جزرة بلا عصا لعمالقة القطاع الرقمي في إيرلندا

دبلن‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬بعد‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬تشديد‭ ‬بروكسل‭ ‬إجراءاتها‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حماية‭ ‬البيانات،‭ ‬تجد‭ ‬إيرلندا‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تولّي‭ ‬دورها‭ ‬كشرطي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬وفي‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬صارمة‭ ‬ضد‭ ‬الشركات‭ ‬الرقمية‭ ‬الأميركية‭ ‬العملاقة‭ ‬التي‭ ‬أقامت‭ ‬مقارها‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬الجزيرة‭. ‬وتوفّر‭ ‬اللائحة‭ ‬العامة‭ ‬لحماية‭ ‬البيانات‭ ‬التي‭ ‬أطلقت‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2018‭ ‬سلطة‭ ‬أكبر‭ ‬للهيئات‭ ‬الناظمة‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المستهلكين‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ “‬فيسبوك‭” ‬و‭”‬غوغل‭” ‬و‭”‬آبل‭” ‬و‭”‬تويتر‭”. ‬وقد‭ ‬اختارت‭ ‬هذه‭ ‬المجموعات‭ ‬إيرلندا‭ ‬لإقامة‭ ‬مقارها‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭ ‬إذ‭ ‬لاءمها‭ ‬نظامها‭ ‬الضريبي،‭ ‬ويعود‭ ‬تالياً‭ ‬إلى‭ ‬دبلن‭ ‬أن‭ ‬توفّر‭ ‬الإطار‭ ‬الملائم‭ ‬لتنظيم‭ ‬عملها‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬باستخدام‭ ‬البيانات‭ ‬الشخصية‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الهيئة‭ ‬الناظمة‭ ‬في‭ ‬إيرلندا،‭ ‬وهي‭ ‬لجنة‭ ‬حماية‭ ‬البيانات،‭ ‬فتحت‭ ‬تحقيقات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القضايا،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تتخذ‭ ‬بعد‭ ‬أي‭ ‬عقوبات‭ ‬مهمة‭.‬

وقال‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬المفوضية‭ ‬الأوروبية‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬مشترطاً‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭ ‬إن‭ “‬استضافة‭ ‬إيرلندا‭ ‬المقار‭ ‬الأوروبية‭ ‬لهذه‭ ‬الشركات‭ ‬الرقمية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬مداخيل‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬مبيعاتها،‭ ‬تشكّل‭ ‬نعمة‭ ‬اقتصادية‭ ‬لإيرلندا‭”. ‬وأوضح‭ ‬المسؤول‭ ‬الذي‭ ‬يُعتبر‭ ‬خبيراً‭ ‬في‭ ‬الموضوع‭ ‬أن‭ “‬هذا‭ ‬يستلزم‭ ‬طبعاً‭ ‬التزامات،‭ ‬فعلى‭ ‬إيرلندا‭ ‬بصفتها‭ ‬الجهة‭ ‬الناظمة‭ ‬الرئيسية‭ ‬واجب‭ ‬تجاه‭ ‬مواطني‭ ‬كل‭ ‬أوروبا‭”. ‬وتوقّع‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأخرى‭ ‬صبرها‭ ‬إذا‭ ‬تصرفت‭ ‬إيرلندا‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬التساهل‭. ‬وتقلُّ‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرلندية‭ ‬والشركات‭ ‬المعنية‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬لكن‭ ‬ليس‭ ‬سراً‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬اختارت‭ ‬إيرلندا‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الضريبة‭ ‬التي‭ ‬تفرضها‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬منخفضة‭ ‬ولا‭ ‬تتعدى‭ ‬12‭,‬5‭ ‬في‭ ‬المئة،‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬الأدنى‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

وحققت‭ “‬فيسبوك‭” ‬مثلاً‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬في‭ ‬إيرلندا‭ ‬حجم‭ ‬مبيعات‭ ‬قدره‭ ‬25‭,‬5‭ ‬مليار‭ ‬يورو‭ ‬ودفعت‭ ‬63‭,‬2‭ ‬مليوناً‭ ‬ضرائب،‭ ‬وفقًا‭ ‬للسجل‭ ‬التجاري‭ ‬الإيرلندي‭.‬

وتساهم‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬إيرادات‭ ‬الموازنة‭ ‬في‭ ‬إيرلندا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬سكانها‭ ‬خمسة‭ ‬ملايين‭ ‬نسمة‭.‬

وشكّلت‭ ‬الضرائب‭ ‬التي‭ ‬تدفعها‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬العام‭ ‬الفائت‭ ‬77‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الإيرادات‭ ‬الضريبية‭ ‬التي‭ ‬تحصّلها‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬الشركات،‭ ‬و40‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭ ‬المتأتية‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬العشر‭ ‬الكبرى‭.‬

