جسدُ الماء – خديجة سيدةُ البحيرات

342

رقرقةُ القصيدة

جسدُ الماء – خديجة سيدةُ البحيرات

مساءٌ كالهمسِ هو مساءُ الشعراء.. رقةٌ كالنسيمِ كلماتهم.. وحلوةٌ كالشهدِ اشاراتهم.. لي شاعرٌ منهم يخصني وحدي.. بحثتُ عنهُ في الأصيل عند غروبِ الشمس.. وراءَ الأفق الملوَّن الجميل، خلفَ الروابي والحقول.. فماذا وجدتُ؟! شعراً يسبحُ في الشوق وحوريات المعنى الشفيف.. يتيه داخله الوجد، يذوبُ في حدقاته الحنين والوله.. ها أنت يا أيها الفلسطينيُّ تعاتبُ الأنثى بايماءات تقطرُ دفئاً وسحرا، وتستدرجها بأسئلةٍ شعرية ماكرة.. ها هي مساءاتي المعتمة ترهفُ سمعها لصدى أصوات المحار.. وتستفيق على نغماتِ دندنة فلسطينية يرددها صوتك الحالمُ المحمول على شغفِ الريح.. صوتك الآتي من بعيد.. مخترقا كل المداءات، باحثا عن رقعةٍ آملةٍ.. مأهولةٍ بالنجوم.. ها أنا أبحثُ عن الكلامِ في صحراء لا تنتهي.. تائهة في جماليات قصائدك المخاتلة.. الشبيهة برقرقة الجسد والماء .. فللجسد لغة مشفرة يلقيها الماء قصيدةً رعويةً عذبةً.. ماذا أقولُ عنك يا نمر سعدي والأبجدية تكاد تضيع مني حينَ أقرأك؟! شاعرٌ أنتَ ذو شغف ملحاح لجوج.. ضمَّخ روحه وجسده بحبق الجليل.. مشاكس للغتهِ الشعريَّة.. مناور حذق.. مباغت كالمطر الخريفيِّ.. وراكبٌ لأمواجِ المجاز الخطرة.. تُقرأ قصائده على مهل كشمسٍ تشربُ القهوة على ساحلِ الأطلسي.. أعجبتني تلك الهالة النورانية الأنثوية التي تنبعث من بين سطورِ قصائدهِ.. ووقفت على هوسهِ الجميل وافتتانهِ الأنيق بكلِّ ما هو أنثوي.. شاعر لهُ بصمته في صياغةِ النصِّ الشعريِّ، طريقتهُ في الكتابة تلامسُ الوجدان وتسري عذبةً رقراقةً في نفس القارئ، يقول في مقطع شعري مدهش:

“أجملُ الشاعراتِ هُنَّ النحيلاتُ الفوضويَّاتُ / المصاباتُ بالهستيريا والكآبةِ..

بحركاتٍ عصبيَّةٍ ينزعنَّ القصائدَ الخفيَّةَ وثيابَ الليلِ عنهنَّ

مرَّةً قلتُ لإحداهنَّ: أرسلي عصفورَ صوتكِ لأحبسهُ في القلبِ إلى الأبدْ

فأجابتْ: وأنا.. بماذا سأهشُّ على وحدتي من دونهِ؟

أجملُ الشاعراتِ هُنَّ من يعشنَ بأعراضِ وجعٍ سريٍّ وحُبٍّ غامضٍ لا تزول”

هنا لبس الشاعر جبَّة الطبيب المعالج.. العارف بأحوال الأنثى والسابر لأغوارها البعيدة في أقصى حالات العشق والتدفق اللفظيِّ المشغول بالصور الجميلةِ، يحاور المرأة المنفلتة من قيود السائد والمتخلية عن ضوابطها الاجتماعية الثقيلة.. حيث تفسح تلك المرأة المتمردة المجال للا شعورها مفصحة عن دواخلها وهموم تفاصيلها متناهية الصغر، وهنا نلاحظ أن الشاعر يحاول استبطان واستغوار عوالم المرأة في محاولة للوصول إلى عمقها وكنهها.

يمتلك نمر سعدي نفس غنائي متوثب.. طويل.. ومتموج إذ نراهُ يهندس قصائده ويبنيها وهو في حالة تأهب واستنفار.. في حالة هذيان..حالة يتجرد فيها من واقعه ويتلبس بحالة استيهامية يخلق فيها واقعا فوق واقعه.. واقعا سورياليا يحقق من خلاله إشباعا لرغبات وأحلام و آمال دفينة في زاوية معتمة من زوايا تركيبته النفسية..” أمدُّ يدي لأقطفَ عن غصونِ الريحِ تفَّاحةْ / أنا الطفلُ اللجوجُ / وكلُّ أُنثى ذئبةٌ بريَّةٌ في الليلِ تخمشُ زهرةَ الليمونِ / تطردُ عن نوافذها نوارسَ لهفتي

وصدى صراخِ السندبادِ / تشبُّ فيهِ الرغوةُ البيضاءُ من وحمِ الزنابقِ / أو يئنُّ البحرُ في ناياتهِ ويضمُّ ألواحهْ”

 نمر سعدي يصنع فضاء شعريا خاصا به، يحمله همومه و أحلامه، يختلط فيه المعنى باللامعنى، الواقع بالخيال.. يدوزن قصائده على إيقاع نوتات أنثوية تعكس عشقه و هوسه بالأنثى.. الأنثى القصيدة، الأنثى المرأة، الأنثى الحياة، الأنثى الرغبة.. جل قصائده مغسولة برقة أحاسيسه و صدقها، و مشبعة بنبضات قلبه.. نمر سعدي هو الشعر و رونقه، هو البهاء و صفاؤه.. بعض قصائده ترجمة حقيقية لأحاسيس ومشاعر كل أنثى.. تجد فيها كلاما تعجز عن ترجمته، وترتشف من كأسها رشفات عذبة شهية.. فسلام الشعر عليك أيها الشاعر الزئبقي المنفلت من عقال الواقع وسلام على هوسك الطافح بالأنثى، سلام على عشقك لتاء التأنيث.. و من بعض قصائده الندية أجتزئ هذا المقطع العذب الرقراق الذي يؤكد ما أشرتُ إليه، يقول الشاعر في مقطع جميل جدا:” لظهيرةٍ خضراءَ أو للقطَّةِ البيضاءِ أكتبُ.. للفراشةِ، للحنين وللصدى الأبدي في أقصى الهشاشةِ  لاحتراقِ الحبِّ.. أكتبُ للرياحِ العاتياتِ كأنها تعوي بأسماء النساء الميِّتات هناك من زمنٍ طويل..

مشاركة