جسر السنك

437

رافد جبوري

يأتي‭ ‬فتح‭ ‬جسر‭ ‬السنك‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬ساحات‭ ‬المواجهة‭ ‬الرئيسية‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬والقوات‭ ‬التي‭ ‬قمعتهم‭ ‬كتطور‭ ‬اخر‭ ‬يكرس‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬الاحتجاجية‭. ‬شهد‭ ‬جسر‭ ‬السنك‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭  ‬مواجهات‭ ‬دامية‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وقامعيهم‭ ‬كانت‭ ‬اشد‭ ‬تلك‭ ‬المواجهات‭ ‬ماحصل‭ ‬في‭ ‬ديسمبر‭ ‬كانون‭ ‬الاول‭  ‬عندما‭ ‬هاجم‭ ‬مسلحون‭ ‬يعتقد‭ ‬انهم‭ ‬ينتمون‭ ‬لاحدى‭ ‬الميليشيات‭ ‬المتظاهرين‭ ‬واطلقوا‭ ‬النار‭ ‬عليهم‭ ‬بينما‭ ‬تصدر‭ ‬عملية‭ ‬المواجهة‭ ‬لذلك‭ ‬عناصر‭ ‬القبعات‭ ‬الزرق‭ ‬التابعين‭ ‬لزعيم‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬مقتدى‭ ‬الصدر‭. ‬هاهي‭ ‬عملية‭ ‬فتح‭ ‬جسر‭ ‬السنك‭ ‬تأتي‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬افترق‭ ‬الصدر‭ ‬وحركته‭ ‬عن‭ ‬الحركة‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬لكن‭ ‬ايضا‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬امر‭ ‬بحل‭ ‬القبعات‭ ‬الزرق‭ ‬التي‭ ‬اتهم‭ ‬عناصرها‭ ‬بالهجوم‭ ‬على‭ ‬المتظاهرين‭ ‬وقتلهم‭ ‬ايضا‭ ‬في‭ ‬الاسابيع‭ ‬الاخيرة‭.‬‭ ‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬الاحداث‭ ‬تستدعي‭ ‬وقفة‭ ‬لتدبر‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭. ‬في‭ ‬البداية‭ ‬كان‭ ‬واضحا‭ ‬ان‭ ‬تظاهرات‭ ‬تشرين‭ ‬كانت‭ ‬اكبر‭ ‬مما‭ ‬يتوقع‭ ‬الجميع‭ ‬بحجمها‭ ‬وباهدافها‭ ‬فقد‭ ‬اهتزت‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية‭ ‬وفشلت‭ ‬اذرعها‭ ‬الامنية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬التظاهرات‭ ‬رغم‭ ‬القمع‭ ‬الدموي‭ ‬و‭ ‬حملات‭ ‬الشيطنة‭ ‬الاعلامية‭. ‬بينما‭ ‬جاء‭ ‬انضمام‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬للتظاهرات‭ ‬ليجعلها‭ ‬اكبر‭ ‬واقوى‭, ‬الى‭ ‬ان‭ ‬اتت‭ ‬لحظة‭ ‬الفراق‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬متوقعة‭. ‬فالتيار‭ ‬الصدري‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬ولكنه‭ ‬ثوري‭ ‬اسلامي‭ ‬ايضا‭ ‬له‭ ‬قيادة‭ ‬وتنظيمات‭ ‬وهو‭ ‬مشارك‭ ‬في‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬و‭ ‬متصل‭ ‬بابعادها‭ ‬الاقليمية‭. ‬فزعيمه‭ ‬يميز‭ ‬نفسه‭ ‬عن‭ ‬الاطراف‭ ‬المندمجة‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬المشروع‭ ‬الايراني‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يعادي‭ ‬ايران‭ ‬طبعا‭. ‬كما‭ ‬انه‭ ‬يتحالف‭ ‬مع‭ ‬الشيوعيين‭ ‬والعلمانيين‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يتبعهم‭. ‬وهو‭ ‬طالما‭ ‬جلس‭ ‬مصغيا‭ ‬بلطف‭ ‬لاوقات‭ ‬طويلة‭ ‬لكثير‭ ‬من‭ ‬الصحفيين‭ ‬والناشطين‭ ‬في‭ ‬جلسات‭ ‬جماعية‭ ‬او‭ ‬ثنائية‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لايعني‭ ‬انه‭ ‬اقتنع‭ ‬بما‭ ‬سمعه‭ ‬منهم‭. ‬

