جعفر أبو التمّن ومشروعه الوطني والوحدوي

جعفر أبو التمّن ومشروعه الوطني والوحدوي

رائد الحياة الحزبية المنادي بالوحدة العراقية والنائي بنفسه عن الطائفية المقيتة

عـلاء لازم العيـسى

يعد الحاج جعفر أبو التمّن أحد أبرز قادة الحركة الوطنية في العراق ، ومن زعماء ثورة العشرين ، ومن أشدّ الداعين إلى الوحدة الوطنية بعيداً عن الطائفية المقيتة ، والتخندق الحزبي والسياسي .   ولد محمّد جعفر بن محمّد حسن بن داود أبو التمّن في بغداد ، في محلة صبابيغ الآل سنة  1881 وسط أسرة امتهنت التجارة ، تعلّم في الكتاتيب ، وأتيح له وهو في سن الصبا أن يغشى بصحبة جده المجالس التي كانت تعقد في دور الوجوه والأعيان ، وأن يصغي إلى الحوارات التي تدور فيها ، وأن يستمع إلى المناقشات التي تتناول ما يشغل أذهان الناس في ذلك الوقت ، ويمسّ حياتهم اليومية ، فاستمد من هذه المجالس مواد ثقافته ، وراح يصقلها بما كان يطالعه من صحف وكتب تقع تحت يده.   أسهم في سنة1908 في تأسيس مكتب الترقي الجعفري العثماني في بغداد ، وهي مدرسة لتعليم اللغات والعلوم العصرية ومسك الدفاتر ، وقد أعرب الوالي عن ترحيبه بالمشروع إلا أنه اعترض على تسمية المدرسة بـ ( مكتب الترقي الجعفري ) ، بحجة أن الحكومة العثمانية لا تفرّق بين المواطنين واقترح تبديله ، فانتدبت الهيأة المؤسسة للمدرسة جعفر أبو التمن لتوضيح سبب هذه التسمية ، فقام بدوره أحسن قيام، وأقنع الوالي بأنّ هذه التسمية لا تستهدف إثارة النعرات الطائفية ، بل قصد من ورائها إقناع أبناء الشيعة بأنّ هذه المدرسة منهم وإليهم ليقبلوا عليها ويرسلوا أولادهم إليها ، فوافق الوالي وأمر بمنح الإجازة. فتحت المدرسة في 12/12/1908 ولغرض الإشراف على سير التدريس فيها انتخبت هيأة إدارية مؤلفة من 15 عضواً ، ابتدأت الدراسة في بادئ الأمر بصفوف ابتدائية ثمّ رشدية وتوسعت إلى إعدادية ، وكان الإقبال على هذه المدرسة كبيراً ، إذ بلغ عدد الطلبة فيها بعد مضي سنة واحدة على تأسيسها ما يزيد على الثلثمائة طالب .  بدأ أبو التمن نشاطه السياسي سنة 1909  في التظاهرات الاحتجاجية بعد إعلان الحكومة العثمانية عزمها على بيع الإدارة النهرية العثمانية إلى شركة لنج الانكليزية ، إذ انتدب أبو التمن لتقديم العريضة التي رفعها المتظاهرون إلى الوالي، وعندما انطلقت حركة الكفاح المسلح ضد الانكليز سنة 1914 أنيطت به مهمة تزويد المجاهدين بالمؤن والأموال اللازمة للجهاد ، وفي تلك الأثناء كان قد بلغ السن القانونية للخدمة العسكرية ، وبدلا من أن يُرسل إلى جبهات القتال أبقي في بغداد ليقوم بمهمة ( عضو ارتباط ) بين السلطة العثمانية والمجاهدين .  عُيّن عضواً في المجلس البلدي ببغداد سنة 1919 وفي السنة نفسها انضم إلى جمعية     ( حرس الاستقلال ) السرية السياسية في بغداد وانتخب عضواً في هيئتها الإدارية، وفي آيار  1920 كان أحد الموقعين الخمسة عشر الذين انتدبتهم جماهير بغداد والكاظمية المجتمعة في جامع الحيدرخانة في بغداد لتمثيل الشعب في مطالبة السلطة البريطانية الاستجابة لمطالب الحركة الوطنية بالاستقلال ، ممّا أثار غضب السلطات المحتلة ، فراحت عيون العملاء تراقب حركاته وترصد تنقلاته ، فلما علم جده الحاج داود بذلك أقنع حفيده بالسفر إلى إيران ، واتفق أن كان أحد رجال الدين من إيران ذلك الوقت