرج من العراق، بعد أن حصل على إجازة لإكمال دراسته العليا وسافر بنحو طبيعي، ثم لم يعد.

ولد العطية يوم 13 تشرين الثاني 1940 في مدينة الكوت مركز لواء الكوت (محافظة واسط حالياً)، وحصل سنة 1972 على شهادة البكالوريوس من قسم الإعلام في كلية الآداب بجامعة بغداد، وعلى ماجستير من مدرسة الدراسات العليا بباريس سنة1980? ومن جامعة السوربون بباريس حصل على دكتوراه دولة (في العلوم الاجتماعية) سنة 1987.

 انتقل العطية وأسرته، في صيف العام 1959? إلى بغداد هاجرين الكوت، وفي بغداد أمكنه إتمام دراسته، ثم استأجر غرفة متواضعة، رطبة في محلة جديد حسن باشا، ومنها بدأ يطل، يومياً، على سوق السراي وشارع المتنبي، وعندما فتح علي الخاقاني مكتبته (دار البيان) كانت تلك المكتبة من المرافئ المفضلة إليه، لكن أهم شخص قدمه إلى المجتمع البغدادي كان (خضر عباس الولي)، صاحب مجلة الرسالة، الذي عرّفه بصفوة المجتمع، الذين كان من بينهم المؤرخ عبد الرزاق الحسني، وكان الحسني لايزال موظفاً في مجلس الوزراء، ومحمد رضا الشبيبي ويوسف عز الدين وداود سلوم وغيرهم، وكان شارع المتنبي يعج بالحركة ففيه مقرات العديد من الصحف وعشرات المطابع.

استهواه التراث وهو طالب، من خلال مكتبة الأسرة، فوالده كان خطيباً حافظاً لعيون التراث وأخوه خليل كان يمتلك كنوزاً تراثية جعلته ينحاز إلى القديم الأصيل، على الرغم من صلاته بكوكبة من شعراء الموجة الستينية كحميد سعيد وسامي مهدي وفاضل العزاوي وسركون بولص وأنور الغساني وشريف الربيعي وعبد الرحمن الربيعي.. الخ، وهم ممن كان العطية يعمل على نشر بداياتهم في الكتابة، وقد عمل مع قسم منهم على جمع شعر مثنى حمدان العزاوي، بعنوان (لن تراني الضفاف)، ونشره العطية، في العام 1964 أو 1965 على ما يذكر الشاعر حميد سعيد.

كان العطية مفتوناً بالشعر القديم، ويذكر أنه صادف بدر شاكر السياب في مقر جريدة الحرية، في مكتب الصحفي الرائد فيصل حسون، نقيب الصحفيين العراقيين الأسبق، فطلب منه السياب مرافقتهُ إلى مكتبة المثنى حيث اقتنى ديوان ذي الرمة الضخم، مقابل دينارين، فاستقلا باصاً ذا طابقين من باب المعظم، وفي الباص طلب منه السياب أن يفتح صفحة معينة، ويطابق حفظهُ لقصيدة عينية لذي الرمة، وكان انشاد السياب متقناً، رائعاً حتى ان ثلاث فتيات في الباص صفقن لهُ.

بعد ذلك، طلب منه أخوه خليل تصحيح تجارب (بروفات) كتابه الأول ديوان المزرّد بن ضرار الغطفاني وهو من شعراء صدر الإسلام، فاقتضى الأمر مراجعة العشرات من الكُتب التراثية، وسُعد، من خلال هذه المهمة، بلقاءات عديدة مع الشيخ محمد رضا الشبيبي في دارهِ بالكرادة الشرقية، والذي كتب مقدمة الكتاب، وسرّ الشبيبي لأنه يهوى الشعر المقفى لا الحرّ الذي فتن الشباب به، وفي ذلك الزمن نفسه، تعرف إلى العلامة علي الوردي، الذي ترك في قلبه ووجدانه أسئلة كثيرة من خلال آرائهِ المثيرة للجدل.

في أواسط ستينيات القرن العشرين، شارك أخاه خليل في جمع وتحقيق ديوان ليلى الأخيلية، الذي أصدرته وزارة الإعلام سنة 1967 وكانت تلك مواجهته الحقيقية مع التراث، فبالإضافة إلى مراجعة عيون التراث، بحثاً عن أبيات لليلى اضطر لتصفح موسوعة (لسان العرب) لابن منظور، صفحة صفحة، لان هذهِ الموسوعة ذات الستين جزءاً لم تكن مفهرسة.

وعمل العطية في الصحافة، وسار عشقه للتراث مع عمله الصحفي، فكان يكتب عموداً يومياً بتوقيع (جهين)، الذي عنده الخبر اليقين، ونال هذا العمود الساخر أصداء كثيرة، أيامئذٍ، ويصفه الكاتب عباس العلوي بالقول: “جهين: صاحب مدرسة عراقية فريدة في الأدب السياسي الساخر تفوّقت على من سبقها ومن لحق بها، مؤطرة بالسهل الممتنع، لا يمكن لأحد تقليدها”..