اما‭ ‬حركة‭ ‬التظاهرات‭ ‬فهي‭ ‬حركة‭ ‬ناقمة‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬العملية‭ ‬السياسية‭ ‬ولكنها‭ ‬ايضا‭ ‬لم‭  ‬تفرز‭ ‬هي‭ ‬قيادة‭ ‬واضحة‭ ‬لاسباب‭ ‬عديدة‭. ‬اهم‭ ‬ملامح‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬هي‭ ‬تطبيع‭ ‬الاوضاع‭ ‬الميدانية‭ ‬الذي‭ ‬بات‭ ‬مطلبا‭ ‬تركز‭ ‬عليه‭ ‬اطراف‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭. ‬وقد‭ ‬اوضحت‭ ‬تطورات‭ ‬الايام‭ ‬الاخيرة‭ ‬ان‭ ‬عمليات‭ ‬تصفية‭ ‬التظاهرات‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬عديدة‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬ومحافظات‭ ‬الجنوب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تثير‭ ‬نفس‭ ‬الادانة‭ ‬من‭ ‬الاوساط‭ ‬المتنفذة‭ ‬محليا‭ ‬ودوليا‭. ‬فقد‭ ‬دانت‭ ‬المرجعية‭ ‬الشيعية‭ ‬العليا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬الصدرين‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬بنفس‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬دانت‭ ‬بها‭ ‬اعمال‭ ‬قمع‭ ‬سابقة‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬عندما‭ ‬اشار‭ ‬المتحدثون‭ ‬باسمها‭ ‬صراحة‭ ‬الى‭ ‬ضرورة‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬جديدة‭ ‬فاستقال‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬عادل‭ ‬عبد‭ ‬المهدي‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الاشارة‭ ‬وهو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬متمسكا‭ ‬بالمنصب‭. ‬اما‭ ‬الان‭ ‬فمن‭ ‬الواضح‭ ‬ان‭ ‬اوساطا‭ ‬عديدة‭ ‬مؤثرة‭ ‬تريد‭ ‬دعم‭ ‬تكليف‭ ‬محمد‭ ‬توفيق‭ ‬علاوي‭ ‬واعطائه‭ ‬فرصه‭ ‬لتشكيل‭ ‬حكومته‭ ‬والنظر‭ ‬بعدها‭ ‬الى‭ ‬تأثير‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الوضع‭. ‬

