جعجعة ولا طحين – حسين الصدر

296

جعجعة ولا طحين – حسين الصدر

1

قال الشاعر :

ثمانيةٌ قامُ الوجودُ بها فهل

ترى مِنْ مَحِيصٍ للورى عن ثمانيه

سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ

وعسرٌ ويسرٌ ثم سُقْمٌ وعافيهْ

بهنَّ انقضت أعمارٌ أولادِ آدمٍ

فهل مَنْ رأى أحوالهم متساويه ؟

قديما قالوا :

بقاء الحال من المحال ،

وشذّ عن ذلك الاسطورة المعروفة عن ( جَبرُ) الذي امتدت به الأيام السود من الولادة حتى القبر .

2

والمهم :

انّ الدنيا ليست دارَ النعيم التي وُعِدَ بها المتقون ..

انها دار البلاء ، والاحزان ، والأمراض ،والاتعاب، ومع هذا كله فانّ الناس يرغبون في البقاء الطويل .

وتبدلُ الأحوال من ضيقٍ الى فرج ، ومن يسر الى عسر ، ومن صحة الى مرض ، ومن شمل ملموم الى فُرقةٍ وشتات ، ومن سَعْدٍ مُبهج الى نَحْسٍ مُوجع … فصول تتعاقب وتتوالى على الانسان والمجتمع، عبر امتدادات الزمان والمكان .

وفي المأثور :

الدهرُ إنْ أنْصَفَك فيومان :

يوم لكَ ويوم عليكَ

وهذا المعنى ضمّنه الشاعر بقوله :

انما الدنيا عواري            والعواري مُسْتَردّهْ

شدّةٌ بَعْدَ رخاءٍ               ورخاءٌ بعدَ شدّهْ

4

وفي ” العراق الجديد ” كثيرا ما تخيب الظنون والآمال :

فالطالب الذي يبذل قصارى جهده ليقطع المراحل الدراسية كلها بنجاح ويحصل على شهادته الجامعية ، يأمل أنْ تؤهله هذه الشهادة للحصول على عملٍ مناسب ، يستطيع معه ان يأمن على نفسه من العوز والحرمان، أصبح يصطدم بالعقبات الكثيرة التي تحول بينه وبين ما يريد..!!

وهكذا أصبحنا أمام قوافل كبرى من الجامعيين العاطلين …

والفتاةُ التي بلغت سنّ النضج واكتملت أنوثتُها .. تترقب ( فارس الأحلام) أنْ يطرق الباب لتدخل (العش الذهبي)، ولكن صعوبة الأوضاع المالية لمعظم الشباب تحول بينهم وبين الزواج  ومن هنا برزت مشكلة العنوسة بكل ما تحمل من أضرار وأخطار .. وأصحاب المحلات والبضائع المختلفة جابوا البلدان ، واشتروا من البضائع والمنتجات ما اعتقدوا أنّه محلُ احتياجٍ من قبل الزبائن ، ولكنّ بضائعهم بقيت مكدّسة عندهم حتى ضجوا من الركود بسبب شحّة منسوب القدرة على الشراء .. والصناعيون والزراعيون فتكت فيهم مشكلات الكهرباء والماء حتى عطلّت الكثير من المصانع والمعامل واستحالت قِطَعٌ كبيرة من الأراضي الزراعية الى بقاعٍ قاحلة ..! والكُتاب والمؤلفون والمبدعون والموهوبون ، يشكون من قلة العناية بهم، حتى اضطر الكثيرون منهم الى مغادرة الوطن . ومعظم المؤلفين يلجأون الى توزيع كتبهم كهدايا ، يقدمونها لعشّاق الفكر والادب والمعرفة والثقافة، بعد أنْ أصبح شراء الكتاب عملية نادرة ..!! والمهجّرون الذين اضطروا الى أنْ يسكنوا في المخيمات ، التي لا تقي من البرد الشديد ولا من الحرّ ، فضلاً عن سوء الخدمات ، تسكنُهُم الأوجاع، وتعصفُ بهم الحالة المزرية التي لا يُدرى متى تنتهي ؟

انهم يصارعون المشاق والصعاب ولا يحصلون الاّ على الوعود المعسولة..!!

ومِثْلُهُم الكثيرُ مِنْ عوائل الشهداء، الذين ضحوا بأرواحهم دفاعا عن الارض والعرض، وبقيت عوائلهم مهملة مهجورة تعاني شظف العيش ومرارة التضييع … ويطول بنا الحديث عن هموم البائسين والمستضعفين الذين يرون بأعينهم ترف (السلطويين) وبطرهم ، وانشغالاتهم المستمرة بالحفاظ على مكاسبهم وامتيازاتهم، دون أنْ يحسبوا لكل تلك الشرائح المسحوقة الحساب اللازم!!

ان (الطبقة الوسطى) قد انمحى وجودها ولم تبق الآن الا طبقتان فقط :

طبقة الفقراء والضعفاء من محدوديْ الدخل وهي الطبقة الكبرى ،

وطبقة المترفين من حيتان الفساد، المتحكمين في مصائر العباد، واخوانهم بالرضاعة ، وهي طبقة محدودة العَدد ، ولكنها ذات السطوة واكتناز الثروة..

وحتى الآن :

نسمع الجعجعة المدّوية ولكننا لم نر الطحين ..!!

مشاركة