بضيافة الحاج داود يستعد للعودة إلى بلاده ، فلما علم بالأمر أعرب عن استعداده لاستصحاب جعفر معه ، فسافر إلى إيران . لم تطل مدة مكوثه في إيران ، فسرعان ما عاد إلى بغداد أوائل سنة 1920 ووحد مساعيه مع الحركة الوطنية ، وعند نشوب ثورة العشرين انحاز إليها وصار أحد قادتها ، وتجول في مناطق الثورة بالفرات الأوسط ، فجدّ البريطانيون في طلبه ، وفي فجر يوم الخميس 12/8/1920 داهمت الشرطة داره في محلة صبابيغ الآل ، في زقاق يعرف بإسم جده ( دربونة حاج داود) ، لكنه استطاع الهرب إلى دار جيرانه الخلفي لشخص يدعى عبدالهادي حبّة ، وبقي فيها ليلة واحدة ، ومكث في دار صديقه مهدي الخياط  حوالي الأسبوع متوارياً عن أعين السلطات ، بعدها غادر بغداد يحرسه رجال مسلحون متوجهاً إلى كربلاء ، ومنها إلى النجف ، وبعد مدة وجيزة لجأ إلى أمير الحجاز الشريف حسين . وبعد تسعة أشهر عاد إلى بغداد ، وفي 15/4/1922صدرت الإرادة الملكية بتعيينه وزيراً للتجارة في الوزارة النقيبية الثانية ، لكنه سرعان ما استقال من منصبه بتاريخ بعد موافقة مجلس الوزراء على نصوص المعاهدة البريطانية ـــ العراقية التي تتقمص ثوب الانتداب ، وهذا نص كتاب استقالته : (( إلى فخامة رئيس الوزراء دامت دولته بما أن مبدأ العاجز لا يوافق المبدأ الذي عليه هيأة الوزراء العظام ، كما تشهد به مناقشات وقرار مجلس الوزراء الموقر في جلسته المنعقدة بالأمس 25 حزيران سنة 1922 أقدّم إلى فخامتكم استقالتي من وزارة التجارة راجياً قبولها ولفخامتكم مني مزيد الاحترام 30  شوال 1340  و 26  حزيران 1922 عبدكم وزير التجارة جعفر حفيد الحاج داود)).  أسهم مع جماعة من الوطنيين في تأسيس حزب سياسي لهم بإسم ( الحزب الوطني العراقي) وقد أجيز من قبل وزارة الداخلية في2/8/1922  وبذلك فقد دشّن بداية الحياة الحزبية في العراق ، وكان من أهداف الحزب تنشيط الفكرة الوطنية والوحدة العربية ، كما أنّه اقترح على أصحاب الآراء المختلفة من السياسيين إنشاء حزبٍ مختلط لتوحيد جهودهم من أجل خدمة العراق، ممّا أوجب سخط جماعة من المندسين والمتطرفين من زملائه فعلا ضجيجهم وملأ الجو صراخهم .   وقد قام الحزب الوطني الذي تولى أبو التمن رئاسته ، مع حزب النهضة بشن حملة واسعة النطاق ضد الانتداب البريطاني وذلك في يوم 23/8/1922 بمناسبة مرور سنة على تتويج الملك فيصل ، فنظّم تظاهرة جماهيرية كبيرة كان جعفر أبو التمن يتقدّم صفوفها ، طالبت بشجب الانتداب البريطاني وإقالة وزارة النقيب وعدم عقد أية معاهدة قبل تأليف المجلس التأسيسي ، فقلقت دار الاعتماد البريطاني وأسرع المندوب السامي السير برسي كوكس بعد أن تعرّض إلى هتافات معادية ، وقد راعه هذا المد الشعبي إلى الحزبين المذكورين  فتمّ اعتقال قادتهم ، وفي مقدمتهم جعفر أبو التمن ، وإبعادهم إلى جزيرة هنجام في الخليج العربي وذلك في 26/8/1923 وعندما أعاد البريطانيون المنفيين كان أبو التمن آخر العائدين ، وقد دخل بغداد في 10/5/1923 أمّا عن كيفية اعتقاله ونفيه ، فقد كانت السلطات قد صادرت أوراقاً يحملها نقيب أشراف سامراء كان قد زوده بها الحزب الوطني العراقي في 26/8/1922 وكانت اللجنة التنفيذية يومها مجتمعة وأخبرهم بما جرى ، فقررت اللجنة الاحتجاج على هذه التصرفات الشاذة لدى مدير الشرطة العام وعهد إلى جعفر أبو التمن