وأقرّ‭ ‬المدير‭ ‬العام‭ ‬لمنظمة‭ “‬تاكس‭ ‬جاستيس‭ ‬نتورك‭” (‬شبكة‭ ‬العدالة‭ ‬الضريبية‭) ‬غير‭ ‬الحكومية‭ ‬أليكس‭ ‬كوبهام‭ ‬بأن‭ “‬إيرلندا‭ ‬ملاذ‭ ‬ضريبي‭”.‬

وقال‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ “‬إيرلندا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬شركات‭ ‬الأدوية‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬العالمية‭ ‬ولا‭ ‬يمكنها‭ ‬تحمل‭ ‬الإساءة‭ ‬إليها‭”.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬تدخّل‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرلندية‭ ‬في‭ ‬تنظيم‭ ‬عمل‭ ‬الشركات‭ ‬الرقمية‭ ‬العملاقة،‭ ‬فإن‭ ‬لجنة‭ ‬حماية‭ ‬البيانات‭ ‬ممولة‭ ‬جزئياً‭ ‬من‭ ‬الضرائب‭ ‬التي‭ ‬تدفعها‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭. ‬وتنص‭ ‬اللائحة‭ ‬العامة‭ ‬لحماية‭ ‬البيانات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬السلطات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تملك‭ “‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والتقنية‭ ‬والمالية‭ ‬اللازمة‭ ‬لأداء‭ ‬واجباتها‭ ‬وممارسة‭ ‬صلاحياتها‭”.‬

لكنّ‭ ‬رئيسة‭ ‬لجنة‭ ‬حماية‭ ‬البيانات‭ ‬هيلين‭ ‬ديكسون‭ ‬قالت‭ ‬إنها‭ “‬محبطة‭” ‬من‭ ‬الموازنة‭ ‬التي‭ ‬خصصتها‭ ‬الحكومة‭ ‬للجنة‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬والبالغة‭ ‬16‭,‬9‭ ‬مليون‭ ‬يورو‭.‬

ووصف‭ ‬كوبهام‭ ‬الوضع‭ ‬بعبارة‭ “‬تقشف‭ ‬التنظيم‭”‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطموحات‭ ‬كبيرة‭ ‬لكنّ‭ ‬الإمكانات‭ ‬غير‭ ‬كافية‭.‬

وسترفع‭ ‬موازنة‭ ‬اللجنة‭ ‬قليلاً‭ ‬سنة‭ ‬2021‭ ‬لتصبح‭ ‬19‭,‬1‭ ‬مليون‭ ‬يورو،‭ ‬إلاّ‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬يبقى‭ ‬بعيداً‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬المبالغ‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تشرف‭ ‬عليها‭.‬

واعتبر‭ ‬المسؤول‭ ‬الأوروبي‭ ‬أن‭ “‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬جيد‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭” ‬لكي‭ ‬تكون‭ ‬الهيئة‭ ‬الناظمة‭ “‬قادرة‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بعملها‭”.‬

وشدد‭ ‬ناطق‭ ‬باسم‭ ‬الحكومة‭ ‬الإيرلندية‭ ‬على‭ ‬أن‭ “‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬للجنة‭ ‬يوازي‭ ‬مستوى‭ ‬حاجاتها‭ ‬الحالية‭”.‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تثبت‭ ‬الهيئة‭ ‬الناظمة‭ ‬الإيرلندية‭ ‬مدى‭ ‬صلاحياتها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قرار‭ ‬مهم‭ ‬يرتقب‭ ‬أن‭ ‬تصدره‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬ضد‭ ‬شركة‭ “‬تويتر‭” ‬في‭ ‬قضية‭ ‬موضع‭ ‬تحقيق‭ ‬منذ‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭/‬يناير‭ ‬2019‭.‬

ويتعلق‭ ‬القرار‭ ‬المرتقب‭ ‬بتحديد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬شبكة‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬أبلغت‭ ‬الهيئة‭ ‬الناظمة‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬72‭ ‬ساعة‭ ‬بعد‭ ‬خرق‭ ‬حماية‭ ‬بيانات‭ ‬المستخدمين،‭ ‬كما‭ ‬يفترض‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭.‬

ويعني‭ ‬القرار‭ ‬السلطات‭ ‬التنظيمية‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬ويُظهر‭ ‬مدى‭ ‬تعقيد‭ ‬آلية‭ ‬حماية‭ ‬البيانات‭ ‬الجديدة‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي‭. ‬وتتوقف‭ ‬صدقية‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭.‬

وتواجه‭ “‬تويتر‭” ‬استناداً‭ ‬على‭ ‬اللائحة‭ ‬العامة‭ ‬لحماية‭ ‬البيانات‭ ‬غرامة‭ ‬تعادل‭ ‬4‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬إيراداتها‭ ‬السنوية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬اي‭ ‬نحو‭ ‬140‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬قياساً‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬الإيرادات‭ ‬بلغت‭ ‬3‭,‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2019‭.‬

مشاركة