حركة‭ ‬التظاهرات‭ ‬والمتظاهرين‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مستمرة‭, ‬وقد‭ ‬توقع‭ ‬كثيرون‭ ‬ان‭ ‬تخمد‭ ‬وتفتر‭ ‬ولكنها‭ ‬تعود‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬بقوة‭. ‬وفي‭ ‬اخر‭ ‬الامثلة‭ ‬لذلك‭ ‬كانت‭ ‬التظاهرات‭ ‬الرافضة‭ ‬لتكليف‭ ‬توفيق‭ ‬علاوي‭. ‬لكن‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬المتظاهرين‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬طالت‭ ‬ولذلك‭ ‬تبعاته‭ ‬طبعا‭ ‬ومن‭ ‬اهمها‭ ‬ان‭ ‬شرائح‭ ‬عديدة‭ ‬ايدت‭ ‬التظاهرات‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بدأت‭ ‬تفتر‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬تحقق‭ ‬هدف‭ ‬احداث‭ ‬تغييرات‭ ‬جذرية‭ ‬في‭ ‬النظام‭. ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬ان‭ ‬التظاهرات‭ ‬على‭ ‬وشك‭ ‬ان‭ ‬تنتهي‭ ‬فهذا‭ ‬امر‭ ‬تحدده‭ ‬عوامل‭ ‬عديدة‭ ‬اهمها‭ ‬همة‭ ‬المتظاهرين‭ ‬انفسهم‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬العموم‭ ‬فان‭ ‬الاطراف‭ ‬المنظمة‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬يكسب‭ ‬المعارك‭ ‬الطويلة‭. ‬هناك‭ ‬طبعا‭ ‬قضية‭ ‬التوظيف‭ ‬السياسي‭ ‬للتظاهرات‭ ‬والمتظاهرين‭ ‬وهي‭ ‬اكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬من‭ ‬قضية‭ ‬ركوب‭ ‬الموجة‭. ‬فمثلا‭ ‬ترى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المكلف‭ ‬يطالب‭ ‬المتظاهرين‭ ‬بالاستمرار‭ ‬بالتظاهر‭. ‬يضع‭ ‬ذلك‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬ادعائه‭ ‬بانه‭ ‬يحتاج‭ ‬دعما‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭. ‬لكن‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬اتى‭ ‬به‭ ‬الى‭ ‬المنصب‭.‬‭ ‬كما‭ ‬ان‭ ‬قوى‭ ‬عديدة‭ ‬مؤثرة‭ ‬تعرب‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭ ‬عن‭ ‬دعمها‭ ‬للتظاهرات‭ ‬والمتظاهرين‭ ‬ثم‭ ‬تردف‭ ‬ذلك‭ ‬بعبارات‭ ‬تضم‭ ‬معان‭ ‬عديدة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬شروط‭ ‬واعتبارات‭ ‬ومحددات‭ ‬تضمن‭ ‬مصالح‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭ ‬وتؤكد‭ ‬مواقفها‭. ‬

افتتاح‭ ‬جسر‭ ‬السنك‭ ‬ليس‭ ‬نهاية‭ ‬للحركة‭ ‬الاحتجاجية‭ ‬ولكن‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬ان‭ ‬مرحلة‭ ‬ثانية‭ ‬بدأت‭. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬تصطف‭ ‬القوى‭ ‬السياسية‭ ‬باذرعها‭ ‬العسكرية‭ ‬ضد‭ ‬فكرة‭ ‬اسقاط‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬تغييره‭ ‬بطريقة‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬مصالحها‭. ‬وقد‭ ‬اتضح‭ ‬هذا‭ ‬بعد‭ ‬تغير‭ ‬موقف‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬من‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬التظاهرات‭ ‬الى‭ ‬السيطرة‭ ‬عليها‭. ‬لا‭ ‬بل‭ ‬و‭ ‬يكاد‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬يتصدر‭ ‬ايضا‭ ‬استراتيجية‭ ‬القوى‭ ‬الشيعية‭ ‬المسلحة‭ ‬الاخرى‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التظاهرات‭ ‬رغم‭ ‬المشاكل‭ ‬التاريخية‭ ‬للتيار‭ ‬مع‭ ‬تلك‭ ‬القوى‭. ‬يسيطر‭ ‬التيار‭ ‬الصدري‭ ‬اذن‭ ‬على‭ ‬المطعم‭ ‬التركي‭ ‬وتقوم‭ ‬السلطات‭ ‬بافتتاح‭ ‬جسر‭ ‬السنك‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تطبيع‭ ‬للاوضاع‭. ‬فيما‭ ‬يواجه‭ ‬المتظاهرون‭ ‬اسئلة‭ ‬مهمة‭ ‬عن‭ ‬وجهتهم‭ ‬القادمة‭. ‬

مشاركة