وحمدي الباجه جي إبلاغ مدير الشرطة العام بذلك القرار ، فذهب الإثنان إلى دائرة الأمن العامة ولكنهما لم يجداه في محلّ عمله ، فزار أحد موظفي دائرته الميجر جرارد ، فتعهد هذا بإجراء التحقيقات اللازمة وإبلاغ الحزب بنتيجة ذلك ، ولكنه خرج قليلاً من غرفته ثمّ عاد وهما في انتظاره وقال لهما إنه سوف لا يدخر وسعاً بالتحقيق في أسباب الحادثة ، وعند خروجهم من الدائرة وإذا بسيارة فيها ثلاثة من رجال الشرطة كانت واقفة بانتظارهما فأركبا بها. أرسل المعتقلون إلى معسكر القوة الجوية في الهنيدي ( معسكر الرشيد فيما بعد ) ، ثمّ منه إلى السجن العسكري في منطقة المعقل في البصرة الذي أقاموا فيه حوالي الشهر ، ثمّ حملتهم الباخرة ( باندرا ) إلى منفاهم في جزيرة هنجام في الخليج العربي، وبقي أبو التمن مع رفاقه في تلك الجزيرة النائية يعاني من ألم الغربة ويقاسي من حرارة الطقس ، وقد لبث أبو التمن وحده في تلك الجزيرة بعد أن سُمح لرفاقه بالعودة إلى بلادهم ، بسبب رفضه التوقيع على تعهد بأن لا يقوم بأي عمل ضد الحكومة ، وفي 3/3/1923 اقترح المعتمد السامي البريطاني على مجلس الوزراء الإذن لجعفر أبي التمن بالسفر إلى أي نقطة شاء في أوروبا ، ولمّا عرض الاقتراح على مجلس الوزراء وافق المجلس على أن يؤذن له بالعودة إلى العراق لعدم تمكنه من المعيشة في أوروبا ، على أن تؤخذ منه وثيقة كالتي أخذت من غيره من المنفيين ، لكنه عاد دون أن يقدم التعهد المذكر، ووصل بغداد في 10/5/1923 وكان هو آخر من عاد من المنفيين .      اعتزل العمل السياسي بعد عودته ، وجمّد نشاط حزبه (الحزب الوطني ) حتى انتخابه نائباً عن بغداد في حزيران 1928 ? فأعاد حزبه إلى نشاطه ليشترك مع ياسين الهاشمي في تأليف كتلة لمعارضة المعاهدة العراقية ـــ البريطانية لسنة 1930  وفي  1/11/1933 أعلن اعتزاله مرة ثانية عن السياسة وانسحب بشكل غير متوقع من الحياة السياسية ، لكنه اشترك في الإعداد لانقلاب بكر صدقي ، وبعد نجاح الانقلاب عيّن وزيراً للمالية في وزارة حكمت سليمان 29/10/1936 ولم يلبث أن استقال من منصبه.  كان من المؤسسين لجماعة الأهالي 1932 ونادي بغداد في نوفمبر1933 والجمعية الشعبية في مطلع سنة 1934 أصدر جريدة ( المبدأ ) وهي جريدة يومية سياسية صدر عددها الأول في 26/1/1935 وألغي امتيازها في بداية سنة 1949 كان عضواً في إدارة غرفة تجارة بغداد سنة 1928 ثمّ رئيساً لها 1935ــ 1939 توفي في بغداد صباح يوم الثلاثاء المصادف 20/11/1945  انمازت شخصية جعفر أبو التمن بنوع من البساطة ، وعرف بمزاج خاص يميل إلى المبالغة في التدقيق والإسراف في التمحيص حتى في المسائل الفرعية ، ممّا كان محل تذمر ممن كان يعمل معه ، كما عُرف بترفعه عن التأثر بالاعتبارات الطائفية ، وقد كان دوره في ثورة 1920 التقريب بين أبناء الطائفتين السنيّة والشيعية ، والإسهام في كل ما من شأنه أن يوثق عرى الصلة بين الطائفتين . ومن علامات وطنيته وترفعه عن كلّ الاعتبارات ، موقفه من الاعتقالات التي شنتها الحكومة في تشرين الثاني سنة 1937 في أوساط الشيوعيين من العسكريين ، إذ سعى للتوسط للمعتقلين الـ65 سكرياً ، فخففت عقوبات ثلاثة منهم من الإعدام إلى السجن ، ومن حكم بالسجن إلى مدد أقل ، وإطلاق سراح البقية ، فكان عدد الذين عوقبوا منهم في النهاية اثنين وعشرين فقط .