وقبل هجرته، أصدر العطية ثلاثة كُتب تراثية اثنان منها صدرا عن وزارة الإعلام، وفي مهجره يعيش عيشة اعتيادية بين أسرته، ولكنه لم يجد فرصة لممارسة اختصاصه، غير أنه ما يزال ينفق وقتاً كبيراً للعناية بالتراث العربي القديم، المهمل من أبناء جيله، واستطاع تحقيق نحو ثلاثين كتاباً معظمها نصوص تراثية نُشرت في بيروت ولندن والدوحة وباريس، وهو يعدّ هذا أهم منجزاته، وما تزال هوايته في القراءة والكتابة والبحث مستحكمة فيه لم تفارقه، فقد يمم وجهه نحو باريس، في شباط العام 1978? لطلب العلم، وكانت حقيبته تحمل رسائل إلى عديد من المستشرقين زوده بها الأساتذة ميخائيل عواد، وكوركيس عواد، وهلال ناجي، وأكرم فاضل، وكان من بين هذهِ الرسائل رسالة الى السيدة (ايفيت سوفان) أمينة المكتبة الوطنية في باريس.

وفي رحلته هذه واجه العطية، لأول مرة، الاستشراق كعلم، وهو يعترف بامتنان أنه تعلم الكثير من مناهج المستشرقين في التحقيق والفهرسة، وفتحت له المكتبة الوطنية أبوابها على ألوف المخطوطات العربية الغافية بين رفوفها ومجموعها ثمانية آلاف مخطوط عربي.

صلات حميمية

عقد العطية، خلال تلك الأيام، صلات حميمة مع موظفي المكتبة، وقادته السيدة سيلفي إلى غرفة صغيرة، وأخبرته أن العالم العراقي مصطفى جواد كان يتخذها صومعة لأعمالهِ، وهيأت له فهارس باريس معرفة أماكن المخطوطات في أنحاء العالم وكان ثمرة ذلك التحقيق لـ(درج الغرر ودرج الدرر)، تأليف عمر بن علي بن محمد المطوعي توفي نحو 440هـ، الذي وقف على مظنّة وجوده في مكتبة ابالا بالسويد، وكتاب (أساس السياسة)، تأليف جمال الدين علي بن يوسف القفطي، الذي اكتشفه في مكتبة بطرسبرغ الروسية، وكان عثوره على اسم المؤلف الحقيقي للكتاب، الذي نُشر خطأ منسوباً إلى الجاحظ باسم التاج، مفاجأة للباحثين فالمؤلف الحقيقي هو محمد بن الحارث التغلبي من علماء القرن الثالث الهجري، حققه باسم (أخلاق الملوك)، وكان ذلك من الكشوفات العلمية، التي يعتز بها. وحقق العطية كتابين مهمين يحملان اسم (آداب الملوك) أحدهما لأبي منصور الثعالبي صاحب (يتيمة الدهر)، الذي تبنت نشرة منظمة اليونسكو العالمية والآخر لعلي بن زين العابدين الكاتب وهو من علماء القرن السابع الهجري، كما عُني بأبي الفرج الأصبهاني، صاحب كتاب (الأغاني)، فحقق كتابهُ (الإماء الشواعر) وقصيدة في الديك، وجمع ما استطاع من كتابيه المفقودين: (الفتيان) و(الديارات)، وتجدر الإشارة، هنا، إلى أن جامعة السوربون  الباريسية درّست كتاب (الديارات) لطلبتها لسنين طوال.

وتتواصل رحلة العطية مع التراث، ليبلغ مجموع المخطوطات، التي حققتها نحو ثلاثين كتاباً أحدثها كتاب (بدائع التشبيهات) لابن ابي اليسر التنوخي وشعر الشريف البياض.

واجتماعياً، فإن زواج العطية أثمر ثلاثة أولاد، وثمانية أحفاد.

وأخيراً، فالعطية، كما يصفه أحد الكتاب: “غامس بكل روحه بالتراث العربي، يحبه، يشمّه، يلمسه، يتعامل معه كربيب مدلل/ ولذلك سهر عليه، تغنى به، وعامله بلطف وحب، نفض الغبار عن كثير من أوراقه الجميلة، وانتشل كثيراً من كنوزه من الضياع والإهمال والنسيان، فأدخل الفرحة على قلب الحرف العربي، وبعث السرور في صدور الآباء الأولين لهذا التراث وهم في عالم الملكوت، وأسهم بربط حاضر الأمة بماضيها العتيد، وأكمل المهمة بما أحياه بالأبداع والتجديد بريادته الادب الساخر، وكم بنا حاجة إليه في مثل هذا الزمن القاحط بالقيم والمثل العليا!”.

مشاركة