جلد الغزال

884

جلد الغزال

كان من عادة أهالينا في زمن لم تكن تزين جدران غرف بيوتهم كما هو الحال الان بلوحات الرسوم الفنية المزججة وتحف الصور الاثرية الجدارية وتلك التي يتم تزيينها وتعليقها على جدران الغرف وما تتميز فيها عادةغرف الضيوف من مباهج الزغرفة والديكور وتواجدالعديد من الأنتيكات والتحف والقطع النادرة والثمينة…

اقول كانت عادة أهالينا ان يزينوا جدران غرف استقبالهم للضيوف بأنواع من السجاد المطرز برسوم الطبيعة والحيوانات الأليفة الجميلة المظهر والقوام ، وصور لمدلولات شخصية او تاريخية وأحيانا رسومات وآيات قرآنية مكتوبة بخطوط عربية واعجمية غاية في الاتقان والروعة،تبعث في نفوس ناظريها البهجة والسرور والارتياح،وهذه ربما تكون اداة او وسيلة للترحيب الاولى والفرح بحضور الضيوف..

وموضوعنا اليوم ليس بعيدا عن هذا السياق والمضمون، عندما كنت انظر قديما بتعجب واندهاش لجلد حيواني مدبوغ بطريقة حرفية معلقا على جدار احدى أركان غرفة ضيوفنا في ذلك البيت البغدادي العتيق بباحة داخله المفتوحة الى السماء التي تتسور غرف جلوسه ونومه طابقه الاول وسياج ربما يكون خشبيا منقوشا بطريقة فنية متقنة تطل من خلاله كافة الغرف على الباحة الداخلية للبيت…

ولهذه المقدمة الأولية في الوصف والتذكير قصة جميلة لانكاد نذكرها حتى يتبادر لنا ذلك الحدث المفرح البريء الذي دار حول هذه القطعة المعلقة وقصتها معنا نحن اهل البيت..

كانت القطعة المعلقة على جدار الغرفة تلك وهي جلد لغزال بري مدبوغ اتذكر منه مساحة بيضاء من شعر الحيوان زاهية جميلة وبارتفاع لايسمح لنا نحن الأطفال في حينه اللعب او العبث به،كانت تلك القطعة واحدة من قطعتين أهداها إلينا عمنا المرحوم واحتفظ لاهله بالأخرى والذي كان قد جلبها من العمارة(حاليا محافظة ميسان) في بداية الستينيات من القرن الماضي حيث كان موظفا اداريا يعمل فيها في وقتها كنوع من التقدير والتكريم..

المهم في حكاية هذه القطعة ،اننا كنّا نجاور في السكن بيت عمنا ولطالما نقضي أوقاتنا نحن اولاد العم سوية في اللعب ونغتم فرص فراغنا من المدرسة وغياب أنظار من يراقبنا من اهلنا في الجري والسباق وألعاب الأطفال البسيطة البريئة التي لم نكن نقدر حلاوتها وأصولها حتى كبرنا وأخذ منا العمر مأخذه لنرى اطفالنا اليوم وهم يقتاتون من اللعب والهدايا واجهزة التسلية والاتصال ماليس لها أية علاقة بماضي ما عاشه آبائهم في صغرهم.. والغريب ان احد اخوتي الذي يكبرني ربما باقل من عامين كان مع ابن عّم لي في قريب سنه حينما يبلغ فيهم الخصام والخلاف في اللعب ان يسعى ابن عمنا راكضا الى غرفة ضيوفنا متسلقا الدرج المبني بعتباته الضيقه عبر باحة بيتنا ليتعلق بجدار الغرفة نازعا جلد الغزال من مسامير تثبيته وممزقا اثاره ليحتفظ لنفسه بهذه الهدية على اعتبار انها من املاك ابيه الذي هو عمنا رحمه الله وليس لنا حقا فيها طالما انه قد اختلف او زعل من اخينا…

بهذه البراءة والعفوية كان أطفال أهالينا في زمن لم تكن البراءة والعفوية الا عنوانا للتعايش والامان والألفة مع الاخرين..وبنفس البراءة يعيد ابن عمنا هذا جلد الغزال الى موقعه معتذرا بعد ساعات من التسامح والتصالح، ولتعاد هذه الحادثة بنفس المنوال كلما تقطع أو شاب علاقة الطفلين سوءا.

تذكرت هذه الحادثة قبل يومين وانا في لقاء مع ابن عمي الذي بدى لي ضاحكا وهو يستذكر هذه الحادثة وأبلغته باني سانشرها في صفحتي الشخصية على الفيس بوك ليستذكرها طرف القصة الثاني اخي الأكبر الذي يعيش غريبا عنا في بلد اخر في وقتنا الحالي ..

مااجمل جلد الغزال هذا الذي يعرف كيف يجمع بين متخاصمين في وقت اصبح الان لا يتسامح فيه خصمين باموال ومفاتيح الدنيا وان عظمت..

عبد الكريم احمد الزيدي – بغداد

مشاركة